تعد رواية «التحليق» هي الرواية الأولى التي يصدرها شيرمان أليكسي منذ عشر سنوات، وهي صورة تراجيدية وساخرة لفتى يتيم من الهنود الحمر يمضي جيئة وذهاباً في الزمن في بحث عنيف عن هويته الحقيقية.

ويعد شيرمان أليكسي واحداً من أكثر الحكائين موهبة وتحققاً وتقديراً في الكثير من الدوائر الأدبية الأميركية. وروايته التي يفصلها عقد من الزمان عن رائعته «قاتل هندي» هي رواية قوية وسريعة الإيقاع عن مراهق يتيم مضطرب، لا يعتبر من الناحية القانونية هندياً أحمر، لأن والده لم يسجله قانونياً باعتباره ابنه.تبدأ رحلة البطل الشاب عندما يوشك على القيام بعمل هائل من أعمال العنف، وفي لحظة اتخاذه القرار الحاسم يجد نفسه وقد عاد في الزمن إلى الوراء ليطل في جسد عميل لمكتب التحقيقات الفيدرالية خلال مرحلة الحرب الأهلية وعقب ذلك سيرغم على رؤية الجحيم الذي تحول إليه حادث ريد ريفر بولاية ايداهو في سبعينات القرن العشرين، وتتوالى بعد ذلك المحطات في رحلة تشمل أكثر اللحظات عنفاً في التاريخ الأميركي.يواصل الفتى رحلته ليحل في جسد فتى هندي أحمر خلال معركة ليتل بيجهورن، ثم ينطلق مع مقتف هندي لآثار الأقدام في القرن التاسع عشر قبل أن يطل في هيئة قبطان طائرة تنطلق في أجواء اليوم.

خلال هذه الرحلات المرعبة ستتردد على لسان الفتى كلمات لا تنسى حقاً من قبيل التساؤل «ما الذي سيحكم على ما يجري؟» أو القول: «إنني لا أفهم البشر»، وعندما يعود الفتى ليستقر في جسمه في زماننا فإنه يكون قد عرف تحولاً هائلاً من خلال كل ما شاهده في رحلته المروعة.

ومن منظور العديد من النقاد والقراء، فإن شيرمان أليكسي يطل هنا في أكثر حالاته تألقاً، فهو يجعلنا نضحك في الوقت الذي نوشك فيه علي البكاء.

ومن هنا ليس عجيباً أن تعقب مجلة «تايم أوت» على روايته هذه بالقول: «أليكسي، شأن شخصياته، في غمار سعي وراء رؤية عصرية».

يبدو جلياً أن ما يسعى إليه أليكسي هنا لا يعدو أن يكون محاولة الوصول إلى فهم للسر في الكراهية التي تهيمن على البشر فتدفعهم إلى العنف في أشكاله المختلفة.

غير أن الحماس الكبير الذي يواكب ظهور رواية أليكسي الأول منذ عقد كامل من الزمان لا ينبغي أن يحجب عنا الحقيقة الأساسية المتعلقة بهذا العمل، وهي أن ضعف حبكة الرواية يصل بها إلى مرحلة الشحوب، حتى لتوشك على الاختفاء. ولولا براعة أليكسي وخبرته لبدا هذا العيب في الرواية بارزاً إلى حد صارخ.

وهذا العيب الهيكلي في العمل على الرغم من خطورته لا ينبغي أن يحتكم اهتمامنا، فالغنائية المهيمنة على الرواية هي عنصر بديع يتم انجازه هنا على مستوى بالغ الرقي.

والحوار في الرواية لابد له من أن يستقطب اهتمامنا بما فيه من حيوية وقدرة على أن يعكس نبض الحياة بأسلوب أصيل لا مجال لاصطناعه أو افتعاله بتقليد أصداء الشوارع أو المقاهي.

وقد كان طبيعياً أن تستقطب هذه الرواية اهتمام الكثير من الكتاب والنقاد، فالروائية جويس كارول أوتيس تبادر في مقال مطول لها في مطبوعة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» بالإشارة إلى وصف هذه الرواية بأنها: «مضحكة وساخرة ولكنها عاطفية ومتمردة.

ويبرز أليكسي باعتباره الفتى الشرير بين معاصريه من الكتاب حيث يسخر من نفسه ومن الآخرين، ويبدو من المستحيل التنبؤ بما سيقدم عليه، ويذكرنا بفيليب روث في شبابه».

وتعرب الكاتبة آن كوفنر في مقال لها في صحيفة «واشنطن بوست» عن اعتقادها بأن هذه الرواية تفتقر بعمق ورحابة كتاب أليكسي الشهير «موسيقى بلوز المعزل» لكنها تظل عملاً أصيلاً وطريفاً واستفزازياً.

وتعرب مجلة «فيليج فويس» عن مشاعر الكثيرين من النقاد والقراء حيال هذه الرواية عندما تقول: «أياً ما كانت عليه رواية (تحليق) ـ ممارسة أدبية، أم حواراً مشتعلاً كالحريق أو رؤية مراهق للعالم ـ فإنها تظل على الرغم من ذلك رحلة مدهشة ومثيرة».

وبدورها تشير مجلة «بوكليست» المتخصصة إلى أن: «رواية أليكسي المكثفة والمدهشة عن المواجهات مبنية حول تنويعات مذهلة على معني التحليق ونتائجه فيما تؤكد أن الناس على اختلاف انتماءاتهم قادرون بالقدر نفسه على الخير والشر».

ويبادر توفر بارباش في مقال نشرته مطبوعة «نيويورك تايمز بوك ريفيو» إلى القول عن هذه الرواية: «إنها بعيدة عن الادعاء، وسردها مجرد من الزوائد حتى النخاع وهي حافلة بالغضب الذي يملأ القلب، وليست فيها كلمة واحدة زائفة.

وتظل هذه الرواية عملاً جديراً بالقراءة حقاً، ربما في ضوء أن حركة الترجمة العربية للآداب

الأجنبية لم تقدم لنا شيئاً يذكر من أدب الأميركيين الأصليين، ومن المحقق أن هذه الرواية يمكن أن تشكل إضافة جديدة متميزة إلى القليل المترجم حتى الآن من هذه النوعية الفريدة من الأدب.

*الكتاب: التحليق

*الناشر:جروف ـ نيويورك 2008

*الصفحات:181 صفحة من القطع المتوسط

thgilF

Sherman Alexie

Grove Press-N.Y. 2008

P.181