مؤلف هذا الكتاب هو الناقد والكاتب رولاند د. ساوير المختص بتاريخ الشعر عموما وأعمال والت وايتمان على وجه الخصوص. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة عن هذا الشاعر الأميركي الكبير ويقول بما معناه: ولد والت وايتمان عام 1819 في منطقة نيويورك ومات عام 1892 عن عمر يناهز الثالثة والسبعين، وهو يعتبر قمة الشعر الأميركي المعاصر. ويمكن القول بأن ديوانه «أوراق العشب» هو أفضل ما كتب.
والواقع أن حبه للطبيعة عائد إلى كونه قد ولد في مزرعة ريفية في منطقة لونغ ايلاند التابعة لإقليم نيويورك كما ذكرنا. وكان الثاني من تسعة أطفال كما هي العادة في العائلات الفلاحية التي تنجب كثيرا. ثم هاجرت عائلته إلى المدينة عام 1823 حيث دخل المدرسة لمدة ست سنوات فقط. بعدئذ اضطر للعمل أو التدريب على العمل في إحدى المطابع لمساعدة العائلة على كسب رزقها. وهكذا تحول والت وايتمان إلى شخص عصامي يعتمد على نفسه فقط من أجل تثقيف ذاته. وانخرط في قراءة الكلاسيكيين الكبار من أمثال: هوميروس، ودانتي، وشكسبير...
وبعد سنتين من التدرب على العمل ذهب وايتمان إلى نيويورك للاشتغال في مطبعات عديدة. ثم عاد عام 1835 إلى منطقته الأصلية بصفته معلما ابتدائيا. وقد واصل مهنة التعليم هناك حتى عام 1841. وبعدئذ عاد إلى نيويورك بصفته طابعا وصحافيا. وفي ذات الوقت راح يكتب المقالات العديدة في الصحافة للتعريف بنفسه وكسب رزقه أيضا.
ثم انخرط وايتمان في كتاية الروايات وبخاصة رواية البطل الطفل. وقد طبعت مرات ومرات منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. وحظيت بشعبية كبيرة لدى القراء الأميركيين. وفيها اكتشف الموضوع الذي سيظل أثيرا لديه طيلة حياته كلها: ألا وهو القدرة الكبيرة والعميقة للحب على إنقاذ الإنسان وخلاصه في هذا العالم. فمن دون حب لا معنى للحياة. والمقصود الحب بالمعنى الضيق والواسع للكلمة.
ثم انخرط في كتابة الشعر فجأة، وعندئذ اكتشف لأول مرة أنه شاعر قبل كل شيء. وقد ظهرت أول طبعة من مجموعته الشهيرة «أوراق العشب» عام 1855 وهو في السادسة والثلاثين. وهو العام الذي مات فيه والده. وفي ذلك الوقت كانت المجموعة مؤلفة من اثنتي عشرة قصيدة طويلة بلا عنوان.
ثم يردف المؤلف قائلا: والغريب العجيب أن هذا الديوان الرائع لم يثر آنذاك انتباه أي قارئ أو ناقد في أميركا. ولكن بعد سنة من ذلك التاريخ ظهرت طبعة جديدة من الديوان. وكانت مرفقة برسالة تهنئة من قبل الأديب والشاعر الكبير ايميرسون بظهور شعر أميركي محض: أي شعر متحرر من الهيمنة الأوروبية وبخاصة الانكليزية. والواقع أن أوراق العشب حققت له كل أمانيه. فهي أول ديوان شعر أميركي بالخالص. ولذلك حيّاه بقوة وحماسة.
وبعد الحرب الأهلية انخرط وايتمان في وزارة الداخلية ككاتب. ولكن بعد أن اكتشف الوزير أنه هو مؤلف الديوان الفضائحي «أوراق العشب» قرر صرفه من العمل فورا. وفي عام 1881، أي عندما أصبح وايتمان في الستين من عمره كان ديوانه أوراق العشب قد تضخم أكثر فأكثر بعد أضافة قصائد جديدة. وكان قد أصبح مشهورا فبيعت آلاف النسخ من ديوانه إن لم يكن عشرات الآلاف أو ربما أكثر. وعندئذ استطاع أن يشتري بيتا في منطقة نيو جيرسي بنيويورك.
هذا وقد مات والت وايتمان عام 1892 ودفن في القبر الذي كان قد أشرف هو شخصيا على بنائه وتحضيره. هذا عن مساره الحياتي أو عبوره في هذا العالم. والآن ماذا يمكن أن نقول عن أدبه وتأثيره على الشعر الأميركي؟ في رأي المؤلف فإنه يشكل مع اميلي ديكنسون الركيزتين الأساسيتين للشعر الأميركي في القرن العشرين. ولكن شعر وايتمان يبدو أميركيا أكثر من سواه.
