فجأة انتبه الغرب إلى الأدب العربي بعد مرور أكثر من عقدين على فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب، ولأن الصلة شبه مقطوعة بين القارئ الغربي والكتاب العربي فقد كان انتباه الغرب للأدب العربي انتباهاً استعراضياً عاجلاً انتهى إلى روايات روج لها الإعلام وسوّقها عبر قنوات ترى في الثقافة آخر همومها، روايات طبعت أكثر من عدة طبعات، وفي أكثر من دار نشر وتسلط عليها ضوء مغرق في الإطناب والاحتفاء المجاني.
هكذا انتبه الغرب إلى الكتابة العربية الحديثة، وهكذا تعامل مع كتب بمرجعية ألف ليلة وليلة اعتقاداً أن الحرمان والشهوانية خلف استار العرب الحديدية أحفاد شهرزاد وشهريار، ترى هل الكتابة العربية المعاصرة هي ذات مرجعية جنسية شبقية تروج لعصر الجواري والحريم.
أجزم أن الناشر الغربي أخطأ لو أعتقد أن الكتابة العربية المعاصرة هي نتاج عوالم ألف ليلة وليلة، لكن الخطأ الأكبر هو افتتان الغرب بالماضي الشهواني للمنطقة الذي روج له مستشرقو عهود الحقبة الاستعمارية، الذين نقلوا تلك الصورة لرجال يسترخون على الأرائك وأمامهم كؤوس الشراب وسلال الفاكهة ويحيط بهم خدم من بلاد العبيد! وفي موقع آخر من صورة الشرق، نساء عبلاوات حول بركة مياه يدخنّ النراجيل ويرفلن بالحرير الذي يكشف عن اكتناز بض، وطبعاً خادمات سوداوات يحملن جرار الشراب وقوارير العطر!
تلك الصورة ظلت لعقود طويلة في الذاكرة الغربية، وعندما جاءت المبادرة لتغييرها، كانت مبادرة خجولة جداً وتشبه المغامرات الفردية لأشخاص أحبوا الأدب العربي فترجموا نماذج قليلة جداً منه، ولأنهم ليسوا مطلعين كفاية على الثقافة العربية كان عملهم أشبه بحاطب ليل بحيث تتجاور الأسماء المبتدئة والأسماء المخضرمة كما تتجاور نماذج تتلمس الطريق إلى جانب نماذج ناضجة ومؤثرة، وأمام القارئ الغربي توضع الخلطة ويجري الحكم عليها وفرزها.
لقد كان انتباه الغرب للأدب العربي المعاصر انتباهاً سياحياً بسبب ضعف الترجمة أو النقل من العربية إلى اللغات الأخرى، ولم تكن التماعة نجيب محفوظ سوى صدى إعلامي لجائزة نوبل، إذا أن هناك عشرات الأسماء التي تستحق جائزة كهذه ولكن من يراها ويضعها تحت الضوء في ظل عصر حطابي الليل وفي ظل إعلام عربي ينتصر للغث ويروج له ولا يرى الثمين، فتصبح الكتابة العربية التي يعرفها الغرب هي ما يلمع تحت الضوء الإعلامي فقط، غير مدركين أن ليس كل ما يلمع ذهباً.