مؤلف كتاب «فلسطين الرمز والجوهر» هو الكاتب الفلسطيني ماهر اليوسفي الذي عاش تجربة السجن في معتقل أنصار حيث اهتم بشكل أساسي بالشأن الفلسطيني، وأصدر كتاباً هاماً عن الفنان المناضل ناجي العلي.
تناول المؤلف في كتابه المفهوم الجوهري للرمزية الفلسطينية في مسيرة الشعب والوطن، منطلقاً نحو رؤية مستقبلية لما ورد من شهادات كُتّاب ومفكرين عرب حول الانتفاضة والمقاومة.
ولم يتوقف اليوسفي عند رمزية الأرض والإنسان والوطن بما فيها الرموز المقدسة المسيحية والإسلامية، ولا عند رمزية النضال الفلسطيني ومسيرة شعب ينشد الحرية والاستقلال، وإنما تعداها إلى رمزية الإنسان الشهيد الذي يقدم أغلى ما لديه من تضحيات، معتبراً الشهداء والشهادة رمزاً إنسانياً خالداً ونبيلاً في تراث الشعوب.
وفي السياق نفسه يذهب الكاتب إلى المسيرة الفلسطينية رافقتها رموز بطولية منها رمز الشهيد، الرمز المقاوم، رمز الأسير في سجنه، والرمز الروحي «المقدس»، والرمز التراجيدي، حيث يخضع رمز الشهيد للمقدس في الذاكرة الشعبية والحياة، بينما يطل الرمز التاريخي من نافذة الماضي، والرمز المؤسس المنفتح على الانجازات التاريخية، ورمز الذاكرة التي تطل على الأزمنة كلها.
ويرى اليوسفي أن دلالات الرمز كثيرة في التجربة الفلسطينية، وتأخذ مكانتها بوجود حوامل لهذه التجربة، وهي بالغة التأثير تحاكي الوعي وتستمد عناصرها من القوة، قوة الروح، والحق والحقوق والعدالة، فالرموز بطبيعتها تبحث في المصير الإنساني أو المصائر التراجيدية مجتمعة، ووظيفتها الاستنهاض والنهوض، للوصول إلى الخلاص الوطني، وتحقيق الأهداف الوطنية، وميزة الوظيفة أنها تسعى نحو الارتقاء بمسار الإنسان وإنضاج الوعي والإلمام بحقائق التاريخ، ووعي المخاطر الصهيونية وتطبيقاتها وممارساتها على الأرض.
وأشار المؤلف إلى الصراع التاريخي الذي تأسس في فلسطين منذ زمن بعيد على الرمز والجوهر، منذ تحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي من غزوات الفرنجة «الحروب الصليبية» وما شهدته فلسطين من غزوات قبل هذا التاريخ وبعده، ومع كل الحروب والصراعات كانت هناك رمزية محمولة رافقت كل مرحلة من مراحل التاريخ.
وسلط الكاتب الضوء على القضية الفلسطينية حيث شهدت فلسطين منذ مئة سنة وحتى يومنا هذا أصعب وأقسى أنواع الغزوات وحروب الإبادة، تجسدت بالاحتلال الصهيوني حيث تقوم العصابات الصهيونية بارتكاب المجازر وبطرد معظم الشعب الفلسطيني خارج أرضه، وبقيت هذه القضية مستمرة في رموزها تنتقل من مرحلة إلى مرحلة جديدة، ومع بداية الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ أربعين عاماً يؤكد اليوسفي على أن فلسطين استطاعت أن تنحت رموزها في الذاكرة والوعي، ومن خلال التمسك بالحقوق الوطنية والتشبث بالأرض الفلسطينية لمن يبقى هناك، يناضل ويرفع صوته ويعلو بانتفاضته ومقاومته إلى قمم المجد والبطولة والتضحية.
ويرى اليوسفي بأن النموذج الإسرائيلي الذي تقوده القوة الحربية، والذي أوصل الجريمة إلى أعلى مرتبة وصنع لها مفاهيم وتبريرات مضللة وزائفة، الأمر الذي جاء بالانتفاضة وبتعبيراتها كتمرد على الاحتلال والقمع لدى شعب عقد العزم على أن تحيا الحقيقة الفلسطينية واختار نموذجه الفريد للظفر بالحرية والاستقلال.
