يقدم هذا الكتاب قراءة مهمة لفترة اتسمت بالفوران في تاريخ لبنان وهى فترة حكم الرئيس السابق إميل لحود، وهو فوران لاتزال تداعياته مستمرة حتى الآن. ومن الصفحات الأولى للكتاب يحدد محسن دلول مهمته في كشف الحقائق باعتبار ما يراه من أن هذا الدور أرهقه التجوال ووجد ـ المؤلف ـ أنه لا بد من النهوض به لربما تردد غيره أو امتنع أو لا يستطيع القيام به.

وقبل أن يخوض في التفاصيل يقدم لنا دلول تحت عنوان «الصراع المستمر أبداً» ما يمكن اعتباره دليل الرئيس إلى السلوك القويم، حيث يعرض الأسس التي يجب أن يلتزم بها أي حاكم ومنها مثلاً أن يدرك مهما كان موقعه وكيف كان وضعه ومهما عظم شأنه أن عليه أن يتولى الحكم برضا الناس ويقيد نفسه بالدستور الذي ارتضاه الشعب ولا يظن نفسه مفضلاً على أحد من أبناء وطنه. يبدأ المؤلف محاكمته للحود بالإشارة إلى مثالين يدينان الرئيس باعتبار ما يدلان عليه من طابع يتسم بالمزاجية والشخصنة في تعاطيه مع الأمور، وإن كان الأول في ظل قيادة لحود الجيش، وقتها كان المؤلف وزيراً للدفاع.

فقد طوقت مجموعة من الجيش وزارة المالية التي كان السنيورة وزيرها بالوكالة. وقتها اتصل هذا الأخير بالمؤلف الذي اتصل بدوره بلحود لاستطلاع الموقف حيث أخبره أن ذلك يأتي على خلفية تهجم السكرتيرة بالوزارة مدام نحاس على الجيش وأنه يصر على إحضارها إلى وزارة الدفاع للتحقيق معها.

وقتها طالب دلول المالية بالاعتذار عن ذلك وبالفعل تم الاتفاق على قيام السنيورة بزيارة للجيش ولكن كانت المفاجأة أن الأمر محض افتراء، حسب وصف المؤلف، وسط إشادة الضباط بمزايا مدام نحاس وما تتمتع به من لطافة وحسن ضيافة.

ويكتسب المثال الثاني أهمية خاصة في ضوء ما يشير إليه بخصوص طبيعة العلاقة التي كانت بين لحود والسنيورة. فقد طلب الأول في بداية عهده توقيف الأخير بتهمة التفريط بالمال العام ولدى التحقيقات أحضر السنيورة ما يفيد براءته مقنعاً القاضي بذلك فما كان من لحود إلا أن راح يقبل القاضي مؤكداً له: هكذا أريد القضاء ـ أي عادلاً. غير أنه لم يمر وقت طويل حتى تم اتخاذ إجراء ضد القاضي بتهمة أنه يقبض أموالاً من الحريري الأمر الذي كان دافعه لتبرئة السنيورة.

ومن هذا المدخل يقدم لنا صورة كئيبة لأوضاع لبنان في ظل حكم لحود في كلمات من الواضح أنها كتبت قبل رحيل الرئيس عن قصر بعبدا حيث يقول: الوطن في إجازة، والشعب معتقل في أحلامه وتطلعاته، مبعد عن تاريخه، مصادر في قيمه، الوطن للبيع، فهل من يشتري، متى تنتهي الإجازة؟ متى يتم الإفراج؟ إننا نعيش حالة من الهلوسة الاجتماعية بمزاج ساخر، معارضة جموحة وحكم غائب عن المسؤولية، نعتقد مالا نقول، ونقول ما لا نؤمن، ونفعل ما لا نريد.

وفي معرض وصف طبيعة الحكم في ظل لحود يشير إلى أن مبعثه الجهل قائلاً: إن الحكم في بلادنا رغم عجزه المطلق تصور أن بمقدوره ملء الفراغ لكنه كان هو الفراغ بعينه... إن سلطة فارغة على هذا النحو ليس لها مبرر قوي لوجودها، لأنها تشكل عبئاً كبيراً أمام تقدم الوطن والمواطنين.

وفي نيل من لحود يقول دلول: إنه البطل، نعم، إنه مبعوث جاء لأمر جلل، حكمه ضربة حظ وحين حصل عليه كان ماهراً في اقتناص الفرص، وينطبق عليه المثال: أسعد الناس هم الجهلة. إن موضع اعتزازه رفع الشعارات: المؤسسات، القانون، الحقوق، العدالة، وهو الذي ترك الفوضى والاضطرابات تتجذر في المؤسسات وتكاد تقضي على الحريات العامة، والظلم يربح على الحق، ولكنه مع كل هذا أراد أن يجعل من كل ذلك موضع اعتزاز.

المعارضة لا يريدها لأنها في رأيه ليست أمراً جيداً، يريد أن يرى الجميع حتى خصومه إيجابيين وأن يتقنوا كيف يتعاونون معه على شروطه وحسب مزاجه وعلى كيفية آرائه ونظرياته. ويواصل المؤلف محاكمته مشيراً تحت عنوان «السلطة بطانة» إلى أن أخطر العيوب بالنسبة للحكم هو الكذب، إنه آفة الآفات، حيث انه يظهر المرء بمظهر ضعيف، بمظهر الذي جانبه الحق فلجأ إلى التمويه.

