«الروح كالماسة في الجسد، يجب أن تصقل كي يشع بريقها» تلك رؤية الروائي البريطاني والصحفي والجاسوس دانييل دافو الذي اشتهر بروايته «روبنسون كروزو» التي نشرت عام 1719الذي يعتبر مع صموئيل ريتشاردسون مؤسسا الرواية الانجليزية .

أنتج دافو الذي ولد في لندن صيف عام 1660، ما يقارب من 200 عمل في الأدب الواقعي و 2000 مقالة قصيرة، ومجموعة من الروايات، حيث يتجلى مزاجه الإبداعي حسب قوله «في أقل من عام ونصف تذوقت الفارق بين خزنة الملك وزنزانة سجن نيوغيت» التي تدل على تنوع الحياة التي عاشها والتجارب القاسية التي أنضجت رؤيته للوجود .

كان يرى نفسه كتاجر ولم يكن واردا في باله موضوع الكتابة إلا بعد تراكم الديون عليه، وهكذا بدأ بنشر سلسلة مقالاته الشهيرة بعنوان « مقال بشأن مشاريع» ابتداء من عام 1697 وفيها انتقل من تأييد الملك إلى انتقاد الكنيسة العليا بشأن إبادتها للمنشقين عنها، ونظرا لسلاطة لسانه وديونه وضع في أداة التعذيب الخشبية لمدة ثلاثة أيام قبل ذهابه إلى السجن، ومن ثم ساومه الإيرل الأول لأوكسفورد على حريته مقابل تعاونه ولعبه دور عميل استخبارات.

بعد خروجه بأسبوع هبت عاصفة لم يعرف تاريخ لندن مثيلا لها وكانت عام 1703، وتعتبر الإعصار الوحيد الذي عبر محيط الأطلنطي، وسرعان ما نشر عنها دافو كتابه «العاصفة» عام 1704، ويضم فيه روايات شهود عيان لذلك الإعصار، وفي ذات العام أصدر نشرة دورية « عرض للعلاقات الفرنسية» والتي تزامنت مع أحداث حرب اسبانيا واستمرت حتى عام 1713.

ومن عام 1719 إلى 1724 نشر رواياته الشهيرة منها «كابتن سينجلتون» ونشرت عام 1720 وتلاها عام 1722 برواية « كولونيل جاك» ثم «مول فلاندرز» ويعتمد في سردها على أنا المخاطب، وتعتبر روايته الأخيرة «روكسانا: العشيقة المحظوظة» من أعماله المميزة ونشرت عام 1724.

ولا يزال الغموض يحيط بالأيام التي سبقت وفاته في 26 أبريل عام 1731 في مقر سكنه، إذ يقال بأنه خرج من السجن قبل زمن قصير من وفاته، كما قيل أنه كان مختبئا من أحد المطاردين الذي كشف سره كعميل استخباري، وفي رواية أخرى كان هاربا من دائنيه.

ما تميزت به روايته «مول فلاندرز» بعنوانها الفرعي (أيامها السعيدة والتعيسة)، التي تلخص رؤيته الثلاثية الأبعاد للمرأة، ليس من منظار فهمه لها بل من خلال مقدرته على مشاهدة المساحة الرمادية التي تفصل بين الملاك والغانية، وهو أمر لا يمكن استيعابه بسهولة من قبل الأغلبية حتى في يومنا هذا. وصور دافو في عمله واقع المرأة في تلك المرحلة حيث لا تتوفر لها حياة كريمة إلا في كنف والدها أو أحد إخوتها أو في بيت زوجها.

ونظرا لحداثة الرواية في ذاك العهد وعدم تقبل الناس لأدب الخيال ، عمد دانييل إلى استهلال روايته بمقدمة أكد فيها بأن ما يرويه هو قصة حقيقية مستمدة من واقع الحياة. والسرد في العمل يعود إلى البطلة مول التي تؤكد أنها لن تصرح باسمها الحقيقي كي لا تكشف هويتها ويتم التعرف عليها.

