عمل هنري اوجييه، مؤلف هذا الكتاب، لمدة سنوات رئيسا لمختبر مختص بشؤون الآثار المؤذية للبيئة. كما قام بالتدريس في جامعة المتوسط لعلم التلوث وهو أحد الخبراء المعروفين عالميا على صعيد مشاكل التلوث وحماية الطبيعة.

انخرط هنري اوجييه في العديد من الأعمال والتظاهرات من أجل إنقاذ البيئة، ووصل الأمر ببعض رجال السياسة إلى أن أطلقوا عليه لقب «آية الله للبيئة» بسبب مواقفه الحادة في محاربة كل أشكال التلوث. «الكتاب الأسود للبيئة» يجمع بين دفّتيه المعارف المختلفة الأساسية المتعلقة بالتلوث وبتدهور البيئة وبحيث يمكن للقارئ أن يجد فيه تقريبا كل المعلومات الخاصة بهذا الموضوع الدقيق والتي يتم نشرها في متفرقات هنا وهناك. المؤلف-الخبير يبحث في دقائق آثار التلوث على الإنسان وعلى الكائنات الحية الأخرى وعلى الطبيعة. إنه يتحدث عن الهواء والتربة والمياه العذبة والمالحة وعن أشكال التلوث الجرثومية والإشعاعية والحرارية والكيميائية وعن النفايات وأشياء أخرى كثيرة. وكل المعلومات التي يقدمها المؤلف مستقاة من نتائج مثبتة وبالاعتماد على وثائق علمية جديّة.

هذا الكتاب هو قبل كل شيء «صرخة» إنذار موجهة للجميع وعلى رأسهم أصحاب القرار، وذلك في وقت يتفق فيه الجميع على أن أخطارا حقيقية تهدد الكون الذي نعيش فيه ولا بد من توحيد الجهود بغية التصدّي لمشاكل حاسمة تتعلق بمستقبل الأجيال القادمة.

يبدأ المؤلف كتابه بتحليل المسار الاشتقاقي لفعل «لوّث» الذي تتراوج دلالاته بين مجموعة أفعال تصبّ كلها في خانة واحدة هي التأكيد على حالة «التدهور» الناتجة عنه. أما دلالته الحالية فإنها تعني ما يترتب على النشاطات الإنسانية من آثار سلبية وأحيانا سامّة على الوسط المحيط كله، وهذا بالنسبة للبشر وللطبيعة. وبعد أن يعدد المؤلف مختلف أشكال التلوث والإساءة للطبيعة يقول في مقدمة الكتاب: إن مجموع مظاهر التلوث والآثار السلبية على الطبيعة تشكل موضوع هذا الكتاب.

الملاحظة الأولى التي يبدأ فيها المؤلف تحليلاته تتمثل في القول ان الإنسان فكّ أواصر تضامنه مع الطبيعة عندما بدأ بإلقاء نفايات غير قابلة للانحلال فيها. وهو يؤكد أن إلقاء مثل هذه النفايات على سطح الأرض قد بدأ مع بداية ظهور الحياة عليها. ومنذئذ فرضت الحياة ضرورة الانعزال عن الوسط المحيط من أجل الحصول على درجة ما من الوقاية. تلك الحواجز التي صنعها البشر، والتي كانت الجلود من بين الأقدم منها، خلقت مفهومي الداخل والخارج.

وما هو غير مفيد أو ما أصبح غير مفيد بعد تمثّله كان مصيره هو الإلقاء. ثم إن الإنسان البدائي، وبعده المجتمعات الإنسانية لم تشذ عن هذه القاعدة الطبيعية والكونية. ويلاحظ المؤلف أن التطور التاريخي الذي عرفه البشر قادهم إلى تكوين قبائل وعشائر وتجمعات أقامت في مناطق تؤمّن له ما يحتاجونه من ماء وغذاء بالإضافة إلى قدر من الحماية حيال عناصر الطبيعة المعادية وحيال الحيوانات المفترسة والخطيرة. وضمن مثل تلك الظروف كانت المناطق المحيطة بمجاري الأنهار والجزر مطلوبة كثيرا من أجل إقامة معسكرات الاستيطان عليها.

ومن المستوى الفردي غدت عملية إلقاء النفايات ذات طابع جماعي، وانتشرت تدريجيا عبر مسيرة التطور الإنساني في العناصر الثلاثة الرئيسية المكونة للطبيعة أي الماء والهواء والتربة. وتمثّلت في عصر ما بعد الثورة الصناعية خاصة بإصدار الغازات المؤذية وفي مقدمتها غاز ثاني اكسيد الكربون ومشتقاته. إن الوسط الطبيعي يمتلك كفاءات عالية من أجل تمثّل النفايات ذات الطبيعة العضوية، ذلك أن الأرض والمياه تحتوي على كمية كبيرة من البكتيريات والفطور وغيرها القادرة على أن تقضي تدريجيا على المواد العضوية أو على تحويلها إلى عناصر بسيطة.

لكن الخطورة الكبرى على الطبيعة والبيئة تأتي، حسب التحليلات المقدمة، من النفايات بكل أشكالها والغازات الصادرة عن المصانع، أي كل ما هو غير قابل للتمثل في الطبيعة. وهكذا يتحدث المؤلف من موقع اهتمامه بعلم الأحياء البحري عن الآثار السيئة للمعادن الثقيلة التي أصبحت آثارها السيئة مثبتة منذ سنوات الخمسينات المنصرمة من خلال عملية التوصيف الدقيق لأعراض حالات من التسمم لمرض أُطلقت عليه تسمية «ميناماتا»، والذي أصاب أوساط التجارة وسمم وقتل مئات الصيادين البحريين اليابانيين وأسرهم وكانت وراءه مادة «الزئبق».