والأخطر من ذلك، حسب وصفه، عندما يلجأ رئيس الدولة، أي قمة الحكم وجهاز إعلامه ومخابراته إلى الكذب والتضليل ليس حرصاً على الوطن أو الشعب وإنما تمكيناً لنفوذهم المطلق. ويتساءل: ولماذا لا يحرص الحكم على أن يلتزم الصدقية والصراحة؟ لأنه لم يتمكن من إنجازات تشكل رصيداً له فيشعر ليس فقط بالعجز وإنما بالغربة بينه وبين الناس، وإن سوء طالعه تقرب فئة منه تكيل له المدائح وتنشد في مجده القصائد والتهاليل.

وفي انتقاد لأسلوب الحكم في ظل لحود يقول المؤلف إن الحاكم يتعامل معنا بالمزعجات وهذا ما ولد لديه تساؤلات كثيرة عن كل من تجاوز على الحق والعدالة محذراً من الانسياق مع أقوال حق قد تؤدي إلى باطل، ومؤكداً أن إصلاح لبنان لا يمر بما قد يؤدي إلى إلغائه.

متسائلاً: ولماذا نستهول الأمور ما دام كل ميراث يدحرجه الزمن من جيل إلى جيل بروائحه الكريهة ويظهره على حقيقته بما تعرض له من ظلم وجور وعدوان. وهنا يؤكد المؤلف أن الأخطار التي تهدد الوطن تأتي عندما يتطفل على السياسة أناس غير مهيئين كفاية للتمرس بها وليس عندهم كفاءة لإعطائها معناها الحقيقي، فيقع عندها الفراق الحقيقي بين القيمة وبين الممارسة، بين المطلب وبين السلوك.

فنهج هؤلاء عمق الخوف والحذر وسوء الظن والتربص بأبناء المجتمع كما أنهم سعوا إلى عزل الشعب بشكل أو بآخر عن الحياة العامة وعن التفاعل مع نظام المصالح العامة وما حققوه في أحسن الأحوال تعايش هش مشوب بالشك والحذر.مضيفاً: إننا إزاء هذا الحكم كنا نشعر بثقل العيش على قلوبنا كما تثقل على الحر أغلاله.

وانتقالاً من الخاص إلى العام يلخص دلول أزمة لبنان بالإشارة إلى أنها إنما تكمن فيما جرى من رفض لمنطق الدولة والرضاء بحكم الأجهزة والابتعاد عن مسالك الديمقراطية مما أوقع اللبنانيين في دياجير التحكم والظلم. وبكلمات المؤلف: اندفعنا وراء العناوين الفضفاضة التي تحرك الغرائز وتثير المشاعر الطائفية والمذهبية والمناطقية والقبلية ولم نستطع النفاذ إلى ما وراء الشعارات التي أعمت البصائر والقلوب وجمدت العقول والأفكار.

هذا كله ساعد على تثبيت الطائفية السياسية، بل أدى إلى شيء أخطر، إذ ساعد على تفتيت الثقافة السياسية، وحال دون انصهار الموزاييك اللبناني في مجتمع واحد. وهكذا تزداد المعاناة وتسحق الآمال وتصادر الحريات ويتشتت الناس شيعاً متقاتلة متناحرة.

وعلى هذا يتوقع أن يبقى المجتمع اللبناني أبتر إلى أن تحصل المعجزة ويقوم النظام الديمقراطي. وفي محاولة لتجاوز ما قد ينجم عن هذه الرؤية يقول دلول انه من جهته ليس متشائماً لإيمانه بالناس، وبفضائلهم وتطلعاتهم، بمبادئهم ومصالحهم حيث ان الحياة صراع متواصل، من هنا فالإنسان هو المنطلق وهو الغاية. والسلطة تزول والإنسان يبقي بكل ما لديه من قيم وعزم وإرادة، الإنسان يفكر ويجب أن يفكر بعمق قبل أن يختار ويجب أن يتأكد قبل أن يقرر ويجب أن يستبين الطريق الصحيح قبل أن يقدم على أي خطوة.

لمحة عن المؤلف

ولد في قرية علي النهري قضاء زحلة عام 1933 مارس مهنة التعليم في أقضية البقاع وبيروت، وانتقل إلى مهنة الصحافة حيث عمل في أكثر من صحيفة يومية ومجلة أسبوعية وانتسب إلى نقابة المحررين حيث لا يزال عضواً فيها حتى الآن، انتسب إلى الحزب الاشتراكي التقدمي. عين نائباً عن أقضية بعلبك والهرمل وزحلة والبقاع، كما شغل منصب وزير الزراعة ووزير الدفاع وصدرت له ثلاثة كتب من قبل هي «السياسة والحكم» و«لبنان إلى أين» و«حوارات ساخنة»

ألفت عبدالله

*الكتاب:عهد لحود تحت المحاكمة

*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2008

*الصفحات:279 صفحة من القطع المتوسط