مؤلف كتاب «السلاح والعدة في تاريخ جدة» هو العلامة الخطيب الشيخ عبد القادر بن أحمد بن محمد بن فج الجدي الحجازي خطيب جدة وعالمها، والمقدم فيها بالعلوم الشرعية والأخلاق النبوية، وكانت وفاته 1010 هجرية بجدة، وفيها دفن.
وبعد مقدمة عن المدن، يبدأ الشيخ كتابه بقوله: ورتبته على مقدمة وفصول وخاتمة، فيما ورد في فضلها من الأحاديث، وما اشتملت عليه من المآثر والمشاهد والزوايا والمساجد والكرامات لمن بها من الأولياء الأخيار.
أما المقدمة الأولى فكانت في سبب تسميتها بجدة، حيث يرجع الشيخ التسمية إلى كون جدة هي منزل أم البشر حواء، وكونها دفنت بها، فهي جدة جميع العالم، ويورد أيضاً أنه نقل عن الحافظ عز الدين بن الأثير في النهاية الجد ـ بالضم ـ ساحل البحر، والجدة أيضاً، وبه سميت المدينة التي عند مكة.
ويبدو أن هذه القصة ليست جديدة، فقد أورد محقق الكتاب الدكتور المرحوم مصطفى الحدري حدثنا سلمة عن ابن اسحق قال: وأما أهل التوراة فإنهم قالوا: أهبط آدم بالهند، وأهبطت حواء بجدة من أرض مكة. ثم قال آخرون: أهبط آدم بسرنديب على جبل يدعى بوذ، وحواء بجدة من أرض مكة ثم يبدأ المؤلف بذكر ما ورد في جدة من الأحاديث الشريفة، فيورد حديثاً عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم»: «يأتي على الناس زمان يكون الرباط رباط جدة».
وفي كتاب شفاء الغرام للسيد الفارسي بسنده عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: «مكة رباط وجدة جهاد»
ثم يورد المؤلف ما قاله الإمام حجة الإسلام الغزالي، في كتابه «إحياء علوم الدين» إن بعض الأولياء كوشف فرأى جميع الثغور تسجد لعبادان، عبادان تسجد لجدة.
ثم ينقل أن أول من جعل جدة ساحلاً لمكة، عثمان بن عفان ـ 6 هـ رضي الله عنه ـ بعد أن استشار الناس، وكانت الشعيبة قبل ذلك ساحل مكة.
ويورد أن بجدة أثر رسوم قديمة، تدل على قدم وجودها، وأنها كانت مدينة كبيرة، وأنها كانت زمن الفرس، وأن سلمان الفارسي وأهله سكنوها، لأنهم كانوا قوماً تجاراً، وهم الذين بنوا سورها الأول.
والمشهور أن من بنى هذا السور هم الفرس، وأنهم لما بنوه أتقنوا بناءه وجعلوا عرض الحائط أربعة أشبار، وجعلوا فيه أربعة أبواب، أحدها: باب الدومة في جهة الشام، وباب المدبغة، في جهة اليمن، وكان عليه حجر أخضر فيه طلسم، إذا سرق في البلاد شيء وجد في الغداة اسم السارق مكتوباً في الحجر، وباب مكة: في جهة القبلة، وباب الفرضة: مما يلي البحر.
ثم يستعرض الشيخ فقهاء جدة، ذاكراً أن جده كان الفقيه الذي اشتهر بالعلم، كما ذكر أولياء اليمن من أقام بها إلى أن مات، وقبره بها، وذريتهم باقية منهم «بنو الشاذلي القرسني» ومنهم بنو الزيلعي، من ذرية عقيل بن أبي طالب، ومنهم السادة الكرام المهادلة، ومنهم السادة الأشراف.
ثم يذكر الشيخ سبب عمارة سور حول جدة قائلاً: أخبرني الثقات أن سبب عمارته: لما حصل بمكة المشرفة وجدة المحروسة خطف نهب وقتل وسفك، من بعض عربانها البغاة، وبدوانها الطغاة، بدأ أولو الأمر ببناء عمارة السور، في تسعة شهور، بأبراجه، ودار النيابة، ومصلى العبد، وذلك في سنة تسعمائة وإحدى عشرة للهجرة، وكان أطول أساس السور المذكور في الأرض، اثني عشر ذراعاً، وطول المحيط بالبلد من جهة القبلة الشام واليمن ثلاثة آلاف ذراع، من غير الأبراج، وهي ستة أبراج دور كل برج منها ستة عشر ذراعاً بجداره، وعرض جدار السور أربعة أذرع، وأما الأبراج فطول الشامي واليماني من على وجه الأرض، خمس عشرة ذراعاً..
وفيها من الأولياء المشهورين بالصلاح والعلوم، الشيخ عفيف الدين المظلوم وقبره داخل السور، ومن جهة الشام، وسمي المحل والبقعة التي هو فيها بالمظلوم من باب تسمية المحل باسم الحال.
وهكذا فإن هذا الكتاب مع المقدمة التي وضعها المحقق لتاريخ جدة، تضعنا أمام تاريخ هذه المدينة ، وما ساهمت به عبر تاريخها.