ويذهب المؤلف ان المجتمع الإسرائيلي الذي اختار الجريمة سلوكاً وطريقاً، فإن هذا الاختيار برأي اليوسفي يكشف عن أزمة المجتمع ذاته، ويكشف عن عقلية مريضة تتبجح بمنطق القوة وترتد عليها وتتورط بفظائع يدينها المجتمع الدولي ومواثيقه، فالنظر إلى التفاصيل في الممارسة القمعية الإسرائيلية، يعبر عن خيار الكيان ذاته، فلا ينتهي المشهد عند التدمير وزحف الدبابات وقصف الطائرات للمدن والقرى الفلسطينية.
وأيضاً أساليب القتل والاغتيالات والحصار والتجويع والإغلاق، كمحاولة لتركيع شعب الانتفاضة، وجدار الفصل العنصري (الأبارتهايد)، والاعتداء الذي يقوم به المستوطنون والاعتقالات الجماعية والتدمير المنهجي لبنية المجتمع الفلسطيني ومؤسساته وتدمير المنازل واقتلاع الأشجار، والذي يبقي ضحايا العدوان المستمر ـ حسب الكاتب ـ تحت رحمة وقبول الشروط الإسرائيلية في السيطرة والهيمنة ضمن مسميات عديدة منها «حماية أمن إسرائيل».
ومن هنا يذهب المؤلف في وصفه للممارسات الإسرائيلية الهمجية إلى أنها لا تقل عن ممارسات النازية التي تتميز بالتمييز العنصري الرسمي ـ العقاب الجماعي ـ الإذلال الدائم.
وعن أسباب الانتفاضة يشير اليوسفي إلى أنها قامت كتمرد على الظلم وعلى واقع الاحتلال، كما تتمثل بسلاح الإرادة، بينما يتمتع جنرالات الحرب الإسرائيلية لغة كسر الإرادة ـ تكسير الصمود ـ إلا أن العقلية الإسرائيلية العنصرية لا تفسر الاتفاقيات الأمنية إلا لمصلحتها، كحماية لأمنها دون أن تصل إلى استحقاقات الطرف الآخر في الانسحاب وإنهاء الاحتلال، فالاحتلال يزول بزوال العقلية العنصرية والفاشية، طارحاً السؤال التالي: هل تتخلى إسرائيل بسهولة عن منطقها العنصري الإخضاعي؟
وفي الإطار نفسه يشير المؤلف إلى السياسة الأميركية من خلال شراكتها مع إسرائيل مجربة أنجع الطرق والأساليب للإبقاء على الهيمنة الإسرائيلية، بانحيازها الدائم إلى جانب إسرائيل.
ومن جهة أخرى يعتبر الكاتب بأن شكل الصراع مع الكيان الصهيوني قد انتقل إلى طور جديد، وبأن مقاييس السياسات الأميركية المتعاقبة وآخرها وأكثرها ظلامية سياسة بوش التي لا تتناسب مع هدف الانتفاضة المعاصرة ومتطلبات شعوب المنطقة، عندما تتخذ هذه السياسة من الهيمنة والإرغام قاعدة لها تحكم وتتحكم بمقدرات المنطقة وبشعوبها.
واستعرض المؤلف آراء أدباء ومفكرين وكُتّاب عرب التي جاءت تضامناً مع الانتفاضة والمقاومة كصدى لتلك الصرخات القوية للضحايا في شوارع رام الله وجنين وبيت لحم ونابلس والخليل وغزة، هي تعبير صادق عن روح التضامن والضمير ومسؤولية أخلاقية للدفاع عن الضحية...آراء ومواقف تحمل في جوهرها عمقاً إنسانياً.
وفي هذا السياق بدا المشهد الثقافي والإعلامي العربي في حالة استنفار ليواكب أحداث حرب الإبادة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، حيث كتب الروائي المصري جمال الغيطاني بلغة قوية صارخاً «لا فرق عندي بين إبادة إنسان واحد بسبب معتقده أو جنسه وبين إبادة أي عدو، لا تعداد في الإبادة فمن أزهق روحاً واحدة فكأنه قتل الناس جميعاً، وإذا كانت الإبادة التي قام بها النازي قد وصلت إلينا من خلال أخبار التاريخ، وبعض لقطات مصورة، فإننا نرى الآن بالصورة الحية والصوت في اللحظة نفسها إبادة منظمة للشعب الفلسطيني، والذين يقومون بها هم ضحايا النازية في الماضي..»..
