قام بتأليف هذا الكتاب كل من الباحثين آلان باوير وروجيه داشيز. والأول هو رئيس الماسونية الفرنسية، وأما الثاني فهو رئيس المعهد الماسوني لفرنسا. وبالتالي فكلا الرجلين يمثلان قمة الفكر الماسوني المعاصر. فما هي الماسونية يا ترى؟ ومن هم الماسونيون؟ عن هذا السؤال يجيب المؤلفان قائلين: إنها حركة فكرية أو فلسفية ذات أبعاد كونية. ولكنها محاطة بهالة من الأسرار والمجاهل والخرافات والإشاعات المرعبة أحيانا. ولكي نبدد هذه الإشاعات الخاطئة أو المغرضة قمنا بتأليف هذا الكتاب.

في الواقع إن المؤلفين يحاولان تلخيص الحركة الماسونية كلها بمائة كلمة، بمعنى أنهما يشرحانها من خلال التوقف عند مائة شخصية أو مفهوم له علاقة بالماسونية. وسوف نفاجأ بأسماء كثيرة ما كنا نعتقد أنها ماسونية. من بين الكلمات أو المفاهيم التي يتوقف عندها المؤلفان كلمة التنوير. فما هي العلاقة يا ترى بين فلسفة التنوير والماسونية؟ وهل الماسونية جزء من حركة التنوير أو مصدر لها أم نتيجة من نتائجها؟ عن هذه الأسئلة يجيب مؤلفا الكتاب قائلين: من الناحية الزمنية نلاحظ أن الحركة الماسونية سبقت التنوير إلى الظهور بفترة قصيرة. فالواقع أن الماسونية ظهرت في النصف الثاني من القرن السابع عشر. هذا في حين أن التنوير ظهر في القرن الثامن عشر. ويمكن القول إن الحركة الماسونية تندرج داخل تلك الحركة الفكرية الشاملة التي دعاها بول هازار بأزمة الوعي الأوروبي (1680 ـ 1715). وهذه الأزمة أدت إلى اندلاع حركة فكرية تجديدية واسعة شملت كل مناحي الفكر من علم ودين وفلسفة وأدب، الخ.

وقد كانت الانعكاسات الاجتماعية والسياسية لهذه الحركة التجديدية ضخمة جدا. وهي التي فتحت الباب واسعا أمام ظهور التنوير الفلسفي بالمعنى الحرفي للكلمة. ثم يردف المؤلفان قائلين: ولكن القرن الثامن عشر الذي شهد ازدهار التنوير هو أيضاً العصر الذهبي للحركة الماسونية. وهذا الأمر ينطبق على فرنسا بالدرجة الأولى.

ومعلوم أن الماسونية وجدت فيها مرتعا خصبا، بل وبلورت الشعارات الخاصة بالإخاء والمساواة والتسامح. وهي ذات الشعارات التي سترفعها الثورة الفرنسية لاحقا. ينتج عن ذلك أن الماسونية كانت ذات حساسية فكرية قريبة جدا من التنوير.بل وأثبت بعض الباحثين مؤخرا أن الماسونية كانت متأثرة بتيار التنوير الراديكالي الذي تزعمه الفيلسوف سبينوزا، وهو تيار كان يعتبر متطرفا جدا في وقته أو قل سابقا لأوانه بكثير، وذلك لأنه كان يتبنى مواقف فلسفية راديكالية فيما يخص الدين والسياسة.

ولكن الماسونية لم تكن قد أصبحت آنذاك جماعة منظمة ولا حزبا إيديولوجيا متماسكا كما سيحصل لاحقا. صحيح أن بعض كبار المفكرين التنويريين ظهروا في الحلقات الماسونية نضرب كمثل على ذلك الفيلسوف الشهير مونتسكيو صاحب كتاب روح القوانين، والفيلسوف كوندورسيه الذي نظّر للحداثة التربوية والسياسية، وسواهما.

ولكن بعض كبار مفكري التنوير رفضوا الانتساب إلى الحركة الماسونية. نضرب كمثل على ذلك ديدرو، وجان جاك روسو وفولتير. يضاف إلى ذلك أن أكبر منظّر للرجعية في ذلك الزمان وأكبر عدو للتنوير، جوزيف دوميستر، كان ماسونيا.

وبالتالي فالماسونية حركة معقدة تجمع بين المتناقضات، فقد تجد فيها بعض قادة الثورة الفرنسية، وقد نجد بعض كبار الأرستقراطيين الذين أطاحت بهم هذه الثورة بالذات. وقد تجد فيها أولئك الذين استخدموا المقصلة لقطع رؤوس قادة النظام السابق. وقد تجد فيها بعض الرؤوس المقطوعة من قبل هذه المقصلة بالذات.

ومن أشهر الشخصيات الماسونية يذكر الكتاب أسماء الجنرال لافاييت الذي يوجد مخزن كبير باسمه الآن وسط العاصمة الفرنسية خلف دار الاوبرا الشهيرة. كما ويذكر اسم المفكر والزعيم الأميركي بنيامين فرانكلين، أو جول فيري رئيس وزراء فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر، الخ.

