مؤلف هذا الكتاب هو الباحث العراقي الدكتور رسول محمد رسول، كاتب وأستاذ جامعي متخصص في الفلسفة الحديثة. عمل في عدد من مراكز البحوث والدراسات العربية. له عدة مؤلفات منها: الغرب والإسلام، والمعرفة النقدية، ومحنة الهوية، ونقد العقل التعارفي، والوهابيون والعراق، وفقهاء وأمة، ونقد العقل الإصلاحي.

يتناول هذا الكتاب ثلاثة من أكبر أحزاب الإسلام السياسي التي ظهرت ونشأت في العراق الملكي ابتداء من منتصف أربعينات القرن العشرين حتى عام 1957 عندما توالى تأسيس كل من حركة الإخوان المسلمين عام 1946، وحزب التحرير الإسلامي عام 1945، وحزب الدعوة الإسلامية عام 1957.

في البداية يتحدث الكاتب عن حركة الإخوان المسلمين في العراق والتي ارتبطت بداياتها بالبعثة الدينية التي ترأسها الشيخ محمد الصواف (1914 ـ 1992) إلى الأزهر الشريف عام 1939. وبالرغم من أن معظم الحركات الدعوية الإسلامية والإصلاحية القادمة من الخارج لم تلق قبولاً لدى العراقيين (رفض الدعوة الوهابية التي اعتمدت المذهب الحنبلي بصورة متطرفة صادرت خصوصيته الإسلامية التداولية والوسطية كما تمثلها المجتمع العراقي في عهد الإمام بن حنبل).

إلا أن أصحاب المذهب الحنفي كانوا في حالة بحث عن إطار للعمل الإسلامي الثوري على فساد الواقع في كل صوره، في وقت لم يكن فيه لدى سنة العراق مؤسسة مرجعية إسلامية داخلية على غرار الأزهر الشريف، ولا مؤسسة سنية (سياسية ـ دينية) على غرار الإخوان المسلمين، بل كانت هناك نخب فقهية مشتتة، وأخرى وعظية منحسرة، وثالثة طرائقية هامشية.

في عام 1946 عاد الصواف إلى بغداد للعمل مدرساً بكلية الشريعة باعتبارها منبراً لأفكار الإخوان المسلمين في مواجهة المشهد السياسي العراقي الذي كان يموج بالتيارات الشيوعية والقومية والبعثية، ومن وراء الجميع يقف الاستعمار البريطاني. وقد استخدمت الجماعة المناخ الثقافي الذي انتشر كرد فعل على تنامي تيارات الحراك العلمانية وتم إصدار مجلات التربية الإسلامية، والسجل، والهداية الإسلامية، والآداب الإسلامية.

وقد كان هذا الانخراط في المشهد الثقافي الديني وفق قواسم مشتركة لقواعد العمل الإسلامي والتي قد تتلاقى والخطاب الإخواني مع عدم ضرورة مطابقته بالكامل. وفي السياق نفسه تم إنشاء جمعية الأخوة الإسلامية عام 1946وتبعها جمعية الأخت المسلمة. وبصدور العدد الأول من مجلة «الأخوة الإسلامية» في 21/11/1952، ومن استقراء المناخ الفكري المنهجي العام لكتابها وقراءة أهداف المجلة، بدا أن الصدام أمر لا مفر منه.

وبالفعل تم سحب ترخيص المجلة، وهو نفس ما حدث مع المجلة الأخرى التي أصدروها باسم «لواء الأخوة الإسلامية» في يناير 1959 (بعد أشهر قليلة من قيام ثورة عبد الكريم قاسم). ومع ازدياد حدة نبرة توجه المجلة، وتنامي قوة الشيوعيين في العراق، هاجمت مجموعة منهم مقر المجلة في مارس 1959 ودمروا محتوياته، وتم سحب ترخيص المجلة.

ومع مزيد من إجراءات القمع، غادر الشيخ الصواف المراقب العام للحركة العراق، وتوارت معه الأصولية الإخوانية. وقد توافرت بعض العوامل الموضوعية لتلك النهاية مثل: ضعف وعدم تبلور المضمون الفكري للحركة، ومحدودية إمكانات الحركة والمناورة والتحالف، والتمزق الداخلي، وازدياد قوة العسكر والشيوعيين، والمؤامرات الداخلية والخارجية.

ثم يتناول الكاتب «حزب التحرير الإسلامي» والذي كانت بدايته على يد الداعية الفلسطيني «تقي الدين النبهاني» )9091 ـ 1977). وقد كانت أيديولوجية الحزب، وفي إطار من الصرامة الحزبية، تهدف إلى إقامة الدولة الإسلامية لتنفيذ أحكام الشرع، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وذلك في إطار مرحلي يتمثل في: التثقيف لتكوين القوام الحزبي المنضبط، والتفاعل مع الأمة لاستلام الحكم، وتطبيق الإسلام وحمل الدعوة للعالم.

وكان مؤسس الحزب بالعراق هو الشيخ «عبد العزيز البدري» )2391 ـ 1966) من الشباب العراقي الذي شهد التنافس على الساحة العراقية يشتد في مواجهة تحديات المرحلة التي أخذ فيها النظام الملكي في الانهيار. وظهرت مبادئ الحزب وتنظيماته في عام 1954، وهاجم أعضاؤه من خطباء المساجد مواقف الحكومة. وطلبت وزارة الداخلية من مديرية الأوقاف منع أعضاء حزب التحرير الإسلامي من إلقاء خطب الجمعة.

