مؤلفة هذا الكتاب أختصاصية فيما يسمّى ب«اقتصاد الجريمة». وهي تعمل أستاذة في جامعة باريس الثامنة. وهذا هو كتابها الأول. قدّم القانون الجنائي الايطالي تعريفا للمافيا في عام 1982 ، وليس قبل هذا التاريخ ، على أنها «جماعة من نمط مافيوزي تضم أولئك الذين يحققون مصالحهم عبر القوة وسيادة قانون السر ».
كتاب عن مجتمعات الجريمة، يصدره المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي ، وهو متميز بقدر كبير من الجديّة والعلمية في معالجته» دور المافيات في عالم اليوم». وتحديدا فيما يتجاوز كثيرا الجريمة العادية. المافيات، كما يتم وصفها في هذا الكتاب تشكل دولا داخل الدول..وهي « تتعولم» في عصر العولمة. كما أصبح لها دور في السياسة والاقتصاد.إنه كتاب تقدّم فيه مؤلفته صورة للمافيات في آخر حالة وصلت إليها، ونشاطات مجموعاتها المختلفة من المافيات الايطالية «العريقة» حتى المافيات الروسية مرورا بالمافيات الصينية واليابانية. وفي كل الحالات يتم التأكيد أنه ليس بمقدور أي إنسان اتخاذ قرار أن يصبح مافيوزيا ، فالمافيا هي التي تختار المافيوزيين. مؤلفة هذا الكتاب تقول منذ السطور الأولى أنه ينبغي الذهاب إلى أبعد من كل التعريفات القانونية « إلى الجهة الأخرى من المرآة ». إنها تدرس في هذا الكتاب « مجتمعات الجريمة» في خمسة أقسام. يحمل القسم الأول عنوان « المافيات من الكلمة إلى الأسطورة».
وتتعرّض في القسم الثاني لما تسميه « تاريخ موجز للمافيات». أمّا القسم الثالث فهو مكرّس لدراسة «أدوار المافيا المتعددة». ويحمل القسم الرابع عنوان « المافيا والتطور الاقتصادي والاجتماعي ». أمّا القسم الخامس والأخير فعنوانه: « المافيا والمافيات : من أجل استخدام مناسب لتعبير المافيا خارج إيطاليا».
تختلف الآراء حول المصدر الحقيقي لكلمة مافيا، لكن يتم اعتبارها غالبا أنها تعود إلى جزيرة صقلية وتحديدا إلى نهايات القرن التاسع عشر وحيث ان المعنى الأصلي للكلمة هو «الجمال». هكذا كان يقال للفتاة الجميلة انه «مافيا».
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن بعض الباحثين في ميدان أصول الكلمات قٌالوا ان كلمة مافيا غريبة عن جزيرة صقلية. وبالتالي أعادوها إلى اللغة العربية على أساس أن صقلية بقيت حتى حوالي النصف الثاني من القرن الحادي عشر عربية. لكن المؤلفة تستبعد مثل هذه الفرضية على أساس أن الكلمة ظهرت في أواخر الفرن التاسع عشر ، أي بعد نهاية الوجود العربي بفترة طويلة.
بكل الحالات لا يستخدم المافيوزيون أبدا كلمة مافيا إلاّ نادرا لا في صقلية ولا في الولايات المتحدة الأميركية. الكلمة المستخدمة بالأحرى هي « كوزا نوسترا» أي الشيء الذي يخصّنا. وهذا يرمي إلى الدلالة على أن الأمر يتعلّق بمصلحة عامة للمجموعة ومشاعر يتقاسمها القائلون بها.
إلى جانب « كوزا نوسترا» شاعت أيضا تسميات مثل « كامورا» و«ندرانغيتا». المدعوتين قانونيا في القانون الجنائي الايطالي بـ « جماعات من نمط مافيوزي». هذه التسميات كلها تشير إلى المنبت الجغرافي والانتماء إلى هذه المدينة الايطالية أو تلك.هكذا تدل الـ «كامورا» مثلا إلى مافيات مدينة نابولي.
وترى مؤلفة هذا الكتاب أن المصدر الأول لقوة المافيا يكمن في الغموض الذي يحيط بها. لكن هذا لا يمنع واقع أن الجميع يرون بها جماعة إجرامية وبالتالي ترتبط مع قيم سلبية جدا لدى الرأي العام. ومع ذلك لا يتم النظر إليها على أنّها مثل العصابات الاجرامية العادية ، بل على العكس تحيط بها « هالة ما» على أساس تمسكها بمفاهيم احترام روابط الدم. وهذا ما تعبر عنه المؤلفة بالقول انها أحاطت نفسها بعدد من الأساطير التبريرية.
