محمد يونس، أستاذ جامعي في الاقتصاد، من مواليد بنغلاديش عام 1940. عُرف في العالم كله بصفة «مصرفي الفقراء»، وذلك بعد أن قدّم لملايين الفقراء في بلاده قروضا «متواضعة» جدا قد لا تتجاوز عشرات الدولارات ودون أي «ضمان». الغالبية العظمى من زبائن البنك، ولكن أيضا من مالكات أسهمه ومسيّرات أموره هنا من النساء الفقيرات.
حصل محمد يونس على جائزة نوبل للسلام في العام 2006، وهو صاحب العديد من الدراسات ومن أهمها كتاب: مصرفي الفقراء.
هذا الكتاب الجديد يحمل في الواقع مشروعا جديدا لصاحب فكرة بنك الفقراء وبالتأسيس عليها، ولا يهدف إلى أقل من إقامة عالم لا فقر فيه. وذلك عبر تبنّي طراز جديد هو الآخر للرأسمالية المنتصرة في عالم اليوم، يُطلق عليه تسمية الرأسمالية الاجتماعية.
ينطلق محمد يونس من بعض الملاحظات العيانية للواقع القائم في عالم اليوم. إنها تؤكد كلها على مسألة واحدة هي أن الرأسمالية قد انتصرت على جميع المنظومات الأخرى وأثبتت أنها الأكثر فاعلية. هذا ما يشهد عليه التقدم المادي الهائل الذي حققته الرأسمالية الحديثة.
النمو الاقتصادي العالمي يحقق منذ سنوات معدلات سنوية كبيرة لم يشهدها منذ سنوات الثلاثينات المجيدة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. والشركات متعددة الجنسيات تزدهر وتتطور وتزيد من أرباحها.
لكن مثل هذا الواقع لا يصب في فائدة الجميع. هذا ما تدل عليه بوضوح الأرقام المقدّمة التي تبيّن أن 96 بالمئة من الدخل العالمي تعود فائدتها إلى 40 بالمئة فقط من سكان العالم بينما يعيش نصف سكان المعمورة بما يقل عن دولارين في اليوم، أي بمستوى أدنى من عتبة الفقر.
في مواجهة هذه الحقائق الواضحة والبسيطة يقترح مؤلف هذا الكتاب الشروع بخلق مؤسسات من نوع جديد يطلق عليها تسمية «الأعمال التجارية ـ البزنس ـ الاجتماعية». ومثل هذه المؤسسات تقوم على أساس قاعدة بسيطة هي الاكتفاء بـ «هامش ربح قليل» بدلا من تطبيق القواعد الرأسمالية التقليدية المتمثلة في تحقيق الحد الأقصى الممكن من الربح مع توفير أقصى ما يمكن منه للمساهمين الكبار. مثل هذه المؤسسات «ذات البعد الاجتماعي» يجدها المؤلف كرديف «لا بد منه» لعمل الحكومات والمنظمات غير الحكومية، وليس بديلا لهذا العمل.
ويذكّر محمد يونس في هذا السياق بتجربته مع بنك الفقراء التي بدأت في مطلع سنوات السبعينات المنصرمة عند عودته من الولايات المتحدة الأميركية إلى بنغلاديش التي كانت قد نالت استقلالها قبل فترة وجيزة من الزمن. معروف أن هذه البلاد هي من بين الأكثر فقرا في العالم، وقد عرفت بالإضافة إلى ذلك مجاعة شديدة في العام 1974.
حاول عندها أن يقدم يد العون لأهالي القرية المجاورة حيث «استقرضت» 42 أسرة مبلغا إجماليا ب27 دولارا لكل منها. لم يكن سداد هذه المبالغ الزهيدة يسيرا فأخذ هو نفسه بتسديدها تدريجيا ثم طلب من البنك الذي تتعامل معه جامعته منح الأسر المعنية قروضا لكنه رفض.
