آن نيفا، صحافية فرنسية، اختارت أن تعيش بالقرب من الخطر، أن تعايشه.. هكذا أمضت فترت طويلة أثناء الحرب في المنطقة الشيشانية وفي أفغانستان قبل أن تتجه إلى العراق حيث أمضت أسابيع طويلة في فترتين ببغداد عام 2007. وكانت قد أقامت لفترات متقطعة في هذه المدينة منذ الحرب الأميركية لربيع عام 2003.
قدّمت عشرة كتب حتى الآن كان أولها عام 1996 عن «وسائل الإعلام الروسية» ثم «عندما بدأت وسائل الإعلام الروسية بالحديث» و«كلبة حرب»، عن الحرب الشيشانية، ثم «غداة الحرب في أفغانستان والعراق» و«عبر جبال آسيا الوسطى وسهولها».. الخ. هذا الكتاب الجديد «بغداد، منطقة حمراء» يرمي، كما تقول مؤلفته نفسها، إلى «إسماع صوت أولئك الذين لا يسمعهم أحد أبدا في بغداد الغامضة»، «بغداد المنسيّة». لقد حرصت مؤلفة هذا الكتاب على أن تجوب شوارع المدينة «دون أية حماية» كي تمارس مهنتها كصحافية تحقيقات. ولم يكن يغيب عن ذهنها ما كانت قد سمعته في برنامج تلفزيوني فرنسي شهير عنوانه «الموفد الخاص» جاء في: «في شوارع بغداد، يقدّر زمن بقاء شخص غربي على قيد الحياة، إذا لم يكن يتمتع بأية حماية، بمدة 12 دقيقة».
وتصف «آن نيفا» أحاسيسها أثناء التجوّل في بغداد أنها تسمح بالتعرف على «ماذا تعنيه مدينة ميّتة، مدينة مكبّلة بالخوف، مدينة لا يفكر أحد بالتنزه في شوارعها». لكن يبقى «التجول» في هذه المدينة-الشبح وسيلة لـ «إقناع النفس أن المرء موجود»، إذ ليس هناك شيء آخر يعمله. تقول: «إن التجول، والسير في الشوارع هنا، هو مثل من يأخذ دواء مهدئا أو دواءً منشطا، أو الاثنين معا. هذا كله يتعلق بالظرف، ذلك أن السير في الشارع يعني أيضا «أن يتجاوز المرء بشجاعة الحدود غير المرئية».
يحتوي هذا الكتاب على 13 فصلا تقتصر عناوينها على الأرقام من 1 إلى 13، بالإضافة إلى «مقدمة» ترسم فيها المؤلفة بعض ملامح الحياة اليوم للبغداديين. لكن بكل الحالات تُبدي هذه المدينة أنها، ورغم أصوات الطائرات التي تجوب الأجواء باستمرار لتذكّر بالحرب من قد يستطيع أن ينساها، تعرف كيف تتابع العيش «كما تستطيع».
هنا تؤكد المؤلفة أنه يمكن النقاش طويلا حول معرفة إذا كانت الأوضاع الأمنية في بغداد قد تحسّنت بعد وصول قوات إضافية أميركية في شهر فبراير 2007، وأن حدّة العنف قد خفّت. وتشير في النتيجة إلى أن الملاحظات المقدّمة «لا تؤخذ تماما باعتبارها منعطفات الحقيقة القائمة على أرض الواقع».
كما تشير إلى أنه هناك دائما أعداد أكبر من الأخصائيين في الغرب ينهمكون في محاولة البرهان على وجود «تلازم» بين وجود عدد أكبر من الجنود «في الميدان» وبين تضاؤل حدة العنف. ولكن مثل هذه الرؤية «لا تأخذ أيضا في اعتبارها، الأشهر الطويلة من الألم الذي عانى منه العراقيون».
وتدل التوصيفات التي تقدمها المؤلفة على أنه من الصعب جدا تقديم تعريف دقيق للعنف في العراق وهل هو «عنف عقائدي» أو «تسوية حسابات» أو «اغتيالات مجانية»؟ بكل الحالات يبقى العراق، كما تشير بالاعتماد على الإحصائيات التي قدّمتها منظمات عديدة، هو «البلد الأكثر خطورة في العالم بالنسبة للصحافيين، مع مقتل 113 منهم اعتبارا من نشوب العمليات الحربية في ربيع عام 2003، لكنه أيضا وخاصة الأكثر خطورة بالنسبة لمواطنيه الذين يثير موتهم ردود أفعال أقل بكثير من مقتل مراسل صحافي واحد».
إن المؤلفة تعود أولا إلى ذلك الصباح الذي تركت فيه باريس «حيث تسير الحياة كنهر هادئ» متوجهة نحو الشرق الأوسط. دمشق ثم عمان ثم بغداد، الوجهة النهائية للرحلة «الوجهة التي ينبغي عدم الذهاب إليها»، كما تقول. لكن هناك أيضا الوجه الآخر للصورة.
فـ «الذهاب إلى بغداد، عاصمة حضارة ما بين النهرين القديمة والتي تعيش اليوم على إيقاع النيران والدماء، والمهجورة من الصحافيين، والتي أصبحت شبه غير موجودة، كان فيه ما يجذب إليها». ثم هناك رغبة «خرق المألوف» لاسيما وأن إدارات تحرير الصحف ووسائل الإعلام في فرنسا كانت قد قررت، منذ شهور، عدم إرسال أي صحافي إلى العراق، في ظل التهديد بـ «الخطف» لكل من يذهب إلى هناك من الغربيين.