وتتم الإشارة إلى أنه أمكن منذئذ تحديد المعايير الخاصة بـ «السميّة» فيما يتعلق بالزئبق وبغيره من المعادن الثقيلة عبر قياس مدى تركيزها في المياه. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليشير إلى نسبية هذه المعايير، ذلك أنه من المعروف اليوم أن تكدّس العناصر خلال السلسلة الغذائية كلها هو الذي يؤدي إلى حالات تسمم خطيرة. فالزئبق موجود في مواد تستهلكها الأسماك الصغيرة. هذه الأسماك الصغيرة تلتهمها الأكبر، وتتتابع السلسلة. هكذا أظهرت عملية تشريح أسماك الدلفين التي يلفظها البحر على شواطئ المتوسط أنها تحتوي على نسب عالية من الزئبق في الدماغ والكبد والكلى.

وعلى النهج نفسه من التحليل يشير المؤلف أنه منذ اختراع آلات غسيل الثياب تمّت الاستعاضة عن الصابون التقليدي، الذي يؤدي استخدامه إلى إعاقة عمل الآلات، بمساحيق لا تؤدي إلى النتيجة نفسها ولكنها في الوقت نفسه شديدة الضرر بالنسبة للأوساط المائية التي تصل في النهاية إليها عبر قنوات التصريف، وهذه المساحيق هي المسؤولة إلى حد كبير عن موت أعداد كبيرة من الأسماك.

ويؤكد المؤلف في هذا الإطار أن الإجراءات المتخذة التي تفرض أن يكون جزء من المساحيق المستخدمة قابلا للانحلال عضويا في الطبيعة، هي غير كافية. وذلك على أساس أن الاختبارات التي يتم القيام بها لقياس نسبة التدهور لا تأخذ في اعتبارها كل جوانب التأثير، ثم أن بعض العناصر تغيّر من طبيعتها دون أن تنحلّ تماما.

والأمر نفسه بالنسبة لأنواع الطلاء المستخدمة في طلاء هياكل السفن. وكانت في البداية تعتمد على مكونات الزئبق ثم القصدير والآن النحاس. ولكن في هذه الحالات جميعها تبقى ذات سميّة عالية بالنسبة للكائنات الحية، هذا فضلا عن سميّتها بالنسبة للمنظومة البيئية بمجملها.

ويتمثل أحد مصادر الخطورة الكبرى على الطبيعة، كما يحددها المؤلف، في كون أنه هناك كل يوم منتوج كيميائي جديد. ففي الوقت الذي يثبت فيه باحثون أن هذه المادّة أو تلك لها آثار سيئة يكون هناك رجال علم آخرون بصدد اختراع مادة جديدة. وبمقدار ما هناك من إمكانيات الاختراع هناك أيضا من إمكانيات زيادة المخاطر.

لذلك يرى المؤلف أنه من المطلوب أولا، وبشكل ملح، إيجاد الوسائل التي تسمح بالتحديد الدقيق لمدى سميّة مختلف المواد والعناصر المستخدمة قبل الشروع في استخدامها على مدى واسع، مثلما كان الحال بالنسبة لمادة «الاميانت» التي جرى استخدامها على مجال واسع في قطاع البناء، والتي ثبت فيها بعد أنها مادة «مسرطنة».

في المحصلة يقدّم مؤلف هذا الكتاب البراهين على أن البيئة مريضة وأن الإنسان في السباق المحموم الذي يخوضه من أجل بلوغ أقصى درجة ممكنة من التطور، إنما قد وجّه ضربة قاسية للمحيط الذي يعيش فيه. وهذا وضع لا يمكن أن يكون، أو لا ينبغي أن يكون، هناك أي إنسان (غير مبال) حياله. ولا شك هناك درجة من وعي أن الأخطار حقيقية وليست مجرد كلام نظريات. في هذه النقطة المفصلية بالتحديد يأتي الكتاب الأسود للبيئة كي يفصّل بدقة الآليات التي تؤدي إلى تدهور العالم الذي نعيش فيه.

ولا ينسى المؤلف في نهاية تحليلاته أن يوجه نوعا من النداء للجميع كي تكفّ جميع أشكال الجدل العقيم ويلتزم الجميع، دولا ومؤسسات وأفرادا، بالدفاع عن البيئة. ولا يتردد أيضا في التأكيد على ضرورة أن تقوم الدول الغنية بمساعدة الدول الفقيرة كي تمتلك هذه الأخيرة أدوات المساهمة في جعل الأرض أكثر نظافة وليس أكثر تلوثا.

ولكن مثل هذه القرارات هي ذات طابع سياسي وليس علميا، في الوقت الذي يتقدم فيه العلماء كثيرا على الساسة في هذا الميدان، كما يشير المؤلف. ولعله من غير المبالغة القول ان هذا هو أحد أكثر الكتب إلماما وموسوعية فيما يخص الأخطار المحدقة بالبيئة وبالعالم الذي نعيش فيه.

*الكتاب:الكتاب الأسود للبيئة

*الناشر:لوسيربان ابلوم ـ باريس2008

*الصفحات: 600 صفحة من القطع المتوسط

Le livre noir de l'environnement

Le Serpent à Plumes - Paris 2008

P.600