مؤلف هذا الكتاب الدكتور عبدالله حنا واحد من أكثر المؤرخين السوريين اجتهاداً وحصافة وموثوقية. ومع أنه مؤدلج يعتنق الماركسية إلا أن دراساته التاريخية تنال احترام الجميع لالتزامه الموضوعية، ولاعتماده على الوثائق بشكل غزير ومحكم، أضف إلى ذلك أنه لا يخفي منهجه الماركسي عن القراء.

هو من مواليد دير عطية الواقعة في ريف دمشق، حائز على الإجازة في التاريخ من الجامعة السورية سنة 1958. وفي سنة 1965 نال شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة كارل ماركس في لايبزج (ألمانيا) عن أطروحته التي تحمل عنوان «حركة التحرر العربية في مستهل القرن العشرين». وبسبب منهجه الماركسي لم تفتح له أبواب الجامعات السورية، واضطر لأن يعمل في ثانويات درعا ودمشق، ثم أبعد عن التدريس (منفياً) ليعمل موظفاً خارج نطاق اختصاصه في مديرية الزراعة بدمشق، بين عامي 1974 و1980.

وعمل مدرساً لمادة «تاريخ الحركة العمالية العربية» في المعهد النقابي المركزي التابع للاتحاد العام لنقابات العمال السوري، ولأنه اشتغل على فضح ممارسات البورجوازية البيروقراطية والطفيلية في نهب أموال القطاع العام فقد أعيد إلى التدريس في ثانوية فايز منصور بدمشق.

تعاون مع الاتحاد العام للفلاحين في كتابة تاريخ الفلاحين السوريين، وبين عامي 1984 و1985 قام بجولات ميدانية التقى خلالها بأربعمئة فلاح سوري من المتقدمين بالسن، وحصل منهم على ما يلزم لكتابه من معلومات وأخبار ووقائع.

في سنة 1986 طلب إحالته على التقاعد قبل أن يحين أوان تقاعده، ومن يومها وهو متفرغ للبحث والتأليف في التاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري في سوريا والمشرق العربي.

ومن أبرز مؤلفاته «الاتجاهات الفكرية في سورية ولبنان (1920- 1945) دمشق 1973 . الحركة العمالية في سورية ولبنان (1900- 1945) دمشق 1973. الحركة المناهضة للفاشستية في سورية ولبنان (1933- 1945) بيروت 1975.القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سورية ولبنان (1820- 1945 ) بيروت 1975.

حركات العامة الدمشقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، نموذج لحياة المدن في ظل الإقطاعية الشرقية ـ بيروت 1985. ملامح من تاريخ الفلاحين في الوطن العربي ونضالهم في سورية، ثلاثة مجلدات دمشق 1986. من الاتجاهات الفكرية في سورية ولبنان النصف الأول من القرن العشرين ـ دمشق 1987.

عبدالرحمن الشهبندر (1879- 1940) علم نهضوي ورجل الوطنية والتحرر الفكري دمشق 1989. العامية والانتفاضات الفلاحية في جبل حوران (1850- 1918) دمشق 1990. النهضة والاستبداد. دمشق 1994. المثقفون في السياسة والمجتمع (الأطباء) دمشق 1996. المجتمعان الأهلي والمدني في الدولة العربية الحديثة (1850 - 2000) دمشق 2001. دير عطية ـ التاريخ والعمران من الوقف الذري إلى المجتمع المدني دمشق 2002».

إن ما دفع المؤلف عبدالله حنا إلى إعادة كتابة تاريخ الحركة الشيوعية السورية هو الغموض الذي يكتنف التاريخ المكتوب سابقاً، وعدم الدقة في معرفة عمل الرواد الأوائل، إضافة إلى المبالغات التي قدمتها المدرستان اللتان تحدثتا عن هذا التاريخ، وأولهما المدرسة «البكداشية» التي لم تول أية أهمية لمرحلة ما قبل خالد بكداش، والثانية عمدت إلى تضخيم دور الشيوعيين الذين سبقوا بكداش، وتقصدت الإقلال من أهمية دور خالد بكداش الريادي.

اعتمد الباحث في تأليف هذا الكتاب على وثائق الكومنترن بموسكو حتى سنة 1943، وعلى الوثائق التي يمتلكها الشيوعيون القدامى وورثة الأموات منهم، والوثائق المتوفرة في أرشيف الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1945)، والوثائق الموجودة في حوزة أجهزة المخابرات السورية، وقد منعت هذه الأجهزة عن الباحث كافة المعلومات التي ترجع إلى ما بعد عام 1959.