وتطرق اليوسفي إلى ما قاله برهان غليون في تحليله لمشهد الصراع متضامناً مع الانتفاضة ومفنداً الذرائع السياسية المحيطة بواقع الانتفاضة ومنتقداً التقاعس الرسمي العربي» على المستوى الوطني يدفع عجز الدول عن بلورة استراتيجية عسكرية وسياسية ودبلوماسية ناجعة وفاعلة ضد الاحتلال، إلى استشراس الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين ويترك للأفراد والمنظمات، بل اليوم للأطفال وحدهم مهمة مقاومة احتلال إرهابي من أسوأ وأعتى ما شهدته البشرية..».
وتناول المؤلف شخصيات وطنية قيادية، لها مكانتها حيث تحمل كل شخصية هماً وطنياً وهي في دائرة الفعل المنتفض، وبالكتابة عنها لأراد اليوسفي التقرب من تقييم فعلها الإنساني ومن رمزيتها، وما تدفعه من ثمن باهظ لمواقف سياسية، وما تجده من مضايقات وممارسات قمعية من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وبعضها يمكث اليوم في السجون الإسرائيلية.
وهذه الشخصيات مدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني، متقدمة في صفوف المواجهة وهي متعددة الانتماءات أهمها الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات سجين أريحا، مروان البرغوثي، الأب عطا الله حنا، الدكتور حيدر عبد الشافي، سمية خليل كنموذج للمرأة الفلسطينية المناضلة، حنان عشراوي، المناضل بسام الشكعة، الدكتور عزمي بشارة، الشيخ المناضل رائد صلاح.
كما تناول المؤلف بصورة انتقائية نموذجاً من الشخصيات الوطنية المناضلة عربية وفلسطينية، والتي هي في موقع الرمز، بعضها مرجعيات وطنية علمانية ودينية تنتسب بفعلها البطولي إلى فلسطين والقدس، وهي ذات توجه قومي عربي علماني، وإسلامي ومسيحي، أمثال الدكتور جورج حبش، حسن نصر الله، محمد حسين فضل الله، البابا شنودة، المطران الثائر إيلاريون كبوجي، الأب إلياس زحلاوي، المناضلة الفلسطينية ليلى خالد، والمناضل أحمد يماني.
واستعرض اليوسفي شخصيات قادة شهداء قضوا على درب الحرية والاستقلال، وكانوا في مقدمة صفوف الانتفاضة والمقاومة، وقدموا أرواحهم في سبيل فلسطين الرمز والجوهر، هؤلاء القادة الشهداء معظمهم اغتالته الوحشية الصهيونية، وهذه الشخصيات القيادية نالت أعلى مراتب الشرف وأنبلها في الشهادة، وما مثلته من مواقف متقدمة دفاعاً عن الانتفاضة والمقاومة والكرامة الإنسانية .
وعن حقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يضعها في منصة الرمز بامتياز وهي الرئيس ياسر عرفات، الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس ومرشدها الروحي، الشهيد أبو علي مصطفى، الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، الشهيد فيصل الحسيني، الشهيد القائد محمد عباس، الشهيد الأسير عمر القاسم، الشهيد سمير درويش، الشهيد محمد الأسود... وغيرهم.
ويعتبر الكاتب هذه القيادات التي حملت قضايا وطنية حاول الاحتلال الصهيوني النيل منها وإقصاءها إما اغتيالاً وإرهاباً، أو اعتقالاً وإبعاداً إلا أن الشعب الفلسطيني مع دورة الحياة يستمر في خلق رموزه إلى النور.
*الكتاب: فلسطين الرمز والجوهر
صوت الانتفاضة والمقاومة
*الناشر: دار كنعان ـ دمشق 2008
*الصفحات:275 صفحة من القطع المتوسط
ناهد رضوان
