عندما أطلت مجموعة هنري شوكمان القصصية الأولى «مورتيمر المغربي» في عام 2006 قوبلت بترحيب كبير من النقاد، ولم تتردد مطبوعة «لوس انجلوس تايمز بوك ريفيو» في مقال مطول في وصفها بأنها «عمل جسور، تحقق على نحو متألق، يتسم بالثراء البالغ».

والآن ها هو يطل بروايته الأولى «المدينة المفقودة» ليحكي قصة وافد بريطاني يبحث عن كنز، والأكثر أهمية يبحث عن صلة، عن ارتباط، وسط غوايات حياة بلا جذور وأخطارها المحدقة. الحديث هنا يدور عن جاكسون سمول، الذي تم تسريحه لتوه من الخدمة في الجيش البريطاني، بعد أن رأى بعينيه مصرع كونولي، صديقه المقرب في ميدان القتال مع المتمردين المسلحين من غواتيمالا.

لقد كان كونولي هو الذي أدخله إلى رحاب الافتتان بالحضارات القديمة واجتذبه إلى القصص التي تدور حول «لاجويا» عاصمة إحدى الإمبراطوريات البيروفية القديمة. وقد تعايش جاكسون مع حزنه على صديقه الراحل، وانطلق باحثاً عن لاجويا المحتجبة وسط الغابة التي يكسوها السحاب فيما بين جبال الإنديز ومتاهة الأمازون.

إنها رحلة شاقة، عبر الصحراء، الجبال، القرى التي لا تعرف كرم الوفادة، والأدغال التي لا سبيل إلى اختراقها، وعلى الرغم من أن جاكسون يجد مساعدة غير متوقعة من صبي يجمع بين البراعة والبراءة ومن قس قروي غريب الأطوار ومن امرأة ترتقي بتوقعاته وتحققها، إلا أنه يجري كذلك تحذيره عند كل منعطف بضرورة مبادرته إلى التخلي عن بحثه عن المكان الذي يقصده، والذي ربما لم يكن له وجود أصلاً.

لكن جاكسون لا يدع شيئاً يحول بينه وبين دخول أعماق الغابة التي يعتقد أنها تحمي أطلال المدينة المفقودة، حيث سيصادف آخرين يسعون وراء الهدف ذاته، ولكن بأساليب أكثر ضراوة بكثير من الأساليب التي يعتمدها. هكذا تبدو لنا رواية «المدينة المفقودة» بصوتها الغنائي، وإيقاعها الموغل في مسيرته قدماً ونزعتها الرومانسية عملاً حافلاً بالتشويق والجاذبية والقدرة على استقطاب القارئ.

ها هنا رواية خرجت من رحاب الشعر والخيال الخصب، لتمارس قدرة سحرية فيما يبدو على استقطاب من يقومون بتحويلها إلى عمل يطل على الشاشة الفضية. هذه العناصر التي تتألف منها الرواية لا تبدو لنا غريبة عندما نضعها في بؤرة التحليل، فشوكمان شاعر توجت مجموعته بنجاح كبير شأن ديوانه الأول، وهو كاتب رحلات متخصص، ينسج هنا المغامرات السياسية مع الرومانسية المفعمة بالعاطفة والشغف جنباً إلى جنب مع اكتشاف الذات في أرض لا يمكن أن توصف إلا بأنها مذهلة.

البطل، جاكسون سمول، لم يتجاوز الحادية والعشرين من العمر، ولكنه سرح من الخدمة في الجيش البريطاني بعد تعرضه للانهيار العصبي مع مقتل صديقه المقرب كونولي في كمين نصبه لهما المتمردون الغواتيماليون خلال جولة تدريب لهما في الأدغال. وإذ غمره الحزن، فإنه يعود إلى الأدغال ليحقق حلم صديقه بالوصول إلى أطلال مدينة لاجويا.

مع انطلاق جاكسون سمول في رحلته تتقاطع طريقه مع حشد مدهش من الشخصيات، فهناك فتى يتيم سينقذ حياته، وهناك مسؤول قنصلي بريطاني يبدو كما لو كان قد خرج لتوه من إحدى روايات غراهام جرين، وهناك متطوع سابق في جيش السلام والذي يعيش مع زوجتيه بعيداً عن كل الصلات التي يمكن أن تربطه بالعالم، وهناك قس يسعى للتبشير بالكاثوليكية في قرى الأدغال، وثمة زعيم لعصابات المخدرات المحلية، وهناك الأميركية سارة التي تسعى لتهدئة روح سمول وتظفر بقلبه في غمار ذلك.