تأسس الحزب الشيوعي السوري اللبناني سنة 1924، وقد برز اسم المناضل النقابي اللبناني فؤاد الشمالي، والمثقف التنويري يوسف يزبك، وأما في دمشق فقد برز اسم ناصر حدة وفوزي الزعيم بوصفهما المؤسسين للحزب الشيوعي بمساعدة الرفاق اللبنانيين.

وفي السابع من يوليو 1931 بدأ الحزب بإعلان برنامجه المطبوع، وهنا صعد نجم سليم خياطة من طرابلس الشام، وأما خالد بكداش فقد بدأ دوره يظهر بعد انتهاء دراسته في موسكو سنة 1937، وهي سنة التأسيس الثاني للحزب الشيوعي السوري وافتتاح مكاتب علنية في دمشق وحلب وحمص، وصدور جريدة صوت الشعب التي أغلقتها السلطات الفرنسية في أواخر 1939 ولم تعد إلى الصدور حتى أوائل 1942.

مع توقيف الجريدة عاد الحزب إلى العمل السري، وبعد ثلاث سنوات عاد إلى العمل العلني، وفي سنة 1944 انفصل الحزبان السوري واللبناني وصدر ميثاق وطني لكل منهما. ويتابع الباحث رواية تاريخ الحركة الشيوعية، وموقفها من الدين، والوحدة العربية، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويروي كذلك سيرة الانقسامات التي عصفت بالحزب، وأضعفته وما تزال.

ويروي الكتاب أيضاً، بالتفصيل، وبالأرقام والتواريخ، سيرة الصعود والهبوط والمد والانحسار التي شهدتها هذه الحركة خلال ما ينوف عن ثمانين سنة، (منذ 1924) ويترجم لأهم الشخصيات التي صنعت تاريخ الحركة، كفؤاد الشمالي الذي تلقى فور تأسيسه لنقابة التبغ اللبنانية تأييداً خاصاً من الشاعر بدوي الجبل، وفوزي الزعيم ابن صلاح الدين الزعيم الذي أعطى للشيوعيين دفعاً معنوياً بسبب قوة بأسه، وخالد بكداش الذي أعطى للحركة الشيوعية السورية الكثير.

ولكن دوره أخذ يتراجع مع تقدمه بالعمر، وهنا يجري الباحث مقارنة بين نجاحه الكاسح في انتخابات المجلس النيابي 1954 ودوره المدوي في ذلك المجلس بين (1954 و1958) وبين قبوله بترشيح نفسه لمجلس الشعب سنة 1973 وذهابه إلى المجلس بسيارة المرسيدس، ويرى أن هذه المقارنة ليست في صالح التاريخ الشخصي لهذا الرجل.

ويروي الكتاب أيضاً سيرة سليم خياطة الذي جعل مجلته (الدهور) تنهج نهجاً ماركسياً شيوعياً، والأرمنيين أرتين مادويان وهيكازون بوياجيان، والأديب نسيب الإختيار، ورائد القصة القصيرة السورية علي خلقي، ورشاد عيسى، ومحمود الأطرش، ومصطفى العريس، والدكتور كامل عياد الذي لم يكن منظماً في الحزب الشيوعي ولكنه يعتبر الأب الروحي للماركسيين في الثلاثينات والأربعينات، ومنير سليمان، والسيدتين فلك طرزة ومقبولة الشلق، ووصفي البني، وجورج عويشق، ونجاتي صدقي.

ويفرد فصولاً خاصة لكل من فرج الله الحلو الرائد المؤسس الذي أذيب بالأسيد في أقبية المباحث على أيام الوحدة مع مصر، وفطوم سيريس، ووحيد محبك، والنقابي الحلبي سعيد السواس، وللعراقي عبدالقادر إسماعيل، وبدر مرجان، والروائي الكبير حنا مينة، وإحسان الجابري من أعيان حلب، ومراد القوتلي، وظهير عبدالصمد، ونجاة قصاب حسن، وبدر الدين السباعي، وإبراهيم البكري، ومراد يوسف، ويوسف فيصل، وموريس صليبي، والأديب مواهب كيالي.

*الكتاب:الحركة الشيوعية السورية الصعود والهبوط

*الناشر:دار نون 4 ـ حلب 2008

*الصفحات:416 صفحة من القطع الكبير