ومعلوم أن فرانكلين الذي ولد عام 1706 ومات عام 1790 كان أحد الآباء المؤسسين للجمهورية الأميركية. كما وكان أحد أقدم الماسونيين في الولايات المتحدة. وقد انتسب إلى هذه الحركة عام 1734. ومعلوم أنه أقام في فرنسا لفترة طويلة وتعرف على كبار فلاسفة التنوير والشخصيات اللبرالية.

وأما جول فيري الذي ولد عام 1832 فقد كان أحد قادة الحزب الجمهوري في فرنسا، وهو الحزب المؤيد للثورة الفرنسية والمضاد للنظام الملكي الإقطاعي الأرستقراطي القديم. وقد انتسب إلى الماسونية عام 1875 وهو في الثالثة والأربعين من عمره.

ثم أصبح جول فيري وزيرا للتربية الوطنية عام 1879 ـ 1880 وكذلك عام 1982، وأصبح رئيسا للوزراء عام 1880 ـ 1881. وفي تلك الفترة فرض على فرنسا كلها المدرسة العلمانية الابتدائية المجانية الإلزامية. وبالتالي فهو مؤسس المدرسة الحديثة بكل ما للكلمة من معنى.

ولكن الحزب الكاثوليكي تصدى له وحاول بكل الوسائل عرقلة مشاريعه. ويقال إنه مات اختناقا بسبب كل هذه العراقيل والمضايقات التي لا تنتهي إلا لكي تبدأ من جديد. ولكن كفاه فخرا أنه ترك اسمه في التاريخ كأحد بناة فرنسا الحديثة.

ثم يضيف المؤلفان قائلين: ومن أشهر مصطلحات الماسونية المصطلح التالي: المهندس الأكبر للكون، وهم يدلون بذلك على الله، وبالتالي فالماسونية لا تعني الإلحاد بالضرورة كما يتوهم بعضهم. والواقع أن أي شخص يريد الانتساب إلى الماسونية ينبغي أن يقسم اليمين أمام الله ويده على الإنجيل. وبالتالي فالماسونية مع الإيمان ولكن إيمان الفلاسفة لا إيمان عامة الشعب.

ويمكن القول بأن تصور الماسونيين للدين ناتج مباشرة عن كتابات فولتير وفلاسفة التنوير الآخرين. فهم يعتبرون أنه لا مصنوع من دون صانع وأن الله هو مهندس الكون وخالقه. ولا ينبغي أن ننسى أن الماسونية ظهرت وتطورت في أرض مسيحية وبخاصة في بريطانيا والعالم الانغلوساكسوني.

وهو عالم مؤمن بالدين عموما وإن كان يقبل بالملاحدة أو غير المؤمنين ويعاملهم كمواطنين لهم كافة الحقوق وعليهم كافة الواجبات. ولكن الماسونية في فرنسا خاضت حربا ضروسا ضد الكنيسة الكاثوليكية ورجال الدين المسيحيين. ولهذا السبب فإن البابا حرّمها وكفّرها واتهمها بالإلحاد والمروق من الدين. كما ودعا أتباعه إلى عدم اعتناقها أو الاقتراب منها بأي شكل.

وقد تواصلت الحرب بين الطرفين على مدار القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين تقريبا. ومعلوم أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تقف في معسكر الحزب الملكي القديم المضاد للجمهورية الفرنسية العلمانية والتحديثية. وبالتالي فالصراع بين الفاتيكان والماسونية لم يكن فقط عقائديا وإنما كان سياسيا أيضا. فالماسونية وقفت إلى جانب التقدم والتطور واتهمت الفاتيكان بالرجعية والجمود الفكري بل ومحاربة روح العصور الحديثة.

ثم يختتم المؤلفان كتابهما بالقول: لقد لعبت الحركة الماسونية دورا ثوريا لا يستهان به طيلة القرن التاسع عشر. ووقفت إلى جانب قوى التقدم عموما. وكانت من ألد أعداء الأصولية المسيحية والتعصب الديني الأعمى.

ولكنها فيما بعد تحولت إلى قوة محافظة وذات امتيازات. يضاف إلى ذلك أن طابعها السري جعل الناس ينفرون منها ويخافون. فهذه السرية كانت تحيطها بهالة من الوساوس والهواجس والشكوك. ولذلك فإن صورة الماسونية تشوهت كثيرا في أنظار الناس. نقول ذلك وخاصة أن الفساد المالي وغير المالي وصل إلى بعض قادتها الكبار.

*الكتاب:الماسونية الفرنسية في مئة كلمة فقط

*الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية ـ باريس 2008

*الصفحات: 126 صفحة من القطع المتوسط

Les 100 mots de la franc - maçonnerie

Presses Universitaires de 8002 siraP-ecnarF

621.p