هذا الكتاب هو المجلد السادس من سلسلة الأعمال الكاملة للمؤرخ العربي الدكتور عبد العزيز الدوري التي يقدمها مركز دراسات الوحدة العربية في طبعتها الأولى الصادرة عنه.
وكان المجلد الأول صدر يونيو 2005 بعنوان «مقدمة في تاريخ صدر الإسلام» وأعقبه «نشأة علم التاريخ عند العرب» ثم «العصر العباسي الأول» ثم «دراسات في العصور العباسية المتأخرة» وأخيراً «مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي».
وفي المجلد الذي نقدمه في هذه السطور حول «النظم الإسلامية» يعرض الدكتور الدوري في ثلاثة فصول النظم السياسية والمالية والإدارية بدءا بمرحلة الرسالة فالعصر الراشدي ثم الأموي وانتهاءً بالعصور العباسية.
وحسبما يشير المؤلف فإن شخصية الأمة تظهر في النظم التي تسير عليها، وتتكشف حيويتها ومقدرتها على البقاء والنمو بتطور أنظمتها خلال تاريخها، فالنظم والمؤسسات المختلفة تبين لنا الحلول التي وضعتها الأمة لتدبير شؤونها ولمجابهة أزماتها وحاجاتها كما أنها تكشف لنا عن جوهر الأمة وعبقريتها.
وفي معرض التأكيد على أهمية موضوعه يشير الدوري إلى أن دراسة النظم الإسلامية تتيح فهم العناصر الخفية والتيارات المهمة التي أثرت في المجتمع الإسلامي، فالبحث في الأنواع المختلفة لهذه النظم، حكومية أو شعبية، اقتصادية أو اجتماعية، أو سياسية أو ثقافية يكشف لنا سر كثير من الحركات والتطورات الاجتماعية والفكرية.
وفي مجال الإشارة إلى أمثلة توضح ما يقول يشير الدوري إلى حقيقة صعوبة فهم نشوء الفرق الإسلامية دون معرفة لمشكلة الخلافة وما ترتب عليها من اختلاف في الرأي؟ وكذا صعوبة إدراك السر في مواقف الموالي وفي كثير من الحركات الاجتماعية التي اصطبغت بصبغة دينية إن لم نفهم السياسة المالية ونظم الضرائب التي سار عليها المسلمون؟
ويشير المؤلف إلى أنه إذا أمعنا النظر في النظم الإسلامية رأينا أنها لم تنشأ كلها بعد ظهور الإسلام ولم تنضج في وقت قصير، بل ترجع أصول البعض منها إلى الأنظمة التي كانت سائدة في الشرق الأدنى قبل الإسلام، فالنظم العربية الجاهلية ولاسيما تقاليد المشيخة وبعض التقاليد الاجتماعية بشكلها الأصلي أو بعد أن أصلحت وهذبت كانت من منابع النظم الإسلامية الأولى.
ولما امتدت فتوحات العرب شرقا وغربا استفادوا من النظم الساسانية والبيزنطية في الشؤون الإدارية والمالية خاصة كما أفادوا من التراث الثقافي عامة. وقد تضافرت المبادئ الإسلامية والعبقرية العربية على تهذيب هذه الأصول وطبعها بطابع إسلامي وأحدث المسلمون بدايات أنظمة جديدة وفق حاجاتها مثل مؤسسة الخلافة والقضاء.
وبمرور الزمن وبتأثير الحاجات الجديدة والتطور الحضري والفكري نمت تلك النواة وتوسعت وتشعبت واتخذت أشكالا واضحة جديدة كما ظهرت مؤسسات جديدة بتأثير الأوضاع الجديدة كالمؤسسات الصيرفية والمالية مما لم يسبق له نظير. في إطار استعراضه للنظم السياسية يتطرق المؤلف إلى ثلاث قضايا هي أصول هذه النظم ونظام الخلافة وتطوره ونظريات الخلافة.
ويشير في هذا الصدد إلى أنه حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أوجد مبادئ أنظمة جديدة وتعرض لبعض الأنظمة الجاهلية بالتعديل أو التبديل بينما ترك القسم الآخر على حاله، ثم فتح العرب بلادا جديدة فاستفادوا مما كان فيها من الأنظمة وبمرور الزمن وبتأثير الحاجة والتجارب والتطور خلال القرون الثلاثة الأولى نمت تلك النواة وتوسعت وتشعبت وتكونت أنظمة اتخذت أشكالا معينة نطلق عليها النظم الإسلامية. ويتطرق في هذا السياق للتقاليد العربية والساسانية والبيزنطية ثم دور الرسالة.