أراد عندها، كما يقول، ان يثبت لهذا البنك خطأه، واستطاع بعد جهود مضنية وتجاوز عقبات إدارية لا حصر لها أن يحصل على الموافقة بإنشاء «بنك القرية» الذي يصفه أنه اليوم البنك الوحيد في العالم الذي قام من أجل مساعدة النساء وتشرف على عمله نساء باعتبار أن ملكيته تعود لهن. هذا مع الإشارة إلى أن «حق الملكية» لا يحظى في بلد مثل بنغلاديش باعتراف واضح.
أما اختياره للنساء فيشرحه بالقول إنه لاحظ بداية أن النظام المصرفي لم يكن يرفض الفقراء فقط وإنما كان يرفض التعامل عامة مع النساء، وحتى لو كن ميسورات، إلى هذه الدرجة أو تلك. لم تكن نسبة النساء بين زبائن البنوك تصل آنذاك في بنغلاديش إلى 1 بالمئة.
كان محمد يونس قد طالب منذ إنشاء «بنك القرية» أن يكون نصف المقترضين من النساء. هؤلاء ترددن في البداية، ولكن مع انخراطهن التدريجي بالعملية لوحظ أن قرض المال للنساء كان مفيدا جدا للأسر. فبرزت عندها فكرة إذا كانت النساء يستخدمن الأموال المقترضة بشكل أفضل من الرجال فلماذا لا يتم قصر الاقتراض عليهن؟
الفكرة التي يتم عرضها في هذا السياق تقول إنه عندما تقترض الأم تتحسن أحوال الأطفال حالا. ذلك أن المرأة تريد بـ «طبيعتها» أن تبني شيئا ما على المدى الطويل، بينما أن الرجال يميلون بـ «طبيعتهم» أيضا إلى تلبية متطلبات اللحظة الحاضر إذ أنهم «أكثر أنانية».
ويؤكد محمد يونس على القول إن فكرة الرأسمالية الاجتماعية القائمة على المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي، لا تعني أبدا نوعا من الإحسان. وإنما يشرح في هدف بحثه عن عالم بلا فقر، كما جاء في عنوان الكتاب، أن الأمر يتعلق بـ «مؤسسات». وهو يحدد فئتين من البزنس الاجتماعي.
في الفئة الأولى تكون الشركة، أو المؤسسة، ملكا لفقراء بحيث تكسب المال وتدفع مرابح الأسهم. أما الفئة الثانية فتتصرف المؤسسة في إطار تحقيق هدف اجتماعي وتقبل عدم تلقي مرابح الأسهم. وفي الحالتين يتعلق الأمر بمشروع اجتماعي دون خسائر ولكن دون مكاسب يتم تكديسها.
ويصف «بنك القرية» الذي أنشأه منذ 30 سنة أنه عبارة عن مؤسسة تحقق مردودية وتعود ملكيتها لفقراء. الزبائن هم أيضا أصحاب الأسهم، إنهم يقترضون وإنما يودعون أيضا بحيث إنه عندما تتجاوز قيمة المبالغ المودعة حدّا ما يقترح عليهم البنك شراء أسهم بسعر 5,1 دولار للسهم بحيث يتم توزيع مرابح الأسهم عليهم. وكانت أرباح البنك قد بلغت عام 2006 مبلغ 20 مليون دولار جرى توزيعها كاملة على المساهمين. أما قيمة القروض السنوية التي يقدمها البنك في بنغلاديش فإنها تصل إلى حوالي مليار دولار.
ويصل عدد المقترضين من البنك إلى 5,7 ملايين مقترض 97 بالمئة منهم من النساء وحيث يصل معدل القرض إلى حوالي 150 دولارا، ولكن هناك قروض لا تتجاوز ال15 دولارا.
كما أن «بنك القرية» يقدم قروضا للطلبة فضلا عن المنح الدراسية التي يستفيد منها ما يزيد على 50 ألف طالب. الطلبة المعنيون هم من أبناء الفقراء الذين ما كان لهم أن يستطيعوا تمويل نفقات دراسة أبنائهم. وما يؤكده محمد يونس في هذا السياق هو أن الفقراء مدينون ممتازون ذلك أن نسبة تسديد القروض تصل إلى 99 بالمئة.
