ساهم في تأليف هذا الكتاب الجماعي الضخم عشرات الباحثين من مختلف الاختصاصات. وأشرف عليه الباحث الأميركي اليكس ستيفن المختص بشؤون التنمية وعلم المستقبليات. وقدم له نائب الرئيس الأميركي السابق الحائز على جائزة نوبل: آل غور.

يقول هذا الأخير في مستهل الكتاب: إن هذا المجلد الكبير يتحدث عن التحديات الكبرى لزمننا المعاصر. فنحن نواجه أزمة مناخية لا سابق لها. والسبب هو أن البشرية خربت علاقتها من الكون والطبيعة لأسباب شتى من بينها الصناعة المتزايدة وبث الغازات السامة في الهواء. وما لم ننتبه إلى الأمر فإننا سوف نختنق.

والواقع أن هذه الغازات أدت إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بشكل مقلق.

وعلى الرغم من كل التقدم العلمي الذي تحقق في القرن العشرين إلا أننا لا نزال نستهلك الطاقة والمحروقات التقليدية أكثر فأكثر من أجل تحريك وسائل النقل. وهذه المحروقات هي التي تبث غازاتها في الهواء وتؤدي إلى سخونة الجو وتلوثه. وكان علينا أن نستخدم الطاقة الكهربائية على حساب البنزين ومشتقات البترول لأنه لا تؤدي إلى التلوث.

ثم يردف آل غور قائلا: في موازاة ذلك لا يزال حوالي المليار شخص غاطسين في حياة الفقر المدقع والجوع الذي لا يحتمل. وكل أملهم هو أن يحصلوا على فتات الفتات من الثروات الطائلة التي نتمتع بها نحن في الولايات المتحدة. وهناك ملايين الأطفال في آسيا وإفريقيا ممن يموتون من الأمراض البسيطة التي يمكن علاجها بسهولة لو توفر لهم الغذاء والدواء والطب والمعالجة الصحيحة.

وفي العالم كله نلاحظ أن العنف والفساد والإرهاب والقمع كلها أشياء تشكل للأسف حقيقة يومية لملايين البشر. كل هذه المشاكل تشكل تحديا خطيرا جدا بالنسبة للبشرية. إنها تجعلنا نقف على منعطف تاريخي كبير: فإما أن ننجو جميعا في هذا القارب الجميل الذي يدعى الكوكب الأرضي وإما أن نغرق جميعا.

والعالم بحاجة إلى قيادة أخلاقية عليا لكي ينجو من هذا الخطر الماحق. كما أنه بحاجة لأن يتحمل كل واحد منا مسؤوليته كاملة. وهذا الكلام موجه أولا إلى قادة العالم الكبار الذين يتخذون القرارات الحاسمة التي تؤثر على ملايين البشر.

ثم يختتم آل غور كلامه قائلا: نعم ينبغي أن نرتفع إلى مستوى هذا التحدي الكبير الذي يواجهنا حاليا بصفتنا سكانا للكرة الأرضية ومواطنين عالميين في آن معا. فصحة الكوكب الأرضي تعتمد على تصرفاتنا وأعمالنا وأخلاقياتنا.

وبما أننا نعرف أسباب هذا الخلل الخطير الذي أصاب كوكبنا الجميل فلماذا لا نعمل على إصلاحه؟ من المعلوم أن تشخيص المرض يسبق العلاج، ونحن شخصنا الوضع جيدا في هذا الكتاب ولم يبق علينا إلا أن نصف له الدواء الشافي ونطبقه فورا. ولكن لكي نتوصل إلى ذلك نحن بحاجة إلى رؤية جديدة للمستقبل. والكتاب المقدس يقول: حيث لا توجد رؤيا بعيدة المدى فإن الشعب مصيره الهلاك.

وهذا الكتاب الضخم يقدم لنا الرؤية اللازمة لإصلاح أوضاع العالم. إنه يقدم التشخيصات الدقيقة للأمراض التي يعاني منها كوكبنا الأرضي. كما ويصف لها الحلول الناجعة. ولهذا السبب فإنه من الضروري أن يطلع عليه أكبر قدر ممكن من البشر لكي يستنيروا بهديه ويصبحوا مدركين لخطورة الأمر.

أما المشرف العام على المشروع الباحث اليكس ستيفن فيقول بما معناه: هذا الكتاب يقدم لنا الأفكار الجديدة والمبتكرة لتغيير العالم نحو الأفضل. إن هذه الأفكار تدعونا لتغيير تصرفاتنا في حياتنا اليومية والقيام ببلورة فكر كوني لتحسين أوضاع البشرية. إنها تبين لنا مدى القدرة التي نمتلكها كأفراد لتغيير العالم، ومدى حاجتنا إلى بعضنا البعض، ولماذا أصبح الكوكب الأرضي في خطر، وكيف يمكن بناء مستقبل جديد.

ثم يضيف الباحث قائلاً: لا ريب في أنه من الصعب علينا أن نفكر بشكل كوني لأن الكون يبدو ضخما جدا بالنسبة لكل واحد منا. فعلى خارطة الكرة الأرضية تبدو المدن التي نعيش فيها مجرد نقاط صغيرة على مساحة هائلة لا تقاس. وعندما نحلّق بالطائرة فوق المحيط الباسيفيكي بسرعة قصوى لا نرى تحتنا إلا البحر المحيط.