وأما بالنسبة لنظام الخلافة فيذكر أن الخلافة مؤسسة سياسية نمت نموا طبيعيا في الظروف التي وجدت فيها ولا بد لفهمها من دراسة نشوئها وتطورها في مختلف أدوار التاريخ الإسلامية ولها جانب نظري يتمثل في نظريات الفقهاء التي وضعت بعد تأسيس الدولة الإسلامية وبعد تطور نظام الخلافة.
وهذه النظريات كانت متأثرة بالواقع حينا ومجانبة له أحيانا ويمكن عدها دستورا لنظام الخلافة ولتقديم صورة متكاملة يقدم لنا تفاصيل مؤسسة الخلافة خلال عصر الخلفاء الراشدين والعصر الأموي والعصر العباسي الأول وفي فترة النفوذ التركي ثم في الدور البويهي.
من هذه النقطة ينتقل المؤلف إلى الحديث عن نظريات الخلافة حيث رجع الفقهاء إلى الحديث والقرآن لوضع أسس نظرياتها في الخلافة وقد فتشوا عن ذكر لمؤسسة الخلافة في القرآن ولكن دون جدوى وقد كان المصدر المهم لإثبات نظرية الخلافة وشرحها هو الحديث. وقد ظهرت في هذا الإطار نظريات لأهل السنة والخوارج والإمامية.
ويذكر الدكتور الدوري أن تكوين النظرية السنية ذاتها ووضع تفاصيلها العملية كان أمرا تدريجيا له صلة قوية بالمناقشات المذهبية والفقهية في القرون الثلاثة الأولى. ويوضح أنه في ضوء تطورات معينة يتعرض لها بالتفصيل أن نظرية أهل السنة السياسية في الخلافة عند نضجها لم تكن مجرد نظرية مستقاة من الحديث والقرآن ـ بالمقابلة مع الخوارج والشيعة ـ وإنما تستند إلى تفسير هذه المصادر على هدى التطورات السياسية المتأخرة وتتمسك بمبدأ عصمة الإجماع (لاتجتمع أمتي على ضلال) وهكذا ترك كل جيل تقريبا أثره في النظرية السياسية إذ تتكون سوابق جديدة فتتماشى النظرية السياسية معها.
ثم يعرض تفاصيل آراء الخوارج في الخلافة مشيراً إلى أنهم يطلبون من الإمام خضوعا تاما لله واتباعاً دقيقاً لأوامر الشرع ومتى خالف تستطيع الأمة خلعه وهم متفقون على وجوب الخروج على الإمام الجائر.
ويشير المؤلف إلى ملاحظة أن الخوارج بدأوا فرقة سياسية أساسها موضوع الخلافة ثم وضعوا لهم أبحاثا فقهية بصورة تدريجية منذ أواسط الحكم الأموي محاولين قبل كل شيء الحكم على من خالفهم في المبدأ والعقيدة، إلا أن البساطة بقيت غالبة على نظريتهم الفقهية، مشيراً إلى أنهم لم تكن لهم وحدة عسكرية أو سياسية ولم يكونوا مبادئ موحدة.
أما الإمامية فهي حسب المؤلف «علم على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي وساقها إلى الرضا علي بن موسى».
ومعنى هذا قصر الإمامة على الإثنى عشر أو الجعفرية. وللأئمة مزايا خاصة في السمو لا تكون إلا لهم وأهم هذه المزايا العصمة العلم وهم هداة البشر وركن الشريعة. ثم يستعرض المؤلف في قسم تال للنظم المالية من خلال عدة زوايا من بينها تدابير الرسول، والتنظيمات المالية للخليفة عمر بن الخطاب، ونظام الضرائب في العصر الأموي، وفي العصر العباسي الأول.
فيما يتعلق بتدابير الرسول «ص» يشير المؤلف إلى أنه في ضوء آية الجزية وعدم ذكر القرآن شيئا عن الخراج، فقد اتبع الرسول سياسة هي مجموعة تدابير عملية تتصف بالمرونة وبمراعاة مقتضى الحال فقد راعى طريقة خضوع البلاد له بالقوة أو بالصلح، وراعى أهلها عربا أو غير عرب، ولاحظ حالتهم المعاشية أكانت لهم أراض أم لا وفي ضوء ذلك وضع تدابيره.
وعن التنظيمات المالية في عهد عمر بن الخطاب يشير إلى أنه استفاد في تنظيم الضرائب في البلاد المفتوحة من روح الإسلام وتنظيمات الرسول وأبي بكر من جهة ومن الأوضاع التي كانت سائدة في البلاد المفتوحة.
