مؤلف هذا الكتاب المؤرخ والأكاديمي الأردني الدكتور علي محافظة، الذي تولى عدة مناصب أكاديمية، منها منصب الرئيس المؤسس لجامعة مؤتة في محافظة الكرك بالأردن، والتي كانت تجربة فريدة في الوطن العربي حيث شارك المدنيون والعسكريون الأردنيون في إنشائها وتسيير أمورها، وهي الآن عضو في اتحاد الجامعات العربية واتحاد الجامعات الدولي ومقره باريس.
ومن 1989 إلى نهاية 1993 عين رئيساً لجامعة اليرموك في اربد. وبعدها عاد إلى التعليم في قسم التاريخ في الجامعة الأردنية في عمان. وأصدر العديد من المؤلفات، منها «العلاقات الألمانية الفلسطينية (1841 ـ 1945)، 1981»، و«موقف فرنسا وألمانيا وإيطاليا من الوحدة العربية، 1985»، و«تاريخ الأردن المعاصر، 1989»، و«الديمقراطية المقيدة : حالة الأردن (1989: 1999)، 2001».
وينطلق المؤلف من اعتبار فرنسا من الدول الكبرى التي لديها أطماع ونفوذ في الوطن العربي، ومارست خلال الفترة الممتدة ما بين (1945-2000) سياسة مناهضة للوحدة العربية وللتضامن العربي، وسعت إلى تفكيك النظام الإقليمي العربي بمختلف الوسائل والأساليب والسبل، على خلفية اعتبارها أي مشروع للاتحاد العربي، بدءاً من جامعة الدول العربية، خطراً على مصالحها ونفوذها في البلاد العربية.
ويرى بأن هناك اعتقاد يفيد بأن مشاريع الوحدة العربية هي مشاريع بريطانية، غايتها بسط الهيمنة والسيطرة على العالم العربي كله، وإخراج فرنسا من المنطقة العربية، وبالتالي فإن التوجهات الوحدوية للحكومات والأحزاب السياسية العربية وراءها دوافع بريطانية. وقد بقي هذا الاعتقاد يسيطر على أذهان القيادات السياسية الفرنسية، بيمينها ويسارها، التي تناوبت على حكم فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى حرب يونيو 1967.
وكان موقف الحكومات الفرنسية من مشاريع الأحلاف العسكرية الأنجلو ـ أميركية في منطقة الشرق الأوسط منذ سنة 1951 وحتى انقلاب 14 يوليو 1958 في العراق، يتسم بالرفض والنقد والعداء. ويعزو المؤلف هذا الموقف لسببين رئيسيين، أولهما أن بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية لم تستشيرا فرنسا من مشاريع هذه الأحلاف، ولم تشركاها في إعداد هذه المشاريع ولم تحددا لها دوراً فيها.
وثانيهما اعتقاد فرنسا بأن هذه المشاريع ستعزز فكرة الوحدة العربية، مما يزيد من حماسة شعوب المشرق العربي للوحدة العربية واللقاء مع المشرق العربي والابتعاد كلياً عن فرنسا. واعتمد المؤلف على وثائق الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي الموجودة في وزارة الخارجية الفرنسية في باريس، وعلى الوثائق والبيانات الرسمية وتعليقات الصحف الفرنسية على كل ما يتصل بعلاقات فرنسا بالأقطار العربية الموجودة في دائرة التوثيق الفرنسية.
ويبدو أنه اطلع على محتويات بعض المكتبات التي تعنى بالشأن العربي مثل مكتبة العالم العربي في جامعة باريس الثالثة، ومكتبة معهد العالم العربي، وعلى العديد من مذكرات القادة السياسيين الفرنسيين والعرب التي تناولت موضوع الكتاب. ويبدأ بتناول موقف فرنسا من الوحدة العربية بين سنتي 1950و 1962، بما في ذلك دور فرنسا في البيان الثلاثي (الأميركي ـ الإنجليزي ـ الفرنسي) الصادر في 25/5/1950، المتعلق ببيع الأسلحة من هذه الدول الثلاث إلى الدول العربية المشرقية.
