قصة «حي بن يقظان» قصة فلسفية رمزية، تعرض نمو العقل الموحد منذ بداية خلقه حتى وصوله مرتبة الاتحاد بالخالق. أما مؤلفها فهو «أبوبكر محمد بن عبدالملك بن محمد بن طفيل القيسي» فكأنه يرجع إذن إلى أصل عربي خاص هو بنو قيس، وينسب أيضاً، فيقال: الأندلسي، القرطبي، الإشبيلي.

ولد في «وادي آش» في الشمال الشرقي من «قرطبة»، قرابة سنة 500 هجرية، وقد قرأ على جماعة من المتحققين بعلم الفلسفة، منهم «ابن باجة، وغيره» وقد اشتغل كاتباً لعامل ولكن الفترة المهمة في حياة ابن طفيل هي تلك التي أمضاها بحضرة «أبي يعقوب يوسف بن أبي محمد عبدالمؤمن بن علي القيسي» سلطان الموحدين، وكان عالي الثقافة، ذا حظ من العلوم العقلية، إلى جانب معرفته التامة بأخبار العرب.

وقد نال «ابن طفيل» حظوة كبيرة لدى «أبي يعقوب» وهو الذي قدم «ابن رشد» إلى السلطان، وظل ابن طفيل في بلاط السلطان «أبي يعقوب» طبيباً أول، وربما وزيراً، إلى أن علت سنه فتخلى عن وظيفة الطب لحميه «ابن رشد» وقد توفي «ابن طفيل» سنة 581 ه، في مدينة «مراكش» ودفن هناك.

وكان «ابن طفيل» شاعراً وطبيباً، وفلكياً، وفيلسوفاً، أما قصة «حي بن يقظان» فهي قصة ولد وضع في تابوت، وقذفه الموج إلى جذع شجرة، وحين نقص الماء، وشعر الطفل بالجوع، بدأ البكاء، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت ولدها الذي كان قد خرج من كناسه فحمله العقاب، فتتبعت الظبية الصوت، وقد تخيلته ولدها، واستطاعت بأظلافها أن تفك التابوت، وأن تبدأ في إرضاعه، وهكذا تربى الطفل، ونما حتى تم له عامان وتدرج في المشي، وكانت الظبية تحمله إلى موضع فيه شجر مثمر، فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة الناضجة، وحين ماتت لم يعرف ما يفعل إلا حين رأى الغراب يدفن غراباً آخر فاهتدى إلى أن يفعل فعلته.

وبقي زمناً يتصفح أنواع الحيوان والنبات ويطوف بساحل تلك الجزيرة، فاتفق له ان كان يرى في بعض الأحيان ناراً تنقدح في أجمة قصب أجوف، نتيجة احتكاك بعضها ببعض، فلما بصر بها وقف متعجباً، ومد يده إليها، فلما باشرها أحرقت يده، فاهتدى أن يأخذ قبساً لم تستول النار على جميعه، فأخذ بطرفه السليم والمنار في طرفه الآخر، وحمله إلى داره، وكان قد خلا في حجر استحسنه للسكنى، ثم ما زال يمد تلك النار بالحشيش والحطب، ويتعهدها ليلاً ونهاراً استحساناً لها وزاد أنسه بها، واعتقد أنها أفضل الأشياء لديه.

هنالك ظن أن الشيء الذي ارتحل من قلب أمه الظبية، لا بد أنه من جوهر النار، أو من شيء يجانسه، وأكد ذلك في نفسه ما كان يراه من حرارة الحي وبرودة الميت، وراح يحقق هذا الغرض، فعمد إلى بعض الوحوش وشقه حتى وصل إلى القلب، فقصد الجهة اليسرى منه وشقها، فرأى ذلك الفراغ مملوءاً بهواء بخاري يشبه الضباب الأبيض فأدخل إصبعه فيه فوجده من الحرارة في حر كاد يحرقه، ومات ذلك الحيوان على الفور، فصح أن ذلك البخار هو الذي كان يحرك هذا الحيوان، وأن في كل شخص من أشخاص الحيوانات مثل ذلك، ومتى انفصل من الحيوان مات.

ونزع إلى البحث عن سائر أعضاء الحيوان وترتيبها وأوضاعها، وكيانها، وكيفية ارتباط بعضها ببعض، وكيف تستمد من هذا البخار الحار حتى تستمر لها الحياة به، فقام بتشريح الحيوانات الأحياء والأموات، ولم يزل يمعن النظر فيها ويجيل الفكر، حتى بلغ في ذلك مبلغ كبار الطبيعيين، فتبين له أن كل شخص وإن كان كثيراً بأعضائه واحد بذلك الروح الذي مبدؤه من قرار واحد وانقسامه في سائر الأعضاء». هكذا يتعرف «ابن طفيل» وتنمو معارفه بعيداً عن العالم، وكأن المعرفة لا بد أن تأتي.

M _alfahed@yahoo.com