مؤلف هذا الكتاب هو الباحث البريطاني توم دايسون، وكان قد تخرج من كلية لندن للاقتصاد حيث نال شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية وفن الحكم. ثم أصبح فيما بعد أستاذا محاضرا في مجال العلاقات الدولية وشؤون الدفاع والأمن.

وهو يقدم هنا كتابا كاملا عن ألمانيا وما طرأ عليها من متغيرات بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، إنه يدرس أوضاعها من زاوية أساسية ألا وهي: قضاياها الدفاعية والأمنية. ثم يدرس دورها داخل نطاق الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي والمساهمة في الدفاع عن الغرب.يرى المؤلف منذ البداية أن ألمانيا لم تعد مقيدة بالعقدة النازية كما حصل سابقا طيلة أربعين أو خمسين سنة. ومعلوم أن كان يحرّم عليها وعلى جيشها أشياء كثيرة في مجال الدفاع والأمن خوفا من أن تستيقظ شياطينها السابقة.فقد عاقبها الحلفاء طيلة نصف قرن على ماضيها النازي وكانوا يقولون لها بما معناه: لا داعي لتشكيل جيش قوي عندك فنحن نحميك. اهتمي فقط بشؤون الاقتصاد واتركي لنا قضايا الدفاع والأمن.

هذا الموقف لم يعد ممكنا اليوم، وذلك لأن الغرب أصبح بحاجة إلى ألمانيا لمواجهة التحديات الكبيرة المطروحة عليه سواء في أفغانستان أو العراق أو سواهما وبخاصة ما يدعوه بالحرب الشاملة على الإرهاب.ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع أن ألمانيا الموحدة أصبحت أكبر قوة في أوروبا. فهي من حيث العدد تتجاوز الثمانين مليون نسمة أي أكثر من الفرنسيين أو الانجليز أو الإيطاليين بعشرين مليونا. ولهذا السبب فإن واشنطن تعتبرها الدولة الأهم في أوروبا. وتتعامل معها على هذا الأساس.يضاف إلى ذلك أن اقتصادها قوي جدا. وهي تجيء من حيث الغنى بمثابة البلد الثالث في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان. وبالتالي فإنها تمتلك أوراقا ضخمة بين يديها. صحيح أن الغرب منع عليها أن تتزود بالسلاح النووي بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن ذلك لا يعني أنها لا تمتلك جيشا قويا أو أجهزة أمن واسعة النفوذ وكثيرة العدد والإمكانيات.

صحيح أن شرودر صدم بوش عندما رفض الانضمام إليه في حربه على العراق قبل خمس سنوات، ولكن أنجيلا ميركل التي خلفته في الحكم غيرت السياسة الألمانية رأسا على عقب، وأعلنت تضامنها مع واشنطن في سياستها العامة الهادفة إلى مواجهة الأصولية الإسلامية على حد تعبيرها.

وبالتالي فالغرب أصبح الآن بحاجة إلى ألمانيا قوية من الناحية العسكرية والأمنية. ولم يعد يخاف منها كما حصل سابقا، بل إنه أصبح يشجعها على تقوية جيشها وأجهزتها الأمنية لكي تشاركه الحروب ضد الطالبان في أفغانستان.

ومعلوم أنه كان يمنع على ألمانيا سابقا أن ترسل جيشها إلى الخارج. ولكن الأمور اختلفت الآن كليا. فالأميركان يترجونها ويتوسلون إليها لكي ترسله إلى أفغانستان وبعض المناطق الأخرى الساخنة من العالم.

ويرى هنري كسينجر أن انتخاب أنجيلا ميركل كأول مستشارة لألمانيا يمثل حدثا تدشينيا في التاريخ المعاصر لتلك البلاد. فهي تمثل الجيل الثالث الذي لم يشهد الحرب العالمية الثانية والذي ليس واقعا تحت نزعة حب أميركا بشكل غير مشروط. كما أنها ليست واقعة تحت تأثير النزعة المضادة لأميركا كما حصل لشرودر وفيشر اليساريين اللذين شهدا الثورة اليسارية والطلابية لمايو 1968.

وبالتالي فهي قادرة على مقاربة الأمور بشكل أكثر واقعية، وسوف تعرف كيف تتخذ خطا وسطا بين مصالح فرنسا ومصالح أميركا. ولكن بما أن فرنسا في عهد ساركوزي لم تعد مضادة لأميركا فإنه سوف يسهل على ميركل أن توفق بين كلا الطرفين دون أي مشكلة تذكر.مهما يكن من أمر فإن الحلفاء الذين كانوا في السابق يخافون من ألمانيا ويمنعونها من تطوير أسلحتها أصبحوا هم الذين يطالبونها الآن بذلك. بل وأصبحوا يطالبونها بالتدخل في الأزمات الدولية الكبرى لمساعدتهم على مواجهتها أو حلها.

