يقضي المربي والعالم والمفكر السوري الدكتور فاخر عاقل الحائز على وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة أيامَه الأخيرة في «دار السعادة للمسنين» بحلب، يتواصل مع العالم الخارجي من خلال الراديو والتلفزيون والإنترنت، وبين الحين والآخر يزوره بعض الأصدقاء القدامى والتلاميذ والإعلاميين الذين يأتون ليجروا معه حوارات مطولة للصحف والمجلات.
يجيد العربية والإنجليزية والفرنسية وله سبعة وعشرون كتاباً من تأليفه، منها قاموسان لعلم النفس، أحدهما للطلبة والآخر للمتخصصين، وثلاثة كتب مترجمة.
ولد فاخر عاقل سنة 1918 في قرية جبلية صغيرة تدعى «كفرتخاريم» من الأقضية الغربية لولاية حلب (محافظة إدلب حالياً)، وهي نفس القرية التي انطلقت منها ثورة الشمال السوري بقيادة إبراهيم هنانو سنة 1920، وكان أبوه فقيراً يعمل بصفة مدير للمال في أقضية حلب.
وأسرة «عاقل» هي أسرة علم وثقافة، فمنها الدكتور نبيه عاقل أستاذ التاريخ المتميز، والدكتور محمد عادل العاقل العالم الاقتصادي مؤسس كلية العلوم الاقتصادية بجامعة حلب سنة 1971 وواضع مناهجها.
تلقى فاخر عاقل دراسته المتوسطة والثانوية بين عامي 1932 و1936 في تجهيز حلب التي عرفت فيما بعد باسم «ثانوية المأمون»، وهو يورد في الكتاب ذكريات عن هذه المدرسة وأستاذه الفاضل بدر الدين النعساني.
حصل على البكالوريوس والماجستير باختصاص علم النفس من الجامعة الأميركية في بيروت، وأما الدكتوراه فقد حصل عليها من الكلية الجامعية بلندن.
عمل رئيساً لقسم علم النفس في جامعة دمشق، وخبيراً لمنظمة اليونسكو لمدة ثماني سنوات، ودرَّس في الجامعة الأردنية وجامعة الكويت.
كبرى أولاده «هدى» تعمل أستاذة في جامعة ميتشيغان بأميركا، يليها «بشر» الطبيب المتخصص بالأمراض الصدرية والإيدز ويعمل في أميركا أيضاً، والثالثة «ميادة» أستاذة في جامعة جورج تاون ومستشارة أولى لمدير الصحة النفسية في أميركا. وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور فاخر لم يلب دعوة أولاده للإقامة معهم في أميركا، فهو ممن يعشقون سوريا، ولا يريد أن يموت خارجها.
يهدي فاخر عاقل كتابه «ما وراء علم النفس» إلى والديه اللذين ربياه وأعطياه. والإهداء بحد ذاته يرينا إيلاءه للمسألة التربوية اهتماماً كبيراً، ويقسم الكتاب إلى قسمين، الأول يضم مقالات نظرية اقتبسها من علم النفس، والثاني مقالات تهم الإنسان العربي المعاصر ويسميها «تحصيل حاصل».
ويتحدث في هذا الكتاب عن الحب، بوصفه موضوعاً نفسياً فلسفياً، ويشير إلى تجارب أجريت على غرائز الحيوانات يستطيع من يقرؤها أن يتوصل إلى فكرة منطقية مفادها أن حب الأم لولدها، مثلاً، أقوى من غريزة الجنس «الليبيدو» التي تحدث عنها فرويد. ويؤكد، من جهة أخرى، أن «فرويد» لم يكن أولَ مَن قال بالغريزة الجنسية، وليس أول من شرح مفهوم اللاشعور، بل سبقه إلى ذلك أستاذه «شاركو».
ويفرد بحثاً خاصاً للعقل والإرادة، ويستغرب أن يفصل البعض بينهما وكأنهما قوتان مستقلتان عن بعضهما، ويشير إلى أن الجملة العصبية للإنسان بالغة التعقيد، وهي أكثر تطوراً من الكمبيوتر نفسه، والإنسان حينما يتعلم النطق يكون أذكى الكائنات قاطبة. والمثال على ذلك أن عالماً أميركياً وزوجته ولد لهما صبي في لحظة ولادة القردة، وقد راقبا القرد الصغير المجايل للصبي فوجداه يتطور بسرعة تسبق سرعة تطور الصبي، ولكن الصبي بمجرد ما تعلم النطق تفوق على القرد تفوقاً كبيراً.
ويضم الكتاب أبحاثاً عن قوة الشخصية، ومستوى الطموح، والذاكرة، وحب العمل، والفروق بين الرجل والمرأة، والزواج السعيد، والأسرة بوصفها الخلية الأولى للمجتمع، وعليها تقوم حضارات الشعوب..
وحينما يتطرق إلى الأحلام يشرح العلاقة بين الشعور واللاشعور، وإن كان «ابن سيرين» الذي أخذ تفسيره للأحلام عن اليونانيين يقول ان الأحلام عبارة عن إشارات تدل على وقائع، بمعنى أن رؤية الذهب في المنام تعني كذا، ورؤية الثعبان تعني كذا.. فإن تفسير «ابن سيرين» هذا خاطئ، والصحيح أن أماً لديها ولد غائب قد ترى في المنام ساعي البريد يوصل إليها رسالة منه. هذه الأم نفسها لها أحلام تخيب وأحلام تصيب، والخائبة أكثر، وظاهرة التخاطر لا تصيب دائماً مهما كان الشخصان موضوع التجربة متحابان أو متعاشقان.
وثمة فصل عن التخلف، والوراثة، وهنا يرينا «عاقل» كيف تنقلب المفاهيم الخاطئة لعلم الوراثة في البيئة الشعبية إلى قناعات متخلفة، كقناعة الرجل الشرقي بأن سبب ولادة المرأة للبنات هو المرأة نفسها، بينما القوانين التي اكتشفها القس النمساوي «مندل» في القرن التاسع عشر تؤكد على أن تحديد جنس الجنين يعود إلى مورثات الرجل، ولا علاقة للمرأة البتة بهذا الأمر، وأما مورثات الذكاء فيأخذها الوليد عن الأب والأم كليهما. ومن الإحصائيات الطريفة في هذا المجال أن نصف سكان الكرة الأرضية متوسطي الذكاء، والربع أذكياء والربع أغبياء.
*الكتاب: ما وراء علم النفس
*الناشر:وزارة الثقافة
دمشق 2007
*الصفحات: 112 صفحة من القطع المتوسط
خطيب بدلة
