يقول الباحث الإيطالي لويجي كياريني: «إن الفيلم فن، والسينما صناعة» وإذا كانت المكتبة العربية تضم العديد من المؤلفات والترجمات التي تبحث في تاريخ الفن السينمائي واتجاهاته الجمالية والفكرية، فإنها في مقابل ذلك تفتقر إلى الكتب التي تتناول الحقل الإنتاجي.
وفي كتابه «إدارة الإنتاج السينمائي» الصادر ضمن سلسلة الفن السابع حاول المؤلف عبد المعين الموحّد أن يضع اللمسات الأولى لسد بعض جوانب هذا النقص، فهو منذ المقدمة يسجل أن السينما صناعة لها مدخلات ومخرجات وتكاليف وعائدات، أي أن لها اقتصاديات خاصة بها، شأنها في ذلك شأن كل صناعة، وهي اقتصاديات معقدة، تحتاج إلى إدارة ذات مواصفات محددة لتسيير العملية الإنتاجية ورفع جدواها وجودتها. ثم تأتي فصول الكتاب الثلاثة لتشرح مضمون هذه الإدارة من حيث أهدافها وهياكلها وممارساتها وأساليبها التنظيمية، والجدير ذكره أن المؤلف ينطلق في بحثه هذا من خلال تجربته الذاتية وموقعه الحالي كمدير إنتاج في المؤسسة العامة للسينما.
يبدأ المؤلف بتحديد عناصر الإنتاج بصورة عامة، ثم ينتقل إلى الأطر التي بالإمكان أن يتم من خلالها الإنتاج السينمائي، فهو يشير إلى أن الإنتاج عملية اقتصادية لا تحدث من فراغ، بل تقوم على عناصر حدّدها الخبراء بأنها تتمثل فيما يُعرف بعناصر الإنتاج الأربعة: رأس المال، الأرض، النظام والعمل.
ويمكن لمن يريد أن ينتج أن يحصل على تلك العناصر من موارده الذاتية، أو بالاستعانة بموارد الغير وفق شروط منصوص عليها، وفي الحقل السينمائي يمكن للمنتج أن يكون فردا أو شركة خاصة أو مؤسسة عامة، ولكل جهة من هذه الجهات تقاليدها وأساليبها التنظيمية التي تعمل وفقها، ومكوناتها التي تشكل مجتمعها الصغير، الذي يشكل بدوره جزءا من المجتمع الكبير الذي تنتمي إليه.
وبهذا الخصوص أكد الموحّد أنه مهما كانت الاعتبارات الخاصة بالإبداع الفني هامة وعظيمة، إلا أن الفيلم الذي يتم إنتاجه ما هو إلا سلعة معدة للتسويق، وهذه السلعة يجب أن تكون رابحة حتى تستمر عملية الإنتاج. وفي تناوله لعملية الإنتاج السينمائي يؤكد المؤلف أنها عملية تتكون من تراتبية متعددة ومحسوبة المراحل، إذ لا يمكن بشكل من الأشكال أن تبدأ مرحلة المونتاج قبل إعداد السيناريو.
وهو الأمر الذي يُعرف بخط الإنتاج، والذي يتمثل في الترتيب المعين الذي تسير وفقه العملية الإنتاجية، أي التسلسل المنطقي للمراحل التي يمر بها الفيلم السينمائي بدءا من مرحلة الفكرة، ثم السيناريو، التصوير، المونتاج، المكساج، فالطباعة النهائية لنسخة الفيلم، بحيث يصل في النهاية إلى منتج كامل الصنع، وهي مراحل لا بد من وضع برمجة إنتاجية لها.
بحيث يتم تنفيذها وفقا للمخططات والجدولة التشغيلية التي لا بد من الإشراف الإداري الصارم عليها من أجل جعلها تلتزم بالخط المرسوم لعملية الإنتاج السينمائي، وبهذا الصدد يعتبر المؤلف أن رفع إنتاجية الموارد السينمائية هي من صميم مهام الإدارة، ويتم تعريف الإنتاجية في كل مشروع استثماري بأنها نسبة المخرجات إلى المدخلات، وتتمثل المدخلات في عملية الإنتاج السينمائي في الآلات والمعدات والقوى البشرية وبقية العناصر الأخرى، وتحديد الإنتاجية يؤدي إلى قياس الكفاية الإنتاجية، وهي تعني الأداء الجيد ضمن حدود الوقت المناسب وبالتكاليف المناسبة.