كما أنه اجتهد برأيه واستشار الصحابة فنتج عن ذلك هيكل التنظيمات المالية الأولى الإسلامية. وقد تغيرت هذه التنظيمات إلى حد ما في العصر الأموي، فقد تبدل الوضع بإسلام قسم من أهل الذمة ومعنى ذلك أن يتم إعفاؤهم من الجزية والخراج التي كانت عماد الخزانة المركزية في عهد عمر.
كما كان هناك ازدياد حاجة الدولة إلى المال في العصر الأموي للسيطرة على الوضع الداخلي وللإنفاق على حاجات البلاد في مجتمع حضري متطور في الشام ولتوسع الماكينة الإدارية وزيادة نفقاتها. كما كانت الظروف تقضي بتعديل نظام عمر من خلال تدابير مؤقتة أو بهيئة إعادة نظر أساسية كما فعل عمر بن عبد العزيز ومن حذا حذوه كنصر بن سيار كما كان هناك عامل جديد في السياسة وهو اهتمام الأمويين بالعرف سواء أكان عربيا أم محليا في سياستهم إذ إنهم شجعوا التقاليد العربية وأحيوا العرف المحلي في كثير من الأحيان.
غير أنه لما نقل مركز الخلافة إلى العراق زاد اهتمام الخلفاء به ولاسيما في قسمه الجنوبي المعروف بالسواد، فأحيوا نظام الري القديم ونظموه وكروا الترع وحفروا قنوات جديدة ولاسيما في منطقة بغداد. ويشير إلى أن الجزء الأكبر من الخراج كان يؤخذ من أراضي السواد ولذلك اهتم العباسيون بجبايته وتنظيمه، وبان اهتمامه به لأول مرة في خراسان.
ومع اضطراب الدولة العباسية في عصورها المتأخرة نلاحظ زيادة في الضريبة المعتادة حتى يتجاوز الخراج نصف الحاصل أحيانا وانتشار نظام الضمان بما فيه من مساوئ واستبداد أصحاب الإقطاع وجباية الخراج قبل نضج الزرع.
وأخيرا يستعرض المؤلف النظم الإدارية وتتمثل بشكل أساسي في الدواوين والوزارة. ويشير إلى أن الدواوين ظهرت كبقية المؤسسات نتيجة حاجة العرب إلى التنظيم العسكري والإداري والمالي وقد بدأت بسيطة ومحدودة ثم نمت وتعددت وتفرعت حسب تطور الضرورات والأحوال. وهنا يشير إلى ديوان عمر بن الخطاب والذي تجمع المصادر على أنه أول من دون الدواوين من العرب في الإسلام.
وقد كان السبب المباشر لإنشاء الديوان الأول كثرة الأموال الواردة من البلاد المفتوحة ورغبة الخليفة الثاني في تنظيم توزيعها. ثم جاء الأمويون فاتخذوا من دمشق عاصمة لهم فتوسعت الأعمال تدريجيا وتعددت الحاجات بتطور الأحوال فأدى هذا إلى أن تتطور الدواوين وتتعدد لتناسب الحاجة التي تتطلبها الدولة، فكانت دواوين الخراج والجند والخاتم والرسائل والبريد والنفقات.. إلخ.
أما العباسيون فقد ورثوا هذا التراث فطوروه حسب ظروفهم وزادوا في المركزية ولاسيما بعد إحداث منصب الوزارة وأحدثوا دواوين جديدة ووسعوا سلطة الوزير لتشمل الإشراف على جميع الدواوين.
ثم يعرض لنا الدكتور الدوري لنشأة الوزارة وتطورها حيث لم تظهر الوزارة في حيز العمل في الإسلام إلا في العصر العباسي، أما قبل ذلك فلم يكن المنصب موجودا مع معرفة العرب بوجوده عند الساسانيين.
وقد رسخت الوزارة أسسها واتسعت سلطاتها حتى صارت عامة على الدواوين كافة ومع وجود هذه السلطة الواسعة كان الخليفة يستطيع سحبها متى أراد هو دون تردد أو حذر. وكان الوزراء كتابا بالدرجة الأولى بثقافتهم ومؤهلاتهم، مبينا أن الدسائس والسعايات قامت بدور مهم في عزل بعض الوزراء وتعيينهم.
وقد سار نظام الوزارة نحو الرسوخ في عصر الرشيد ويعود ذلك لثقته بالبرامكة ولنشاطهم. وإذا كانت الوزارة قد مرت بتجربة قاسية خلال العصر العباسي الأول، فإنها بعد ذلك كانت جنب الخلافة في الغالب واستمرت تنمو وتتبلور إلى حد أنه يسترعى الانتباه خلال هذا العصر تقديم الوزير على القواد وخضوعهم له.
*الكتاب: النظم الإسلامية
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2008
*الصفحات: 223 صفحة من القطع الكبير
ألفت عبد الله