ولكن الأشياء نادرا أن تبدو لنا على حقيقتها، فهناك المظاهر السطحية، وهناك الحقيقة . والحقيقة هي أن كوكبنا صغير أكثر مما نظن بل إنه يصغر ويتقلص أكثر فأكثر. نحن اليوم ستة مليارات من البشر على سطح هذا الكوكب الأرضي وربما أكثر قليلا، ونحن جميعا مسؤولون عن صحة كوكبنا الذي نعيش عليه. فإذا كانت تصرفاتنا مسؤولة، عقلانية، نجونا وإلا خسرنا الدنيا والآخرة.

لقد تزايد عدد سكان الكرة الأرضية كثيرا. فقبل خمسين سنة لم يكن عددنا نحن البشر أكثر من مليارين ونصف المليار والآن أصبحنا أكثر من ستة مليارات. وخلال الأربعين سنة القادمة سوف يتزايد عددنا لكي يصبح ثمانية مليارات على أقل تقدير. فمن سيطعم كل هذه المليارات الجديدة من البشر؟ إذا ما استمررنا في تخريب البيئة والطبيعة والمناخ فإنه لن يعود هناك شيء صحي لكي نأكله أو لكي تأكله الأجيال القادمة.

إن هذا التزايد الضخم في عدد السكان يتطلب منا أن نضيف كل أسبوع مدينة جديدة على سطح الأرض بحجم مدينة سياتل الأميركية. فتخيلوا الوضع. قلت كل أسبوع وليس كل شهر أو كل سنة. ولكن الشيء الأخطر من ذلك والذي أدى إلى الوضع المتفاقم الذي نعاني منه اليوم هو أننا نستهلك من الطاقة أكثر مما ننتج. هو أننا نستنفد طاقات الطبيعة بشكل مسرف وينذر بالخطر.

فالغابات تقتلع أشجارها والمياه نستهلكها بلا حساب، والبترول سوف ينفد عما قريب لأنه طاقة لا تعوض. وكل ذلك بسبب شرهنا إلى الحياة والاستهلاك بل حدود. فمتى سنتصرف كأناس مسؤولين يا ترى؟ بل وحتى المياه نسرف في استخدامها إلى درجة أن البشرية ستعاني قريبا من نقص المياه أو شحها. وهناك خطر في أن يتصحّر العالم أكثر فأكثر: أي أن يتحول إلى صحراء قاحلة. نعم لقد ابتدأت المياه تجف ولذلك وجب علينا أن ندق ناقوس الخطر وندعو كل شخص من مواطني العالم إلى عدم الإسراف في استهلاك المياه.

يضاف إلى ذلك خطر آخر. فنصف الكائنات الحية من حيوانات ونباتات قد تنقرض منذ الآن وحتى عام 2050 إذا لم ننتبه للأمر. وليس من مصلحة الإنسان أن تنقرض هذه الكائنات الضرورية لحياته ولتوازن الطبيعة. وفيما يخص الطاقة آن الأوان لكي نعتمد أكثر على الطاقة الشمسية بدلا من البترول. فالطاقة الشمسية لا يمكن استنفادها إذا ما أحسنا استخدامها جيدا.

أما البترول فهو طاقة قابلة للنفاد بل وسينفد بعد أربعين أو خمسين سنة. والبترول يلوث الجو بالضرورة عندما نحرقه أو نستخدمه. هذا في حين أن الطاقة الشمسية لا ينتج عنها أي تلويث. فلماذا لا نكثر من استخدامها؟ لا ريب في أننا ابتدأنا في الغرب بذلك وأصبحنا نرى السيارات الكهربائية في الشوارع أكثر فأكثر. وهذا شيء جيد، ولكنه ليس كافيا. ينبغي تعميم استخدام الكهرباء في وسائل النقل العامة لكي تشمل أكبر قدر ممكن منها.

وأخيرا يمكن القول بأن إنقاذ الكوكب الأرضي هو مسؤوليتنا جميعا. ولكن لا ريب في أن مسؤولية الدول الكبرى والغنية تظل هي الأكبر. وللأسف فإن الرئيس الأميركي بوش يرفض تطبيق اتفاقية كيوتو للحد من استخدام الطاقة البترولية أو الغازية في المصانع بحجة الدفاع الأناني عن الصناعة الأميركية. وهذا موقف لا مسؤول.

وقد أدانه معظم قادة العالم بمن فيهم قادة أوروبا وأميركا ذاتها. فالرئيس بيل كلينتون وقف ضده، وكذلك آل غور وآخرون عديدون. وبالتالي فقد آن الأوان للقوة العظمى الأولى في العالم أن تتقيد بالاتفاقيات الدولية الهادفة إلى الدفاع عن البيئة والكون ومصلحة البشرية. آن الأوان لكي تتحمل مسؤوليتها وتتخلى عن صلفها وأنانيتها.

*الكتاب:ينبغي علينا تغيير العالم - دليل المواطن العالمي في القرن الحادي والعشرين

*الناشر:مطبوعات مارتينير - باريس 2007

*الصفحات: 596 صفحة من القطع الكبير

Changer le monde, un guide pour le citoyen du XXIe siècle

Editions de la Martinière - Paris 2007

P.596