ومعارضتها لاستعمال القوة أو التهديد بها بين دول المنطقة، والحفاظ على خطوط الهدنة بين إسرائيل والدول العربية المجاورة لها، أي بعبارة أخرى اعتراف هذه الدول بالمكاسب التي حققتها إسرائيل على الأرض في حرب عام 1948. ويتطرق إلى موقف الدول العربية الناقد للبيان، والموقف الشعبي منه الذي اعتبره تدخلاً مباشراً ومرفوضاً من جانب الدول الغربية في الشؤون العربية.
أما دور فرنسا في مشاريع الأحلاف العسكرية الغربية، وأثر ذلك في موقفها من الوحدة العربية، فيبدأ من مشروع القيادة العليا الحليفة في الشرق الأوسط الذي اقترحته الولايات المتحدة وبريطانيا، ولم تشركا فرنسا في المباحثات التي أفضت إليه، مما أثار قلق فرنسا كما عبر عنه وزير دفاعها في رسالته المؤرخة في 30/1/1951 الموجهة إلى وزير خارجيتها.
وعندما التقى ممثلو فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في باريس يومي 10و11/5/1951 أعرب الفرنسيون عن معارضتهم للاتحاد العربي، وتأكدوا من أن بريطانيا لا تشجع قيام اتحاد بين الدول العربية المشرقية. وفي بداية سبتمبر 1951 بدأت وزارة الخارجية الفرنسية بدراسة مشروع قيام قيادة للدفاع عن الشرق الأوسط، مستقلة عن حلف شمال الأطلسي.
وخلال المشاورات الأميركية والبريطانية والفرنسية حول الشرق الأوسط التي جرت في واشنطن في 2/3/1954، فقد فوجئ الفرنسيون بالتأييد الأميركي لاتحاد العراق وسوريا إذا تم سلمياً وبموافقة الشعبين، وعارضوا الفكرة بحجة أن هذا الاتحاد سيؤدي إلى تقسيم لبنان وإشعال نيران الأحقاد بين الهاشميين والسعوديين ودفع إسرائيل إلى القيام بمغامرة عسكرية.
وتوصلت فرنسا إلى الاقتناع بأن سياسة الأحلاف الغربية في الشرق الأوسط لا مسوغ لها، وأن الحلف التركي ـ العراقي أدى إلى انقسام العالم العربي وإثارة قلق إسرائيل، فسعت فرنسا إلى إقناع الولايات المتحدة الأميركية بوجهة نظرها خلال 1955. وأيدت سوريا في رفضها لحلف بغداد. كما أعربت عن ارتياحها لعدم انضمام الولايات المتحدة للحلف المذكور.
ومع توقيع الوحدة ما بين سوريا ومصر وقيام الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1958 ناقش حلف شمالي الأطلسي في اجتماعه في باريس في 12/2/1958 مسألة الوحدة المذكورة، ورأى مندوب إيطاليا أن الوحدة حالت دون قيام انقلاب شيوعي في سورية، واقترح الاعتراف بالدولة العربية الجديدة، وأيده في ذلك مندوبو اليونان وبلجيكا وألمانيا الغربية وكندا.
بينما عارضه مندوبا فرنسا وتركيا، زاعمين أن الوحدة ستهدد الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ورفضا الاعتراف بالجمهورية العربية المتحدة.أما موقف فرنسا من الاستقلال والوحدة في المغرب العربي خلال الفترة (1945-1962) فيتناوله المؤلف من جهة السياسة الفرنسية المعادية للاستقلال والوحدة في هذه الأقطار، بدءاً من الجزائر حيث سعت فرنسا إلى شق صفوف الحركة الوطنية الجزائرية، ولا سيما «حركة الانتصار للحريات الديمقراطية» التي ضمت القوى الحية في الشعب الجزائري الطامحة إلى الاستقلال الوطني، وهي وريثة حزب الشعب الجزائري المحظور والمحلول، وذلك بإثارة النعرة بين البربر (الأمازيغ) والعرب.
وواجهت فرنسا الثورة الجزائرية بمنتهي القسوة، واتهمت جامعة الدول العربية بأنها وراء الثورة، كما تباينت مواقف الأحزاب السياسية الفرنسية من الثورة مع استمرارها واشتداد فاعليتها. ولا شك في أنها دفعت الحكومة الاشتراكية الفرنسية إلى الإسراع في منح المغرب وتونس الاستقلال السياسي في آذار/مارس1956. وتشبث الفرنسيون بشعار «الجزائر فرنسية» حتى مجيء الجنرال ديغول إلى السلطة سنة 1958.