وتقدم الأعضاء في 19/10/1954 بطلب رسمي لإجازة الحزب، وهو ما رفضته حكومة نوري السعيد. ومع سقوط الملكية وقيام الثورة في يوليو 1958 وقمعها للحركات المعارضة بكافة أطيافها، لاسيما الإسلامي منها، تم وضع الشيخ البدري تحت الإقامة الجبرية بداية من عام 1959 حتى صدور العفو الجمهوري العام عن السياسيين في 4/12/1960.

ولم يهدأ نشاط قادة الحزب وطالبوا مرة ثانية بإنشاء الحزب على أساس عدة مبادئ تناقش قضايا الأمة والحكم، ومصدر التشريع، وشكل البناء الاقتصادي، ونظام الملكية، والسياسة الخارجية للدولة. ومع تطبيق الاشتراكية في المجتمع العراقي وكونها ظاهرة مقبولة في حياة الشعب العراقي، حاول الشيخ البدري في أكثر من مناسبة، وخاصة في كتابه «حكم الإسلام في الاشتراكية»، مهاجمة الفكرة والتطبيق وهو ما أثار حفيظة مختلف القوى على الساحة السياسية العراقية من قوميين وبعثيين وشيوعيين.

وقد كان لإثارة هذا الكتاب حراكاً على المستويين الفكري والسياسي، أن قام الأمن بتسليط أضوائه على منهج الحزب وعقيدة مؤسسيه، وقامت السلطات بمنع الشيخ البدري من إلقاء خطب الجمعة ونقله باستمرار من مساجد رئيسة إلى مساجد فرعية.

وقامت سلسلة من الفعل ورد الفعل من قبل السلطة والحزب حتى وصل الأمر لإطلاق النار المتبادل مع قوة شرطة المنصور. وقد كانت قوة تأثير الشيخ البدري نابعة من خطابه التقريبي وعلاقاته الواسعة مع مختلف القوى الدينية العراقية. وقد تم اعتقاله في قصر النهاية بعد أيام من مشاركته في مؤتمر للتقريب ما بين السنة والشيعة. وتم إعدامه في فجر 26/6/1969.

وفي حديثه عن «حزب الدعوة الإسلامية» يرى المؤلف أن شيعة العراق وضعوا نصب أعينهم جملة من المهام الواجب الاضطلاع بها من خلال: التخلص من الجمود الذي أصاب العمل الإسلامي الشيعي، والعزلة التي كان عليها حراك العمل الإسلامي النخبوي،واستفحال أثر بعض الحركات السياسية ذات الأيديولوجية العلمانية (الشيوعية ـ القومية ـ البعثية).

وبدأ التحرك المنظم، ومعه ظهرت جماعات وجمعيات ذات توجه ثقافي وسياسي ذات إطار تنظيمي متطور. وحدثت مجموعة تحولات على مستويات عدة أثرت على الوعي السياسي الشيعي ليستأنف مرحلة جديدة. على المستوى الإصلاحي شمل محاور الفكر السياسي الشيعي، والنظر في أحوال المجتمع الشيعي، وهو ما دفع لإجراء إصلاحات على مستوى التعليم الديني الحوزوي بإدخال مواد معرفية جديدة، وهو ما اعتبر إصلاحاً لنظام تعليم النخبة الفقهية.

وعلى المستوى المرجعي، ووفقاً لانتقال المرجعية العليا من النجف إلى إيران، ما خلق مشهداً جديدا أمام عدد من الفقهاء الإعلام في النجف ليمارسوا دورهم الطليعي الإصلاحي الجديد. وعلى المستوى الحزبي تبلورت فكرة إنشاء حزب إسلامي يضم مجموعة شباب العلماء والفقهاء وذلك في نوفمبر عام 1957.

وقد تم ذلك في إطار ظرف تاريخي ومجموعة معطيات منها: غياب الوعي الإسلامي السياسي، استنكار العمل السياسي الإسلامي من قبل أوساط عريضة من «الحوزة العلمية»، وجود تيار شيوعي وقومي جارف على الساحة العراقية، وتأصيل الروح الطائفية والمذهبية، ووجود أنظمة قمعية بوليسية لا تسمع بالدعوة. وقد تضمنت البنية السياسية والعقائدية للحزب مجموعة أفكار عامة، وتنظيمية، وسياسية، وعقائدية.

وقامت فلسفة الحزب على قاعدة بعث الفكر الإسلامي، ونشر الوعي، وتأطير المفاهيم التنظيمية للحركات الإسلامي، وتعميق المنهج التحليلي الإسلامي، وتجديد بناء الفرد والأسرة المسلمة. وقد تمثلت تلك الأفكار في إطار مرحلي، تمثل في: مرحلة التغيير، ثم الممارسة السياسية، ثم استلام السلطة، وأخيراً التطبيق والدعوة.

وبعد قيام ثورة 1958 بدأ الصدام ما بين توجهات القيادة السياسية مدعومة من السلطات العسكرية والأمنية، وبين قادة التيار الإسلامي السياسي في إطار صراع أيديولوجي فرضت معطياته وحتمياته فضاء إحدى القوتين على الأخرى. وهو ما تم بإجراءات قمعية طالت أفراد الحزب ومؤسساته. وتم إعدام العديد من قياداته وعلى رأسهم السيد محمد باقر الصدر عام 1980.

إن البحث في تاريخ الإسلام السياسي العراقي يفتح آفاق لقراءة تاريخ الفكر العراقي عامة والإسلامي منه خاصة على نحو يثري النقاش الدائر حول المتغير الاستراتيجي الجذري الذي طال العراق حديثاً.

محمد جمعة

*الكتاب:الإسلام السياسي في العراق الملكي

*الناشر:النايا للدراسات والنشر - دمشق 2008

*الصفحات:184 صفحة من القطع المتوسط.