تبدأ الأحداث من الزنزانة التي ولدت فيها مول قبل ترحيل أمها المحكومة بتهمة السرقة إلى مزارع فيرجينيا في أميركا، ومن المتعارف عليه حينها أن عقوبة السرقة هي الإعدام أو الترحيل إلى فيرجينيا. ومول التي تربت بين الغجر ثم في كنف ممرضة، أجبرت على العمل في الخدمة بعد وفاة معيلتها وكانت في الثامنة من عمرها.

في منزل بيت المحافظ تعلمت الكتابة واللغة الفرنسية وكل ما تتحلى به فتاة الطبقة الراقية في المجتمع، وسرعان ما تزوجت من الابن الأصغر بعدما ربطتها علاقة حب بالأخ الأكبر الذي تخلى عنها حفاظا على ميراثه.

تعيش مول بعد الزواج حياة مستقرة وتنجب طفلين إلا أن وفاة زوجها بعد مضي خمس سنوات، يدفع العائلة إلى أخذ الطفلين ومنح الأرملة مبلغا من المال لتبدأ به حياتها. وهكذا تبدأ مول بالبحث عن زوج جديد يكفل لها حياة مريحة مرفهة، ولتحقق أمنيتها تدعي بأنها أرملة ثرية.

تلتقي مول بتاجر نبيل يدعي هو الآخر الثراء ، الا ان الزوجين يكتشفان بعد الزواج إنهما كانا يمارسان الخداع على بعضهما البعض وكان الفقر يلاحق كليهما ، ولكنهما عاشا معا حياة مرحة وذهبا في رحلات برفقة النبلاء ، وحينما تراكمت الديون بشكل يفوق الاحتمال طلب زوجها منها الهرب أسوة به قبل أن يبدأ الدائنون بمطاردتهما متمنيا لها حياة سعيدة.

وبعد مضي زمن قصير تنشأ صداقة بينها وبين أرملة قبطان تستضيفها وتعلمها سبل الحصول على زوج ثري، وتبين لها واقعية الحياة الزوجية المبنية على المال قبل الحب. وتبدآ بالتخطيط لمؤامرة الزواج من ثري. تنجح الخطة وتلتقي بشاب أرستقراطي سمع عن ثروتها، ولكن دهاء مول حال دون خداعه حيث كانت تخبره عن حقيقتها بشكل موارب الى ان أوقعته بحبها و تعلقه بها ، فكلما أكد حبه لها كانت تعترف له بأنه يحب إنسانة فقيرة لا مورد لها.

وهكذا حينما تأكد من تلك الحقيقة بعد الزواج تقبل الأمر ووافقت على السفر معه إلى مزارع عائلته في فيرجينيا، وعاشت هناك مع والدته وأخته وسرعان ما تكتشف الحقيقة الصاعقة والمرة بأن والدة زوجها ما هي إلا والدتها وعليه يبطل زواجهما.

تترك مول طفليها في عهدة والدتها وتعود إلى لندن بعد ثمانية أعوام وقد فقدت ما حملته معها خلال عاصفة بحرية. وفي نزل تتعرف على رجل متزوج تعيش زوجته في مصحة عقلية، وبعد صداقة قصيرة تعيش معه لمدة ست سنوات وتنجب منه ثلاثة أطفال، وبعد أزمة صحية يتوب الرجل ويقطع علاقتهما.

وبدأت رحلة البحث من جديد مع إدراكها بأنها تجاوزت الأربعين، وتلتقي برجلين أحدهما في الشمال أعزب والآخر في لندن وعلى وشك الانفصال عن زوجته. تتزوج من الأعزب ليكتشف كل منهما خدعة الآخر فيفترقا، لتعود وتتزوج الثاني وتعيش معه خمس سنوات وتنجب طفلين. وبعد وفاته، تترك الطفلين في عهدة عائلة ريفية، وتتحول إلى لصة محترفة تجمع ثروة كبيرة.

وعند القبض عليها تلتقي في السجن بالزوج الثاني الذي أحبته، وعند ترحيلهما معا إلى فيرجينيا يبدآن حياة جديدة ويصبحان من الأثرياء ليعودا في نهاية المطاف إلى لندن ويستقران فيها.

rmaleh57@hotmail.com