هذا ما فعله السيناتور جون ماكين عام 2006 أثناء المؤتمر الكبير الذي عقد في مدينة ميونيخ الألمانية عن الأمن الأوروبي ـ الأميركي. فقد طالبها بأن تضطلع بمسؤوليتها وتلعب دورا كبيرا على المسرح الدولي، دورا يليق بقيمتها وأهميتها باعتبارها قوة عظمى أوروبية يحسب لها الحساب. ومعلوم أن جون ماكين أصبح الآن مرشح الجمهوريين وقد يصبح بعد بضعة أشهر رئيس أميركا خلفا لبوش.

وأما الرئيس بوش فقد اقترح على أنجيلا ميركل عقد تحالف إستراتيجي بين البلدين من أجل مكافحة الإرهاب. ولهذا السبب قبلت ميركل بإرسال قواتها إلى لبنان بعد أفغانستان.

ويرى الجميع في ذلك دلالة لا تخطئ على أن ألمانيا تجاوزت محنتها بعد ستين عاما من انتهاء الحرب العالمية الثانية. فلم تعد مشلولة بسبب عقدة الذنب الهتلرية.ضمن هذا السياق الجديد قررت القيادة السياسية لألمانيا أن تطور جيشها بشكل يتناسب مع حجم البلاد ويعكس قوتها الاقتصادية المتعاظمة. فلا يمكن لبلد ضخم الإمكانيات من هذا النوع أن يظل قزما من الناحية العسكرية أو الأمنية.

ولهذا السبب فإن القادة الألمان سواء في السلطة أم في المعارضة أصبحوا مصممين على تشكيل جيش ضخم وحديث يمتلك القوة الضاربة التي تليق به.

ويرى المؤلف أن قادة ألمانيا ينطلقون في تحليلهم الإستراتيجي للأمور من الزاوية التالية: صحيح أن الشيوعية سقطت وأن الحرب الباردة انتهت وألمانيا توحدت، ولكن هذا لا يعني أن الأخطار التي تحيط بالبلاد وقد انتهت. فالعالم يشهد حاليا مخاطر جديدة ناتجة في نظرهم عن تنامي الأصولية الراديكالية وتهديدها للحضارة الغربية. وبالتالي فلا بد من مواجهتها بأي شكل كما واجهوا الشيوعية سابقا.

ولمواجهة كل هذه الأخطار لابد من جيش قوي وأجهزة أمنية ضخمة وفعالة. وهذا ما يحاول القادة الألمان تشكيله منذ ست أو سبع سنوات. ويبدو أنهم توصلوا إلى نتائج لا يستهان بها.

هذا وقد اتخذت المستشارة الحالية انجيلا ميركل قرارا بتقوية الجيش بل وتشكيل قوة للتدخل السريع في أي مكان تنشب فيه أزمة في العالم. ويبلغ عدد أفراد هذه القوة حاليا أربعة عشر ألف رجل. وهي قابلة للمزيد. وهذه القوات المدربة على التدخل السريع في أي منطقة كانت مزودة بكل أنواع الأسلحة الحديثة والمعدات.

ولكن تبقى هناك مشكلة: وهي أن المستشارة ترفض تحويل الجيش الألماني من جيش قائم على التجنيد الإجباري إلى جيش محترف. بمعنى آخر: فإن الجيش الألماني لن يصبح فعالا إلا بعد أن يصبح محترفين متطوعين من تلقاء ذاتهم وليس جيش هواة مجبرين على أداء الخدمة العسكرية لفترة قصيرة ثم العودة إلى الحياة المدينة وكأن شيئا لم يكن.

ومعلوم أن الجيش المشكل من محترفين كرسوا حياتهم للخدمة العسكرية يظل هو الأقوى. يضاف إلى ذلك أن حصر عدد أفراد الجيش الألماني بربع مليون شخص أمر غير مقبول في الظروف الحالية.

فألمانيا بلد قوي وضخم ويستحق جيشا لا يقل تعداده عن مليون شخص. وبالتالي فلا يزال أمام الألمان الكثير لكي يفعلوه لكي يتحولوا إلى قوة عسكرية ضاربة يحسب لها الحساب.

ولكن يبدو أنهم منخرطون في هذا الخط وأن هذه المرحلة ليست ببعيدة. نقول ذلك وبخاصة أن أوروبا مضطرة للدفاع عن نفسها تجاه الأخطار الخارجية. ولا يمكنها أن تعتمد أبديا على الولايات المتحدة من أجل ذلك.

*الكتاب:السياسة الألمانية للدفاع والأمن القيادة السياسية والإصلاح العسكري في فترة ما بعد الحرب الباردة

*الناشر:بيرغاهن بوكس ـ لندن 2008

*الصفحات: 216 صفحة من القطع الكبير

The Politics of German defence and security: policy leadership and military

reform in the post - cold war

Tom Dyson

Berghahn Books- london 2008

P.216