وإذا كان صاحب مشروع «بنك القرية» يؤكد في شروحاته الخاصة بمشروع عالم لا فقر فيه على أن مستقبل الرأسمالية قد يكون في اهتمامها بالمسائل الاجتماعية، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب، فإنه يؤكد بالمقابل على أنه من المطلوب الذهاب أبعد من مبادرات بنوك الفقراء التي، ورغم أهميتها، لا تقدم إجابات عامة وشاملة.
المطلوب هو ولوج عالم البزنس الاجتماعي والتقدم في ميادين حاسمة لمستقبل البشرية مثل الصحة والتربية والنقل والتكنولوجيات الجديدة. وتتم الإشارة هنا إلى أنه لا بد من الانتقال من تعليم النظريات الجميلة إلى الأفعال المجدية والعمل المستمر من أجل تطويرها. وهكذا هناك اليوم 26 مؤسسة قد جرى تطويرها انطلاقا من «بنك القرية» في بنغلاديش.
ومن بينها مؤخرا شركة غرامن تلكوم التي تحظى بنسبة 63 بالمئة من سوق الهاتف النقال في بنغلاديش اليوم، وهي شركة «نسائية» بالكامل. البنك يقدم القروض للنساء اللواتي «يستثمرن» المال في شراء هاتف نقال يقمن بـ «تأجيره» لأهل القرية.
ومن الميادين التي يؤكد المؤلف على أهمية الاستثمار بها هناك ميدان الصحة الذي يرى أنه ينبغي لمفهوم «البزنس الاجتماعي» أن يطرق أبوابه. ذلك أن بلدان العالم، خاصة في المناطق الأكثر فقرا والأقل اهتماما بتطبيق القواعد الصحية، تعاني من كم كبير من الأوبئة التي توصّلت العلوم الطبية إلى إيجاد لقاحات ضدها. ولكن ليس هناك من ينتج هذه اللقاحات اليوم. هذه الأوبئة والأمراض يطلقون عليها غالبا تسمية أمراض الفقراء مثل الكوليرا والتيفوس والسل.
وبالتالي لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه من قبل مختبرات صناعات الأدوية ذات الإمكانيات المادية الهائلة. وما يتم التأكيد عليه في هذا السياق هو أنه ليس المطلوب من الجهات المعنية الإنتاج بـ «خسارة» وإنما الإنتاج مع الاكتفاء بهامش ربح ضئيل بحيث يكون سعر اللقاحات منخفضا ويستطيع الفقراء المعنيون دفعه. وفي المحصلة يمكن لتكدس الأرباح القليلة أن يحقق مرابح كبيرة.
المبالغ المطلوبة تبقى متواضعة قياسا بالهدف المنشود تحقيقه، فمبلغ 35 مليون دولار فقط يكفي لبناء مختبر لتصنيع لقاح يقضي على مرض الكوليرا في العالم كله. وهناك مشاريع بزنس اجتماعي كثيرة في ميدان الصحة وغيرها حيث يمكن استرداد المبالغ التي يتم استثمارها، بل مع تحقيق بعض الأرباح.
تقديم المساعدة والإحسان أمر جيد لكن للمال المبذول أجله في هذه الحالة. أما الأموال المقدّمة في البزنس الاجتماعي فهي قابلة للتدوير. هذه هي النتيجة التي يحاول محمد يونس تقديم البراهين عليها... لكنها أيضا الرسالة التي يريد أن يوجهها للعالم.
*الكتاب:من أجل عالم لا فقر فيه «البزنس» الاجتماعي... ومستقبل الرأسمالية
*الناشر:بوبليك افير ـ نيويورك 2008
*الصفحات:296 صفحة من القطع المتوسط
Creating a world without poverty : social business and the future of capitalism
Muhammad Yunus, Karl Weber
Public Affairs- New York 2008
P.296
