عندما دخلت المنزل أول مرة قابلتني الابنة الكبرى بسعادة غامرة لأنها أبرز المستفيدين من وجودي، بينما قابلتني الابنة الوسطى بفتور تحول فيما بعد إلى رضا عميق لاستئثارها بجهاز الكمبيوتر الكبير والذي يقبع في زاوية غرفة الأولاد منذ سنوات، في حين لم يترك دخولي إلى المنزل أي علامات واضحة على الفتى الأصغر الذي كان منشغلاً بـ «البلاي ستيشن» ولم يفطن إلى وجودي إلا متأخراً.

وهو حال الأم التي أطلقت تحذيرات متتالية عن ضرورة الاهتمام بالدراسة وعدم اللهو بـ «اللاب توب» مع إشارة واضحة تجاه الزوج فيها عتاب مفاده «كان حرياً أن ينتهوا من امتحاناتهم قبل شراء هذا الجهاز»، طبعاً الزوج رب الأسرة الذي دفع ثمني وحملني إلى المنزل كما يحمل مولوداً جديداً أطلق جملة تعليمات منها عدم العبث بالجهاز وعدم مسه بأيد متسخة وكذلك يجب إبقائي داخل حقيبتي الجلدية السوداء الأنيقة منعاً للغبار من التسلل إلى أحشائي.

رحلتي كانت ذهبية إذ كان الحصول على «لاب توب» يومها حدثاً سعيداً لأن اللاب توبات كانت باهظة الثمن ولم يكن متاحاً للجميع أن يتباهى بها كما هو الحال اليوم، حيث لاب توب لكل شخص كما هو حال الموبايل الآن، لكن خلال عصري الذهبي أصبحت فرداً من الأسرة وأخذت مكان التلفزيون، وبعض رفاقي من اللاب توبات حلوا مكان كلب الأسرة، كما بعض رفيقاتي من اللاب توبات الوردية والناعمة أخذت مكان القطة المنزلية المدللة وهو ما يفسر الخربشات الموجودة على السطح الخارجي حيث لعبت الغيرة دورها ونالت صديقاتي نصيبهن.

غير أن مرحلتي الأشد حضوراً عندما كنت أذهب إلى السرير مع أحد الزوجين، حيث كنت أبقى في الأحضان حتى ساعة متأخرة من الليل أو حتى تنفد بطاريتي، ولن أنسى تلك الليلة التي اتخذ فيها الزوج قراراً صعباً عندما صرخت الزوجة قائلة: «يا أنا يا لاب توبك في هالغرفة»، كان خياراً صعباً له، فرماني على كرسي مجاور، وراح يسترضي أم العيال، ومذاك اليوم لم أعرف دفئاً لا عند الزوج ولا الأولاد، لقد كان ممنوعاً ان أذهب إلى السرير مع أحد ولطالما رنت عبارات الزوجة في أذني وهي تصرخ بالفتى الذي يندس في فراش أبويه «كل واحد إلى سريره»، وأنا سريري كان على الطاولة.

وبدأت أدرك أن سنوات عسلي شارفت على الانتهاء وخاصة عندما جاء لاب توبان حديثان إلى البيت فتراجعت مكانتي وقل قدري وعلاّني الغبار فوق إحدى خزائن المطبخ ودب العطب إلى بعض مفاتيحي، ناهيك عن لوني الذي أصبح باهتاً مع التقدم في العمر، حتى جاءتني رصاصة الرحمة من الزوجة التي قالت لزوجها عندما كانت ترتب خزائن المطبخ «أعطي هذا اللاب توب القديم للناطور».

عندها تأبطني الزوج ونزل إلى الغرفة الصغيرة ودسني بين أيدي الناطور «خذ يا برعي ده عشانك».

لم أعد لاب توب لقد أصبحت جهاز برعي.

hussain@albayan.ae