مؤلف هذا الكتاب هو نائب رئيس القسم الاقتصادي في صحيفة «لوموند» الباريسية. معروف عنه أنه أخصائي بالمشاكل النقدية وبالأسواق المالية.

«الخمسة مليارات في مهب الريح» التي تشكل موضوع هذا الكتاب هي تلك التي خسرها بنك «سوسييتي جنرال» الفرنسي قبل حوالي شهرين في مضاربات البورصة، أو «فضيحة سوسييتي جنرال»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.القصة أولا: بتاريخ 20 يناير 2008، في بداية فترة بعد الظهر، كانت «مأساة» تنسج خيوطها في ذلك البناء العالي الموجود في منطقة «ديفانس» غرب باريس، والذي يضم مقر الإدارة العامة لبنك «سوسييتي جنرال». في ذلك اليوم اكتشف مدراء «ثالث» بنك في فرنسا أن أحد «المضاربين» الشباب المعتمدين فيه قد «راهن» دون معرفتهم في أسواق البورصة الأوروبية بمبلغ 50 مليار يورو.راهن ذلك الموظّف واسمه «جيروم كيرفييل» على ارتفاع مؤشرات البورصة التي لم ترتفع وإنما عرفت هبوطا كبيرا ليجد البنك نفسه فجأة أمام «خطر الإفلاس».

فلم يتردد مديره «دانييل بوتون» في طلب النجدة من حاكم مصرف فرنسا المركزي. لقد اتخذ الرجلان قرارا لا سابق له في حوليات العمل المصرفي وهو التكتّم على المسألة وعدم إخطار الحكومة ولا قصر الاليزيه خشية انتشار الخبر. ذلك أن انتشاره كان يحمل مخاطر شيوع حالة من «الهلع» لدى المتعاملين مع البنك وإثارة أزمة في المنظومة المالية العالمية.

وبأقصى درجة من السرية لمدة 72 ساعة تمّت الإشارة إلى «المواقف المخبأة للمضارب الشاب بحيث خسر بنك سوسييتي جنرال مبلغ 9,4 مليارات يورو في إطار ما شكّل أكبر فضيحة في تاريخ الأسواق المالية العالمية. لقد نشرت صحف العالم كله صور المضارب الشاب جيروم كيرفييل مرفوقة بالسؤال: لماذا فعل ذلك؟

هذا الكتاب هو بالتحديد محاولة للإجابة على هذا السؤال.يعود المؤلف إلى يوم 24 يناير 2008، عندما أعلن بنك سوسييتي جنرال في بيان له وزعته وكالات الأنباء أن البنك كان «ضحية عملية تزوير قيمتها 9,4 مليارات يورو في عمليات بالأسواق المالية». وكانت النتيجة الفورية هي تعليق التعاملات الخاصة بالبنك في البورصة.

كانت أكبر فضيحة في التاريخ المالي. وقد كانت هي الأكبر من حيث الكميّة، إذ أن المبلغ (9,4 مليارات يورو) يعادل ثلاثة أضعاف «الفضيحة» التي كانت قد حققت «الرقم القياسي» السابق على يد الياباني «يازوو هاماناكا». ويعادل ستة أضعاف الخسارة التي تسبب بها الانجليزي نايكي ليسون، الذي كان وراء إفلاس بنك «بارينغز» البريطاني قبل اثنتي عشرة سنة، وكان بنكا مشهورا ضمّ أحد حسابات ملكة بريطانيا.

وكانت فضيحة يناير الماضي في البنك الفرنسي هي الأكبر أيضاً من حيث الصدى الإعلامي الذي عرفته. إذ نشرت صحف العالم وعرضت شاشات التلفزة صور «جيروم كيرفييل». بل كان يكفي في بعد ظهر يوم 24 يناير 2008 أن البحث في «غوغل» عن اسم «جيروم كيرفييل» للحصول على ما يزيد عن مئة إجابة «انترنت».

ووصلت الإجابات إلى 30000 بعد 24 ساعة وإلى 000 600 بعد أسبوع ثم إلى 000 370 2 يوم 9 فبراير التالي. كذلك يشير مؤلف الكتاب إلى أن بطاقة التعريف ب»الشاب» عبر موسوعة «ويكيبيديا» الإلكترونية قد جرت ترجمتها إلى 11 لغة من بينها اللغة الفيتنامية.

وتتم الإشارة إلى أن العديدين من الذين كانوا يعملون ك«مساعدين» للمضارب الشاب باسم البنك قد انهاروا وهم «يجهشون بالبكاء» عندما أدركوا فداحة الخسارة.

وفي فجر اكتشاف الفضيحة اكتشفت «خلية الأزمة» ما لم يكن قابلا للتصور. وقد تبيّن أن «كيرفييل» قد راهن حتى مبلغ 30 مليار يورو بينما كان السقف الأعلى المسموح المخاطرة فيه بالنسبة للمضاربين الثمانية معه في «المكتب» نفسه هو 125 مليون يورو. ويتم التأكيد هنا أن «مشترياته المخفية» بدأت منذ شهر مارس 2007، كان «بائعا» آنذاك وقد راهن على انخفاض الأسعار في البورصات الأوروبية. كان رهانا سيئا وقد بلغت خسائره في نهاية شهر يونيو 2007 مبلغ 2,2 مليار يورو. ولكن الاتجاه تغيّر بعد ذلك كي تصل أرباحه في نهاية عام 2007 إلى 4,1 مليار يورو.