وفي السياق ذاته يؤكد الباحث أيضا انه لا يمكن إقامة مشروع سينمائي إلا بعد القيام بالدراسات الكاملة لجميع جوانبه، والقيام بالاستطلاعات المتعلقة باختيار الموقع والمواد والقوى البشرية والمعدات والتمويل وغيرها، وتأتي دراسات وبحوث الإنتاج السينمائي المراد تنفيذه في قائمة الأولويات خاصة تلك المتعلقة باعتبارات المعرفة النوعية والمواصفات الضرورية التي تتمثل بالفكرة الجدية والقصة والسيناريو واستطلاع التنفيذ الإخراجي والتصوير وحتى طباعة النسخة الأصلية الأخيرة.
من هذا المنطلق تُعتبر إدارة الإنتاج السينمائي من اعقد واهم الوظائف، لاسيما في الشركات السينمائية الكبرى التي تُعتبر هوليود أبرز أمثلتها في الوقت الراهن. ومن أبرز المهام الملقاة على عاتق إدارة الإنتاج التي يحددها المؤلف هي تلك الماثلة في: وضع سياسة الإنتاج السينمائي موضع التنفيذ، وتخطيط الإنتاج السينمائي المراد تنفيذه، والتنبؤ بالمتغيرات التي يمكن أن تحدث خلال الفترة الزمنية المحددة للتنفيذ.
ثم الاستخدام والتوظيف الأمثل لعناصر الإنتاج السينمائي مثل المعدات الفنية، الموقع، الأرض، الآلات، التمويل والأفراد، وذلك من خلال الرقابة على الأداء والتأكد من مطابقة الموصفات الموضوعية لما هو مطلوب، وتحفيز العوامل البشرية لحثها على زيادة الإنتاج وتجويده.
أيضا من مهام الإدارة الانتفاع بالآلات بالقدر المناسب، والحفاظ عليها بحالة سليمة قدر الإمكان وصيانتها، وقياس الكفاية الإنتاجية والتعرّف على مكامن القوة ومكامن الضعف في مشروع الإنتاج السينمائي من أجل العمل على تنمية عوامل القوة وعلاج نقاط الضعف، والتحكم بالقدرة الإنتاجية ورفعها ما أمكن، والسيطرة الكاملة لمنع حدوث الهدر والضياع من خلال المعالجة الفورية للمشاكل الطارئة وتقليل المخاطر.
وهنا يرى الموّحد أن هذه المهام المتشابكة والمعقدة تجعل إدارة الإنتاج على تداخل مباشر مع كافة الأقسام الفنية والهندسية، كما تتطلب من مدير الإنتاج كفاءات ومؤهلات معينة، وفي السياق المتعلق بتحديد من هو الجدير بالإدارة يحدد المؤلف اتجاهين: الأول يرى في الإنتاج السينمائي عملية فنية بالأساس يجب إدارتها من قبل السينمائيين أنفسهم لأنهم هم أصحاب الشأن، والاتجاه الثاني يؤكد على أن الإنتاج السينمائي بالأساس هو عملية إدارية اقتصادية تقوم على الالتزام بمعايير الجدوى الاقتصادية والجودة، وهو أمر يدخل حصرا ضمن مجال إدارة الأعمال التي تعتبر مجالا قائما بذاته ومختلف كل الاختلاف عن المجالات الأخرى.
وفي الختام يلاحظ المؤلف أن عالم صناعة السينما يتجه إلى التدويل بقدر كبير، ضمن الأطر الدولية المعمول بها عالميا وفقا لاتفاقيات هيئة الأمم المتحدة، وأن معظم مشاريع الإنتاج السينمائي تعاني من إشكالية ضبط الجودة على النحو الذي يجعل مواصفات الإنتاج تتطابق مع المواصفات المحددة.
وتبرز هذه الإشكالية بقدر كبير في بلدان العالم الثالث، لأنه بالإضافة إلى سعيها لتحقيق الجودة ودفع الإنتاج فهي مواجهة أيضا بمعايير ومواصفات الجودة من حيث أداء العاملين وجودة المعدات وحساسيتها، وبالتالي يقع على عاتق إدارة الإنتاج لا الإشراف فقط، بل مراقبة نظام الجودة، فهي التي تشرف على الإنتاج وتراقبه وتحرص على ضبط جودته النوعية بكفاءة وفعالية وفق النظام العالمي المعروف باسم النظام الكامل لإدارة الإنتاج السينمائي.
تهامة الجندي
*الكتاب:إدارة الإنتاج السينمائي
*الناشر:المؤسسة العامة للسينما دمشق 2007
*الصفحات: 120 صفحة من القطع الكبير