عندما يشاهد المرء مباراة لكرة القدم يتمنى لو كان باستطاعته تسجيل هدف في مرمى الفريق الخصم، وعندما يشاهد فيلما سينمائيا يتمنى لو كان بطلا يزج جميع الأشرار في السجن، وعندما يقرأ قصيدة جميلة يتمنى لو يصبح شاعرا .

بين جميع تلك الأمنيات المستحيلة تنهض الرغبة في لعب دور بارز لتحقيق حضور لافت في المجتمع، ولأن الرياضة تحتاج إلى لياقة عالية ومهارة خاصة، تبدو مشاهدة المباريات من مقعد وثير أسهل من إحراز هدف في ملعب تجري فيه أحصنة بشرية.

كما أن متابعة ممثل يلاحق المجرمين عبر الشاشة أيسر من التحول إلى نجم هوليوودي، وعليه تصبح كتابة قصيدة أكثر سهولة من البطولات التلفزيونية، ولا تحتاج المسألة إلى جهد كبير، إنها كلمات.. مجرد كلمات ترصف وتنمق بعدها ينبت شاعر في الجوار لم ينتبه إلى موهبته أحد ولم تفصح قريحته المبكرة عن شيء مبشر .

يحدث كثيرا هذا الخلط بين الرغبة والقدرة، ويحدث أكثر أن تكون الرغبة كبيرة والقدرة صغيرة، ولو عرف المرء قدر نفسه لوفر المشقة عليها وعلى الآخرين، وما ينطبق على الشعر هو تماما ما ينطبق على القصة والرواية واللوحة وكل ما يتصل بالإبداع الذي تغيب عنه الموهبة تحضر فيه الرغبة، وفي المكتبة العربية آلاف الكتب المعبدة بالنوايا الطيبة وهي في طريقها إلى الجحيم .

لقد جرى هذا الاستسهال في الكتابة والنشر وسط غياب المعايير وتراجع النقد وتحول عدد من الأقلام الناقدة إلى جوقة من المطبلين المهللين لأي حرف يكتبه هواة راغبين في الشهرة باحثين عن دور بطولي في الحياة والذين تتعاظم رغباتهم في أن يصبحوا كتابا بينما مواهبهم معدومة، وسيظهر جليا ذلك في كتب ملأت الأرفف ومقالات ضاقت بها الجرائد.

أن يكون المرء كاتبا لا يعني أن يكون بطلا، الكاتب كائن مفكر لديه موقف من الحياة وقضاياها ولديه جرأة للبوح والكشف وواجبه أن ينتقد الخطأ ويضع يده على الجرح، وسبيله إلى ذلك فكر نير وموهبة مضيئة وخلفه تراث من المعرفة التي كونت رؤيته وصقلت موهبته .

أما الكتاب الذين اعتمدوا رغباتهم لدخول حقل الفن سرعان ما سيجري فرزهم وإهمالهم، لقد أضاعوا وقتهم فيما لا طائلة منه وهدروا مالهم في غير مكانه ذلك أنهم يصرفون على طباعة كتبهم في أرقى المطابع والظن كل الظن أن رغباتهم الكبيرة ستتفوق على قدراتهم الفنية المتواضعة.

hussain@albayan.ae