يعد الكاتب والمهندس الدبلوماسي الإماراتي راشد عبدالله النعيمي أول من كتب الرواية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وتعتبر روايته «شاهندة» عملا أدبيا مميزا رصد حياة وتاريخ المنطقة. وكان قد درس في قطر ثم درس في جامعة القاهرة وحصل على درجة البكالوريوس في هندسة البترول عام 1967.
في حياته المهنية تدرج في العديد من المناصب ابتداء من مدير دائرة الإعلام والسياحة في إمارة أبوظبي عام 1971، مرورا بعمله كسفير وانتهاء بوزير للخارجية ابتداء من عام 1990 وحتى 2005، وخلال مسيرته تابع اهتماماته الثقافية والأدبية وكتب العديد من المقالات للصحافة.نشر روايته أولا في القاهرة وطبعها مرتين عام 1974 وعام 1976، ليعاد طبعها مجددا من قبل اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة عام 1998. كما قامت دائرة الثقافة والإعلام في عجمان بإطلاق اسم الرواية على الملتقى الروائي الأول الذي نظمته في شهر ابريل عام 2008، «شاهندة للإبداع الروائي الخليجي» تكريما له ولعمله.
ورواية «شاهندة» تحكي عن قارب وعائلة وطموحات راعيها في خضم بحر هائج وشاب من قرية بائسة تحت رحمة الجوع وهاجس تأمين قوت عائلته يوما بيوم، وعن القدر الذي يجمع بين عالمين مختلفين حينما يتحطم القارب وبالكاد تنجو عائلة شهداد حيث يساعد لوح خشبي في إيصاله وزوجته حليمة وطفلته شاهندة إلى جزيرة غير مأهولة ليلا، في ذات الوقت الذي يصل فيه ابن القرية سالم الذي دفعه الجوع واليأس إلى تحدي أمواج البحر والسباحة ليلا إلى ذات الجزيرة.وفي الصباح يلتقون، ويأخذهم سالم معه في سفينة عابرة إلى قريته الحيرة، وهو سعيد بغنيمته الجديدة التي ستحرره من ديونه وشبح الجوع. وتتالى الأحداث المحملة بالعبر والقيم وتحليل الدوافع الإنسانية بصورة عميقة وغير مباشرة مع احتفاظ الكاتب بدفء الحكاية والعفوية في السرد.
فشهداد رجل دفعه حلمه بالثراء وتأمين حياة رغيدة لأسرته إلى المغامرة وركوب المجهول، الذي قادهم عبر لقائهم بسالم لأن يباعوا في سوق النخاسة ليصبحوا عبيدا، غير أن القدر يرأف بمصيرهم عندما يتم شراءهم من قبل تاجر قرية الحيرة الثري والطيب.
تلقى الأسرة معاملة حسنة من زوجة التاجر العاقر. وتمضي الأيام ويكسب شهداد احترام وإعجاب سيده، الذي اختاره ليكون أمينا على رزقه وتجارته، من خلال تعيينه ربانا لسفينته، متجاوزا بذلك الأعراف الاجتماعية السائدة. ويتجلى عمق المؤلف وموضوعيته في الطرح، في تصويره لقبول سكان القرية أن يصبح العبد قائدا لهم والذي لم يكن بدافع اقتناعهم بشخصه، بل لكونهم ليسوا أحرارا في اتخاذ القرار، فمعظمهم إما يعتمد في رزقه على التاجر، أو مدينا له بالمال. كما أن دوافع التاجر لم تكن مبنية على الخير وحده، بل بدافع حماية مصالحه حينما اكتشف سرقات النوخذة السابق.
وتظهر حساسية الكاتب العالية في السرد من خلال وصفه المرهف، ومثال على ذلك، «وكادت الزوجة التي يبدو عليها آلام السنين إن يعيدها هذا الخبر إلى شبابها.. فهي سترى زوجها لأول مرة يقود ولا يقاد»، كما صور بؤس القرية، من خلال محاولة سرقة سالم وصديقه لأكفان الموتى.