أما سبب عودتها إلى بغداد فتشرحها بالجملة التالية: «كي يتابع أولئك الذين يستقبلونك فعل ذلك بفرح، وكي يتابعوا الحديث فيما بينهم أمامك وكأنك تقريبا غير موجود». المقصود هو أن يتحدث الناس، أن يقدموا شهاداتهم بعيدا عن الأضواء، وعن عدسات التلفزة.
يحتوي هذا الكتاب على العشرات من الشهادات لرجال ونساء عاشوا تجارب الخطف والارتهان والتهديد وأحيانا الاغتصاب. القاسم المشترك بين هذه الشهادات هو الإحساس بالمرارة وبانسداد الأفق. وتبدأ المؤلفة الحديث عن العراق انطلاقا من دمشق وعمّان حيث يتواجد مئات الآلاف من العراقيين، إذ تدل التقديرات التي تقدمها إلى وجود 000 200 1 عراقي في سوريا وما يزيد على 000 800 في الأردن.
هؤلاء المهاجرون جميعهم يوحّد بينهم «حلم العودة»، لكن متى؟ يتساءل الجميع ويردد أغلبيتهم أن خيارهم لهذين البلدين المجاورين جغرافيا للعراق إنما كان على خلفية أن هذا القرب يسمح أيضا بـ «عودة أسرع». كان الانطلاق إلى بغداد هو من مطار عمّان في الأردن حيث إن شركة الطيران الأردنية هي من بين الشركات النادرة في العالم التي تقوم يوميا بثلاث رحلات إلى العاصمة العراقية.
وكان أغلبية المسافرين الذين رافقوا المؤلفة هم من «المتعاقدين الأميركيين» الذين يمكن التعرّف عليهم من «حقيبة الظهر» الكبيرة على ظهرهم وهيئة «رامبو» البادية على وجوههم. كان «القلق» ظاهرا على وجوه الجميع في الطائرة. فـ «بغداد كم هي قريبة.. وكم هي بعيدة» كما تقول. ثم كان الجميع يدركون، كما تؤكد، أن مسألة «الأمن» تبقى نسبية بالنسبة لكل من تطأ أقدامه أرض بغداد.
بالمقابل تشير صاحبة هذا الكتاب ـ التحقيق الصحافي الطويل بأشكال مختلفة إلى أنها كانت على وعي كامل بأنها كانت تمتلك ميزة إمكانية «ولوج» بغداد دون أية حدود، سوى تلك التي تضعها هي لنفسها، وفي إطار المعقول، وذلك على أساس إدراكها بمعنى إقامتها في «المنطقة الحمراء». هذه التسمية المتضمّنة في عنوان الكتاب، إنما أطلقها سكان «المنطقة الخضراء»، لكن «المنطقة الحمراء» اتسعت دلالتها لتشمل بغداد كلها.. وبقية العراق.
ومن المطار، إلى «طريق المطار» ثم إلى ازدحام بغداد الذي لا يبعث الإحساس «بالطمأنينة» فالهرب صعب. ثم يصبح الأمر «مثيراً للرعب» إذا تواجد موكب عسكري أميركي في القرب، ذلك أنه باستمرار «هدف ممكن» لواضعي القنابل. مشهد الأميركيين، تصفه المؤلفة، في أوضاع مختلفة، ولكن الإحساس هو دائما واحد هو «الخوف المسيطر على المدينة».
ويصبح هذا الخوف «ضاغطا» أكثر في ظل «جهل» البغداديين بما يجري في ظل «الغياب الكامل للمعلومات»، وحيث لا يبقى أمام البشر العاديين سوى تفضيل البقاء داخل بيوتهم. ولكنها هي أيضا غير آمنة إذ يمكن في كل لحظة أن تبرز عناصر ميليشيات أو مجموعات إجرامية وحيث «ليس هناك أي مخرج آخر سوى تحمّل الوضع والانتظار». ويضاف إلى هذا إحساس آخر ليس أقل إثارة للألم وهو القناعة بعدم قدرة فعل أي شيء فـ «الشلل عام» على صعيد المجتمع بينما «ينشط رجال العصابات والإرهابيون».
«المهارب» الوحيدة «السالكة» تتمثل أولا بالنسبة للبغداديين في ظل الحصار بـ «شبكات الانترنت» و«الهواتف المحمولة» من أجل تبادل الرسائل الإلكترونية. هكذا غدت «الروابط» مع العالم الخارجي «افتراضية» أكثر مما هي واقعية، لاسيما وأن «جدران الاسمنت» عزلت أكثر فأكثر البغداديين بعضهم عن بعض. لكن البغداديين «تعوّدوا على العيش» مع هذه الجدران الاسمنتية، بل على قبولها. وتعودت بغداد، رغمها، على أن «يتابع قلبها نبضه».
إن آن نيفا، ومن خلال حكايات صغيرة، ووصف علاقات «مختلطة» بين مختلف أبناء الطوائف العراقية، وزيارات مسؤولين أجانب مع ما يترتب على ذلك من إجراءات أمنية وازدحام في الشوارع ترسم صورة «حية» لبغداد «التي تختنق». ويبقى السؤال الكبير: إلى متى سوف يستمر هذا الوضع؟ هذا ما يردده البغداديون والعراقيون وكل من يحبون هذه البلاد التي تروي المؤلفة حكايتها. وتقول في الجملة الأخيرة من كتابها: «أن يروي المرء يعني أنه يعيش كل شيء من جديد».
*الكتاب:بغداد، منطقة حمراء
*الناشر:فايار ـ باريس2008
*الصفحات:280 صفحة من القطع المتوسط
Bagdad, zone rouge
Anne Nivat
Fayard - Paris 2008
P.280