فالشاعر يتحدث عن أميركا العادية بصوت أميركي محض. هذا وكان من أوائل من استخدموا صيغة الشعر الحر للتعبير عن ذلك. ويبدو أن قوة شعره ناتجة عن الانفعالات القوية التي يثيرها بفضل بلاغته التي لا تضاهى. ويرى المؤلف أن سر الجاذبية التي يتمتع بها شعر وايتمان تعود إلى استخدامه لتقنية التكرار. فهذا التكرار هو الذي يخلق قوة شعره الذي يوحي أكثر مما يصرح.
ولهذا السبب يفضل أن تقرأ شعره بصوت عال لكي تستمتع به حقا وتدرك كل جوانبه وتتذوقه فعلا. إن ميزاته الشعرية تستمد قوتها من الكتابات الدينية أو شبه الدينية التي كانت سائدة آنذاك وبخاصة كتابات الشاعر جيمس ويلدون جونسون.
ويرى الكثيرون أن شعراء أميركا في القرن العشرين بل والواحد والعشرين لا يمكن أن يتجاهلوا وايتمان. كلهم مدينون له بشكل أو بآخر. لماذا؟ لأنه هو الذي بلور اللغة الشعرية الجديدة لأميركا الديمقراطية. بل إن تأثيره تجاوز حدود أميركا لكي يصل إلى فرنسا حيث مارس تأثيرا كبيرا على الشعراء الرمزيين.
ثم يضيف المؤلف قائلا: لقد كان والت وايتمان شاعرا رؤيويا بالمعنى الحرفي للكلمة. فهو الذي اخترع أسطورة أميركا الديمقراطية أكثر من أي كاتب آخر. وكان يقول: ربما كانت أميركا، من بين كل الأمم، هي التي تمتلك الطبيعة الشعرية في العالم. فتأسيسها أو تشكيلها يشبه الملحمة الشعرية التي لا تضاهى. لقد وفد عليها الناس من كل أصقاع الأرض وشكلوها.
عندما كتب وايتمان هذه الكلمات كان يعرف أنه يعارض الرأي الشائع آنذاك والقائل بأن أميركا فظة وحديثة العهد إلى درجة أنها لا يمكن أن تفهم الشعر. لقد اخترع وايتمان أميركا أخرى لا زمنية: أي خالدة. لقد اخترعها بفضل خياله المبدع الخلاق. إنها أميركا التي أسسها الرواد الأوائل القادمون من كل مكان.
لا ريب في أن صوت وايتمان كان يشعل الكهرباء في نفوس القراء بفضل قوته اللغوية وخياله الخلاق. والواقع أنه هو الذي اخترع قصيدة السيرة الذاتية. وهو الذي اخترع الشكل التجريبي للقصيدة الحديثة وجعل من كل قارئ مبدعا أو خلاقا لأنه يعيد إنتاج القصيدة من خلال قراءته لها.
ولذا قال عنه أحدهم هذه العبارة المهمة: في اليوم الذي ابتدأ فيه وايتمان الكتابة انتشرت الحرية في الجو. وهذا أكبر مديح يمكن أن يحظى به شاعر. نعم لقد كان هذا الرجل الذي عرف البؤس والفقر والمعاناة شاعر الحرية بامتياز. لقد كتب وايتمان ديوانه الشهير أوراق العشب وحسنا فعل. لماذا؟ لأن العشب موجود في كل أنحاء أميركا والعالم. ما معنى الحياة من دون عشب، من دون إخضرار؟
يقول وايتمان في ديوانه الشهير هذا:
أحتفي بنفسي
وحقيقتي ستكون حقيقتك
وذلك لأن كل ذرة من ذرات جسمي هي ذراتك أيضا
أنا أكسل وأدعو روحي
أنحني وأكسل على راحتي... متأملا بغصن من عشب الصيف
البيوت والغرف مليئة بألف عطر وعطر... والرفوف مفعمة بالعطر أيضا
وأنا أتنفس روح العطر، وأعرفه وأحبه
وهذا اللباب يمكن أن يسكرني بدوره، ولكني أعرف كيف أقاومه
الهواء ليس عطرا... لا مذاق له كهذا اللباب... لا لون له ولا رائحة
هكذا كان يتكلم والت وايتمان شاعر أميركا الأكبر بالإضافة إلى إدغار الآن بو وبعض الآخرين. لقد مجّد الشعر والحرية مثلما لم يفعل أي شاعر آخر في بلاد العم سام.
*الكتاب: والت وايتمان.... الشاعر النبوئي الاستشرافي
*الناشر: مطبوعات كيسنغر نيويورك 2007
*الصفحات :108 صفحة من القطع الكبير
Walt Whitman: the prophet - poet
Kessinger Publishing - N.Y. 2008
P.108