وبعد غياب شهداد في عرض البحر، تبرز شخصية شاهندة التي تجاوزت مرحلة الطفولة والتي يدرك القارئ منذ البداية ذكاؤها ووعيها من خلال حكمها على سالم وغيره. ومع تبرعم أنوثتها، باتت شاهندة هاجس وحديث شبان ورجال القرية بلا استثناء. ونظرا لكبريائها واعتدادها بنفسها أثارت نقمة الجميع عليها. كما حال ذكاؤها ونشأتها في عالم مدني من الانصياع أو الخضوع لمصيرها الجديد، فلم تنظر إلى نفسها إلا كإنسانة حرة دائما وأبدا.
وعلى الرغم من طيبة محمود ابن سالم في تعامله معها بداية وصولهم إلى القرية، إلا أنها شملته بكراهيتها لوالده واحتقارها له ولم تكن ترى فيه سوى ابن النخاس.
ولكن محمود الذي كان يختلف عن شبان القرية استطاع بإصراره على التواصل معها في كسب ودها وقلبها.
وبعد صراع شديد تستسلم شاهنده لقلبها ولمحمود الذي تمنحه حبها وجسدها، ولم تكن تتردد في لقائه في الخرابة بين الحين والآخر.
وحينما تقدم لطلبها أحد شبان القرية الأثرياء، رفضته بلا تردد على الرغم مما قدمه له من مهر لم تحصل عليه أية فتاة في الديرة. هذا الرفض أثار الأحقاد عليها وأشاع الأقاويل حول علاقتها بمحمود، وباتت في نظر القرية فتاة لعوب فاجرة.
وحينما طلب الجميع من التاجر طردها من القرية، سألت شاهنده حبيبها أن يتزوجها، وهو الأمر الذي لم يكن واردا في ذهن محمود فهو عاجز عن الوقوف في وجه والده أو رجال قريته. وحينما اتهمته بالجبن ثار عليها واتهمها بالفجور والغواية.
وأخيرا باعها التاجر إلى أحد النخاسين، الذي رافقته مع قافلته عبر الصحراء الحارقة التي كانت تلهب جسدها، وتؤجج حقدها على سالم ورغبتها في الانتقام من محمود. وبقوة كبريائها استطاعت أن تقف ندا للنخاس جابر ورجاله، مما أثار إعجاب شاريها وحفزه على طلب الزواج منها، وبلا تردد وافقت شاهندة فلا بدائل أمامها.
وبوصولها إلى قريته عاشت حياتها في استقرار، ومع مضي الزمن أحبت زوجها وكرست حياتها له ولطفلتهما. ولكن لدى عودة جابر من إحدى رحلاته برفقة عبدة جديدة، أحست شاهندة بالغيرة من تودد زوجها للفتاة، واستيقظت أحقادها القديمة.
وتدفعها رغبة الانتقام من زوجها إلى خيانته بصورة متكررة، وبذا قادها حقدها إلى خسارة حياتها الآمنة حينما طردها زوجها من حياته وبعث بها مع رجاله إلى الصحراء ليتركوها تحترق بنارها.
إلا أن مشيئة القدر تساهم مجددا في إنقاذها على يد مجموعة من الشبان كانوا في رحلة صيد، وهكذا تبدأ حياة جديدة في إحدى المدن بدخولها قصر الملك. لتتدرج من عشيقة لرئيس الحرس إلى وصيفة للملكة وأخيرا زوجة للملك.
غير أن رغبة الانتقام تعود إليها، فتطلب من الحرس إحضار محمود، ولدى مثوله أمامها تصل إلى أمنيتها، وبعد لحظة التشفي التي انتظرتها طويلا تأمر بخصيه، لتنهار بعدها وتشعر بأنها قتلت روحها بانتقامها.
href="mailto:rmaleh57@hotmail.com">rmaleh57@hotmail.com