جرى ذلك كله دون أن يلحظه أحد ذلك أن «جيروم كريفييل» قد حصل على تلك المرابح الهائلة عبر وسائل ممنوعة تماما. وقد «اخترع» صفقة خاسرة بالمبلغ نفسه. تتم الإشارة هنا إلى أن مبلغ 4,1 مليار يورو يعادل تقريبا نصف المداخيل السنوية لصالة الأسواق كلها. وعادلت أرباح «جيروم كيرفييل» وحده ما كسبه 1000 متاجر آخر بالأسهم من البنك.

وفي صباح الليلة التي جرى فيها اكتشاف «عملياته التجارية» لعام 2007 سأله رئيس القسم التجاري: «هل قمت بأية عمليات بالنسبة لعام 2008»؟ وكانت إجابته: «نعم، ولكن عمليات صغيرة لا قيمة لها». وعند الساعة الثانية عشرة ظهرا أظهرت «الحواسيب» قيمة تلك «العمليات الصغيرة».

فخلال عدة أيام فقط جرى اكتشاف أن «أوضاع الشراء والبيع» التي اعتمدها كانت تخص عقود بورصة أوروبية قيمتها 50 مليار يورو، أي 20 ملياراً زيادة عن «عملياته» لعام 2007، ولكن بخسارة هذه المرة. ويوم الجمعة 18 يناير، عند إغلاق البورصات الأوروبية كانت العمليات التي «التزم بها» تشير إلى خسارة 7,2 مليار يورو.

أمام ضخامة «الفضيحة» اتخذ رئيس بنك «سوسييتي جنرال» قراره ب«التخلص من ذلك الالتزام» بأسرع وقت ممكن، أي اعتبارا من صباح يوم الاثنين التالي، بعد عطلة نهاية الأسبوع.

لم يتردد حاكم مصرف فرنسا المركزي من «التنصّل» من أية مسؤولية في اتخاذ ذلك القرار وصرّح قوله «ذلك هو قرار رئيس بنك سوسييتي جنرال وليس قرارا جرى اتخاذه بالتنسيق». هذا ما رد عليه رئيس البنك بالقول: «لا يحق لبنك كبير أن يمتلك وضعا بهذا القدر الكبير من الاتساع في البورصات. لذلك علينا أن نبيع ونتخلّص من هذا الموضوع مع احترام شروط السوق، أي عدم تجاور نسبة 10% من حجم العمليات».

لقد عُهد بعملية «البيع» لخبير مجرّب واحد مشهود له بالتدخل عندما تتعلق المسائل بمبالغ ضخمة. وقد قام بعمله «الصعب» بسرية كاملة خلال ثلاثة أيام كاملة حسب شروط السوق الصعبة وللوضع الصعب الذي تركه له «جيروم كيرفييه». لكن لم تستطع موهبته الكبيرة أن تغيّر أي شيء من الواقع، فالخسائر كانت كبيرة جدا.

أثناء اجتماع «مجلس الإدارة» المكرّس لدراسة نتائج عام 2007، أخطر رئيس البنك الأعضاء، أن «مشكلة كبيرة» قد استجدت، دون أي تحديد دقيق. لكن مع القول: «لا نعرف كيف ستتطور الأمور أمام هذا الوضع الذي انفرض علينا، فكل شيء يتعلق بأوضاع السوق».

لكن لسوء الحظ، كانت الخطّة التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في الغد من أجل «نهوض الاقتصاد الأميركي» مخيبة للآمال فتراخت البورصات الآسيوية لتتبعها بعد ذلك البورصات الأوروبية. لكن لم يتراجع بنك سوسييتي جنرال عن قرار «البيع» الذي كان قد جرى اتخاذه مع العلم أن «ثمن سوف يكون باهظا جدا».

ويتم التأكيد في هذا السياق أنه خلال ثلاثة أيام كاملة بقيت السلطات العليا للدولة مستبعدة، عن عمد وبشكل كامل، عن أحد أكبر الكوارث في التاريخ المالي الفرنسي. ولم يكن أحد يعلم في قصر الاليزيه أو في رئاسة الحكومة ولا حتى في وزارة المالية الفرنسية بما كان يجري في مقر بنك سوسييتي جنرال. كان ذلك بدافع عدم شيوع الخبر إذ كانت «مجرد إشاعة» حول المتاعب الكبرى التي يواجهها آنذاك بنك كبير كالبنك المعني قد تثير «هزة أرضية مالية» حقيقية وأزمة على الصعيد العالمي. كان لا بد إذن من تجنب مثل ذلك «السيناريو».

أثار ذلك «التهميش» حفيظة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عندما عرف بالأمر، واعتبر أن ذلك ينم عن «نقص الثقة». وبدا أن رأس رئيس البنك «مطلوبا». لكنه لا يزال في منصبه ويرى مؤلف الكتاب أن «المصرفيين» الاثنين اللذين اتخذا قرار «الصمت»، أي رئيس البنك وحاكم المصرف المركزي الفرنسي، من أجل الحد من «مخاطر انتشار الخبر» وصول إلى عدم إطلاع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.

ومن أهم الدروس التي يخرج بها المؤلف من هذه الفضيحة المالية الكبرى هو الضعف الذي تعاني منه منظومات الرقابة البنكية.

*الكتاب:خمسة مليارات يورو في مهب الريح

*الناشر: سويل ـ باريس 2008

*الصفحات: 206 صفحات من القطع المتوسط

Cinq milliards en fumée

Pierre Antoine Delhommais

Seuil - Paris 2008

P.206