وعندما عاد الجنرال ديغول إلى الحكم سنة 1958 سعى إلى المصالحة مع الجزائريين وإيجاد حل نهائي للمسألة الجزائرية، وكان ديغول قد جاء إلى السلطة بعد محاولة انقلاب قام بها الجنرالات الفرنسيون في الجزائر في 13/5/ 1958، وأجرى استفتاء في فرنسا في 8/1/1961 بشأن التفاوض وتقرير مصير الجزائر، فأيده 75 في المائة من الفرنسيين. وبعدها بدأت المفاوضات السرية بين الحكومة الفرنسية وجبهة التحرير الجزائرية.
ويعتبر المؤلف أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة قاومت كل محاولات التضامن والتعاون بين الحركات الوطنية في المغرب العربي بين سنتي 1945 و 1962، بدءاً من «جبهة الوحدة والعمل» التي أنشأتها الأحزاب السياسية في الأقطار المغربية الثلاثة في عام 1952، وهذه الأحزاب هي الحزب الدستوري الجديد، والحزب الدستوري القديم من تونس، وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية.
وحزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري من الجزائر، وحزب الاستقلال، وحزب الشورى والاستقلال، وحزب الإصلاح والاستقلال من المغرب. وتعهدت الجبهة المذكورة بمتابعة الكفاح من أجل تحرير الشمال الأفريقي من الاستعمار، واللقاء بصورة دورية لمناقشة الحالة في المغرب العربي.
وبالنسبة إلى موقف فرنسا من الوحدة العربية بين سنتي 1962 و2000، فيدرسه المؤلف من خلال التطرق إلى استقلال الجزائر وأثره في الموقف الفرنسي من الوحدة العربية، وإعادة الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا، وموقف فرنسا من المفاوضات الثلاثية حول الوحدة بين مصر وسوريا والعراق على أثر إطاحة عبد الكريم قاسم في العراق ونظام حكمه في 8/2/1963، والقضاء على الحكم الانفصالي في سوريا في 8/3/1963.
وكانت المفاوضات التي جرت بين الحكومات المصرية والسورية والعراقية قد أسفرت عن توقيع الاتفاق الثلاثي على إقامة اتحاد فيدرالي بين الأقطار الثلاثة على مراحل في 17/4/1963. وقد تابع سفراء فرنسا في المشرق العربي هذه المفاوضات وانعكاسها على الأقطار العربية المجاورة. ويتبين من المقابلات الصحافية والدراسات الأكاديمية الفرنسية ارتياح المسؤولين الفرنسيين في أعقاب فشل الاتفاق الثلاثي.
ويعتبر المؤلف أن الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، التي انطلقت فكرتها من فرنسا، ساهمت في تفكيك النظام الإقليمي العربي، حيث نادى بها كل من الرئيسين الفرنسيين جورج بومبيدو وفرانسوا ميتران. وأطلق الأخير الفكرة بعد وصوله إلى السلطة أثناء زيارته لمدينة مراكش في 27/1/1983، ودعا إلى مؤتمر لدول الحوض الغربي للبحر المتوسط الذي يضم كل من البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان والمغرب والجزائر وتونس.
والخلاصة التي يخلص إليها هي أن فرنسا انتهجت موقفاً مناهضاً للعروبة ليس في بلدان المشرق العربي، بل في بلدان المغرب كذلك، من خلال إصرارها على استعمال اللغة والثقافة الفرنسية، والسعي إلى تشويه الهوية العربية الإسلامية لهذه الأقطار، وتحطيم معنويات شعوبها وإشعارها بالنقص، باعتبار أن لغتها العربية متخلفة أو جامدة وغير قادرة على استيعاب العلوم والتكنولوجيا الحديثة واللحاق بالحضارة الغربية المتقدمة.
عمر كوش
* الكتاب:فرنسا والوحدة العربية (1945 ـ 2000)
* الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2008
* الصفحات:471 صفحة من القطع الكبير