وتفتح المؤلفة قوسين في هذا السياق كي تشير إلى الدور الذي لعبته السينما في خدمة المافيا. وذلك عبر العديد من الأفلام التي أنتجتها هوليوود عن المافيا وعن العالم المافيوزي. ولعلّ من أشهر الأفلام في هذا الإطار فيلم « العرّاب» الذي حقق شهرة عالمية كبيرة. وكان هذا الفيلم قد عرف نجاحا هائلا في إيطاليا في مطلع عقد السبعينات الماضي وحيث كانت إيراداته في صقلية وحدها خلال فترة 1972 ـ 1973 حوالي 212 مليون ليرة إيطالية.
وتشير المؤلفة ، بالاعتماد على بعض الكتابات التي يعود بعضها إلى عام 2006 أن زعماء المافيات تشبّهوا بنجوم السينما وصولا إلى تقليد مشيتهم ولباسهم ونظّاراتهم السوداء ، وأن رؤساء الكامورا في نابولي حرصوا على أن يتقمّصوا شخصيات الأفلام وأن يعيشوا على طريقتهم.
وما يتم التأكيد عليه أيضا هو أن النشاطات المافيوزية قد ارتبطت إلى حد كبير بما يسمّى «إجرام الأغنياء». وذلك بمعنى ارتباطها بثروات مالية ونشاطات اقتصادية متعددة ومتشعبة. هذا على الرغم من أن الاقتصاد المافيوزي يبقى مرادفا للاستبعاد من الدائرة العامة ومن الاعتراف الاجتماعي به.
ومن الأمور الجديدة التي تركز عليها المؤلفة هناك ما تسميه «البعد الأسطوري» والذي ساهم في صياغة آلية تشكل المافيات وسمح في قدرتها على المحافظة على جوهرها على مدى أجيال كاملة. وبمعنى ما، لا تملك المافيا رأسمال فعلي فحسب وإنما تملك رأس مال رمزي أيضا.
وتقود المؤلفة قارئها خلال فصول هذا الكتاب في رحلة للتعرّف على المراحل التاريخية لتشكل المافيات. وهذه المراحل تتداخل بالنسبة للتاريخ الايطالي مع تاريخ الأمة الايطالية نفسه. هذا التداخل يبدو بوضوح أكثر أيضا بين المافيا والدولة. وكانت المافيا الايطالية قد تعرّضت للاضطهاد الكبير في عهد فاشية موسوليني.
وتعتبر المؤلفة أن أحد الأدوار الأساسية للمافيات ، بالقياس إلى مجموعات الجريمة المنظمة الأخرى ، يكمن في أنها تلعب في أحيان كثيرة دور الوسيط ، بل وأحيانا دور «الحامي» مما لا يجعلها على هامش المجتمع المدني وإنما في قلب نشاطاته.
مع ذلك ، ورغم أن المافيوزيين يقيمون عادة علاقات قوية مع النخب المحلية ورجال السياسة في المناطق التي يتواجدون فيها ، فهم يُصنّفون في عداد «المجرمين» الذين يمارسون نشاطات غير مشروعة والتي ليس أقلها تجارة المخدرات وغيرها من التجارات الممنوعة.
وتشرح المؤلفة في هذا السياق على مدى فصل كامل مساهمة المافيات أيضا في العديد من النشاطات الاقتصادية المشروعة مما يزيد من سيطرتها في «منطقتها». وتشير المؤلفة إلى أن المافيات مدّت نشاطاتها كي تصل إلى ميادين حساسة مثل مجال معالجة النفايات النووية.
ومن الميزات الأساسية لهذا الكتاب هو أنه يدرس أهم المجموعات المافيوزية من الأكثر قدما والأكثر شهرة ، مثل تلك التي نشأت في صقلية ثم نقلت نشاطاتها إلى الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص وحتى الأكثر حداثة مثل المافيات الروسية واليابانية والصينية. هذه المافيات الأخيرة قد لا تكون حديثة التكوين بالمعنى الزمني لكنها أخذت أبعادا كبيرة في العقدين الأخيرين خاصة.
تجدر الإشارة في النهاية إلى ان المؤلفة تتحدث كثيرا في تحليلاتها عن الدور الذي لعبه القاضي الايطالي جيوفاني فالكون الذي اغتالته المافيات في جزيرة صقلية. ولا تتردد المؤلفة في القول ان التحدي المافيوزي موجّه ضد المجموعة الدولية كلّها وتتطلب مسألة الرد عليه إذن تعاونا كاملا ومخلصا من قبل جميع أجهزة الشرطة المختصّة في العالم أجمع. كما تتطلب تعاونا قضائيا على نفس المستوى ،هذا إلى جانب تعزيز سلطات وإمكانيات أجهزة على غرار «الأنتربول» ، كما تؤكّد المؤلفة في خاتمة كتابها.
*الكتاب:مجتمعات الجريمة - جولة حول عالم المافيات
*الناشر:المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي ـ باريس 2008
*الصفحات : 429 صفحة من القطع الكبير
Un tour du monde des mafias
CNRS Edition - Paris 2008
P429