ها هي أصداء جريت وكونراد تتردد عبر هذه الصفحات التي تكاد تصرخ طالبة حضور الكاميرات لتلتقط التنافس بين المشاهد الطبيعية والشخصيات على استقطاب اهتمام القراء والمشاهدين جميعاً. بعد عامين من مصرع كونولي في الكمين الرهيب، سيصل جاكسون إلى بيرو ليحقق حلم صديقه الراحل، الذي أصبح حلمه وميراثه معاً، الحلم بالوصول إلى أطلال لاجويا الغارقة في المجهول، هذا الحلم سيقوده إلي لقاء سارة، الأميركية التي ستجعل لحياته معنى، ولكنه سيقوده أيضاً إلى الاصطدام بكاريراس رجل المخدرات مرهوب الجانب في الأدغال. والحلم نفسه، ولتصبح الرحلة بعد اكتشاف، بعد تحقق أكثر من أي شيء آخر.

وعلى الرغم من المديح الذي كاله النقاد لرواية شوكمان الأولى، إلا أن هناك نقاطاً عدة لابد من التوقف عندها طويلاً فشوكمان لم يضفر العناصر المختلفة التي تتألف منها روايته تضفيراً محكماً، بحيث إن كل عنصر منها يبرز ناتئاً في انفصال واضح عن غيره.

والجزء من الرواية المتعلق بهرب جاكسون من خصومه عبر الغابة التي يكسوها السحاب مبالغ في طوله إلى حد الإضجار الشديد وإثارة الملل في نفوس القراء والمواجهة التي تعقب ذلك بين جاكسون وكاريرارس وذروة الرواية في ليما تبدوان مستعصيتين علي التصديق إلى حد كبير.

وشوكمان يخوض غمار مخاطرات عديدة في سرده للرواية، لكنه لا يزال يتعين عليه الوصول إلى صوته الخاص، بعيداً عن كل المؤشرات. مع ذلك تظل هذه الرواية عملاً جديراً بالقراءة، بكل ما تحفل به من عناصر الجرأة والطزاجة والابتكار، وبكل ما تثيره من أفكار وما تطرحه من تناقضات.

بلد غريب

«لم يكن هذا بلداً تزوره ما لم تكن مرغماً على ذلك، كأن تكون قد ولدت فيه، على سبيل المثال، أو أرسلت إليه لتدقق في حساب ما. أعني بلدا بالمعنى العريض الذي قصده هيمنجواي، تربة، براً، بلدا. الجبال تشمخ شبحية وهائلة على جانب، المحيط البارد بصورة غريبة على الجانب الآخر، وفيما بينهما امتداد من الصحراء قاحل للغاية بحيث لا ينمو فيه حتى الصبار.

وعلى امتداد نصف عام تغطي بطانية من السحاب الخفيض الصحراء، الجاروا الرهيبة، قادمة على كاهل تيار هامبولت الذي يقبل جليديا من القارة القطبية الجنوبية. أما النصف الثاني فإن الشمس المدارية اللافحة تحرق كل شيء متصل به إلى الجمود، أكوام الحصباء والرمل إلى جانب الطريق الرئيسية التي لم تتحسن قط، النفاية على جانب الطريق، كلاب كالمومياوات، كهول ينتظرون، ينتظرون. كان الحر شديداً بحيث تستحيل الحركة.

كان أمراً كافياً اجتياز النهار. كان الوصول إلى الساعة السادسة مساء، عندما يستقر منطاد الشمس الأحمر بانتظام على حافة المحيط الهادي، يمنح الشعور بالانجاز، بالخلاص».

مقتطف من رواية «المدينة المفقودة»

*الكتاب:المدينة المفقودة

*الناشر:نوف ـ نيويورك 2008

*الصفحات: 336 صفحة من القطع المتوسط

Lost City

Henry Shukman

Knopf-N.Y. 2008

P.336