ديف كوبلاند، مؤلف هذا الكتاب، هو صحافي تحقيقات نشر العديد من المقالات في الصحف الأميركية مثل «وول ستريت جورنال» و«بوسطن كومون» إلى جانب العشرات من الصحف والدوريات الأخرى. يعيش في بلدة قريبة من بوسطن في ولاية ماساشوسيتس الأميركية. هذا هو كتابه الأول بعد حصوله على دبلوم مؤسسة «غوشير» عام 2006.
هذا الكتاب «دم ومجلّد مكتوب، داخل المافيا الإسرائيلية بنيويورك» هو عبارة عن «تحقيق صحافي» طويل من حوالي 300 صفحة، داخل آلة الجريمة المنظمة الإسرائيلية في مدينة نيويورك خلال سنوات الثمانينات المنصرمة. والعنوان يدل بوضوح على المضمون.
لم تكن أعداد المافيوزيين الإسرائيليين كبيرة، بل يشير المؤلف أنهم لم يكونوا أكثر من حوالي عشرين شخصا، ولكن هذا لا يمنع واقع أنهم كانوا يمتلكون عشرات الملايين من الدولارات. ويركز المؤلف على دراسة ثلاث شخصيات كانوا على رأس تلك الآلة المافيوزية القوية وهم جوني اتياس، وران افراييم ورون غونين الذين مارسوا خلال سنوات الثمانينات كل أنواع التجارة والضغط والابتزاز والتصفيات الجسدية. هؤلاء الثلاثة يحملون الجنسية الإسرائيلية.
إن مؤلف هذا الكتاب يركز كثيرا على شخصية «رون غونين»، الذي تظهر صورته على الغلاف الأول للكتاب بنظارتيه السوداويين «على الطريقة المافيوزية» ورأسه الحليقة على طريقة الممثل الشهير «يول براينر». بكل الأحوال يقدمه المؤلف على أنه «تاجر كوكايين ناجح».
ويشرح المؤلف أنه اتصل أولا برون غونين عبر الانترنت، عندما كان هذا الصحافي البالغ من العمر 34 سنة بصدد البحث عن موضوع لأطروحته لنهاية الدراسة الجامعية. يقول: «كنت أقرأ كل يوم المئات من الإعلانات بحثا عن موضوع للكتابة».
وهكذا وجد إعلانا يقول: «زوجي يعيش تحت ظل برنامج حماية الشهود، ونحن نبحث عن من يستطيع سرد حكايتنا». والبرنامج المذكور يعني أن الشخص يخضع لحماية أجهزة الشرطة. وكان غونين في تلك الحالة منذ عام 1991 حيث بدأ العمل في قطاع بيع الأبنية في مكان «سرّي».
ويتم التأكيد في هذا الكتاب أن المافيا الإسرائيلية قد وصلت في نهاية عقد الثمانينات الماضي إلى أوج قوتها. وكانت تضم شبكة عنيفة وشرسة «من تجّار المخدرات الذين استطاعوا السيطرة على «أسواق» نيويورك في التجارات الممنوعة.
وكانت تلك الأسواق في مطلع ذلك العقد تحت سيطرة المافيات الإيطالية المعروفة باسم «كوزا نوسترا». لكن استطاعت المافيات الإسرائيلية التي تعود أصولها إلى عصابة من المجرمين الذين مارسوا في الأصل نشاطاتهم بمنطقة قريبة من تل أبيب، قبل أن يهاجروا إلى الولايات المتحدة.
ويشرح كوبلاند أن الظروف قد ساعدت هؤلاء المافيوزيين القادمين من إسرائيل في قرض سيطرتهم على تجارة المخدرات في نيويورك. ذلك أن رودي غيلياني، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لبلدية نيويورك، كان يريد في عام 1980 انطلاقا من مكتب المدعي العام آنذاك وضع حد لنشاطات المافيات الإيطالية سعيا عن «تلميع صورته» لدى الرأي العام في منظور تطلعاته السياسية البعيدة.
يقول المؤلف: «في الوقت الذي جرى فيه تكتيف أيدي المافيات الإيطالية، قام أولئك القادمون من إسرائيل بملء الفراغ لمدة ست أو سبع سنوات. وربما كان بمقدورهم أن يكونوا حتى الآن هم الذين يسيطرون لولا جشعهم وانقسامهم ونزاعاتهم الداخلية».
إن هذا الكتاب يبدأ عمليا مع وصول هؤلاء المافيوزيين الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة وينتهي بوصف الفترة التي تشرذمت فيها المافيا الإسرائيلية في نيويورك. هكذا نفهم أن رون غونين، المولود في الاتحاد السوفييتي السابق، وإنما الذي هاجر مع أسرته منذ طفولته الأولى إلى إسرائيل حيث أمضى سنوات طفولته وشبابه. وقد وصل إلى نيويورك في عام 1981 حيث حقق (نجاحات) سريعة وانخرط في صفوف المافيا الإسرائيلية.
ويقول مؤلف هذا الكتاب أن كل المعلومات التي حصل عليها من غونين كان ذلك بواسطة الهاتف، وأنه حرص على التأكد من صحتها من خلال ملفات الادعاء العام وأجهزة الشرطة والقضاء. ويفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي «اف ـ بي ـ آي» لم يكن «مرتاحا» للأحاديث بين «غونين» وبينه.
هكذا جرى طرد «غونين» من إطار برنامج حماية الشهود الذي كان يستفيد منه حيث غدا احتمال ترحيله واردا.
وتدل المعلومات المقدّمة في الكتاب أن غونين كان قد جرى اعتقاله في شهر سبتمبر من عام 1989 بتهمة تجارة المخدرات والمشاركة في نشاطات المافيا الإسرائيلية، لكنه «تفاهم» مع المدعين العامين الاتحاديين على عدم تهجيره وأدلى بمعلومات دفعت بالعديد ممن كانوا يعملون معه في إطار النشاطات المافيوزية إلى السجن، أو أنه دفعهم كي يقومون هم أنفسهم بـ «تفاهمات» خاصة بهم.
عندما وصل «رون غونين» إلى نيويورك انخرط سريعا في تجارة الكوكايين وعاش بداية مع زوجته في شقة واسعة فيها ثلاث حجرات للنوم ومرآب لسيارتين. كان جيرانه، كما يقول المؤلف، يعتقدون أنه يذهب كل صباح إلى حي الصاغة اليهود في مانهاتن حيث يبيعون الجواهر والماس.
لكنه كان يذهب في الحقيقة إلى بناية في أحد أحياء نيويورك القديمة كان يستخدمها كـ (مقر) لتجارة الكوكايين القادم من كولومبيا إلى «زبائن» في نيويورك وأوروبا وإسرائيل. وكان يتعاون في ذلك مع المافيا الإسرائيلية ومجموعة من المجرمين في تل ابيب. كان الجميع يبحثون عن السيطرة على سوق المخدرات في نيويورك التي كان «الهيروين» القادم عبر الاتحاد السوفييتي، انطلاقا من أفغانستان خاصة، قد بدأ «يغزوها».
وتدل المعلومات المقدّمة أن جوني ـ يهودا ـ اتياس والمافيوزيين الإسرائيليين الذين كانوا قد استوردوا كميات كبيرة من الهيروين من امستردام إلى نيويورك خلال عامي 1978 ـ1989. وكذلك مارسوا العديد من أشكال التجارات الممنوعة الأخرى والسطو على أسواق الذهب. ويروي كوبلاند أن غونين قد اتصل بعد وصوله بفترة وجيزة إلى نيويورك وشروعه سريعا بتجارة الكوكايين، بشريكه في إسرائيل ران افراييم لتبدأ بعد فترة قصيرة دورة النشاط «المافيوزي» العابر للقارات عبر شركة من العملاء.
وكان افراييم هذا قد بدأ بالتوازي مع «نشاطه» مع غونين بالتعامل أيضا مع «شريك قديم» له كان قد قدم إلى نيويورك من باريس، وهو رجل عصابات إسرائيلي اسمه جوني اتياس، وكانت خطتهما هي إغراق السوق بالهيروين. وكان «افراييم» بمثابة صلة الوصل الدائمة بين غونين واتياس، حسبما تقول المعلومات المقدّمة في هذا الكتاب.
كذلك تدل المعلومات المقدّمة أن المافيا الإسرائيلية في نيويورك دخلت في أواخر سنوات الثمانينات في صراعات فيما بين رؤوسها الثلاثة غونين وافراييم واتياس. وكان هذان الأخيران قد «هددا» الأول، حسب روايته المنقولة عنه، أن يفتح لهما سوق نيويورك ويعطيهما «زبائنه» ثم «يخرج» أو أن يتعاون معهما بالطريقة التي يحددانها.
ويتم التأكيد أيضا أن رجال الشرطة الأميركيين المختصين بمكافحة تجارة المخدرات وغيرها من التجارات الممنوعة قاموا، بعد قبول غونين بالتعاون معهم، بوضع أجهزة تنصّت «سريّة» في منزله حيث استمعوا لمدة شهور طويلة على محادثاته مع أولئك الذين كانت له صلات بهم.
وفي المحصلة العامة يؤكد المؤلف أن المافيا الإسرائيلية التي سيطرت على أسواق الكوكايين والهيروين في نيويورك طيلة سنوات الثمانينات المنصرمة، تفككت على خلفية صراعاتها الداخلية ومقتل قادتها، على غرار أفراييم الذي اغتيل في تصفية حسابات بين المافيا الإسرائيلية في تل أبيب، أو سجنهم أو هربهم. وكانت والدة غونين نفسها قد تعرّضت لتهديدات المافيا وغادرت إسرائيل إلى نيويورك حيث تعيش باسم مستعار.
وكتاب عن صفحة من تاريخ المافيا الإسرائيلية التي لم تكن العصابة المافيوزية الإسرائيلية التي سيطرت على سوق المخدرات في نيويورك خلال عقد الثمانينات الماضي سوى إحدى امتداداتها الخارجية، وكتاب يكشف عن الكثير من الأسرار حول آليات عمل هذه المافيا التي تفوقت في عنفها على أعتى المافيات «العريقة».
*الكتاب:دم ومجلّد مكتوب
*الناشر:باريكادا بوكس نيويورك2007
*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط
Blood and volume : inside New York's Israeli mafia
Barricada Books- N.Y. 2007
P.288
