«العودة إلى الوطن» هي رواية الكاتب الألماني برنارد شلينك التي طال انتظارها والأولى له منذ رائعته التي استقطبت أنظار العالم «القارئ»، والتي ستطل قريباً عبر الشاشة الفضية.
والحديث عن «العودة إلى الوطن» لابد له بالضرورة من أن يمر بالحديث عن «القارئ»، ففي الروايتين كلتيهما وأيضاً في المجموعة القصصية التي قدمها شلينك بينهما والتي تحمل عنوان «الهرب من الحب» يطرح الروائي الألماني البارز الأسئلة الأخلاقية الأكثر إثارة للجدل المتعلقة بألمانيا بعيد الحرب العالمية الثانية، وهي أسئلة تتصدى لقضايا الهوية والمسؤولية ومشاعر الذنب وغيرها من القضايا التي لاتزال تؤرق الضمير الألماني حتى اليوم.
قرب نهاية رواية «القارئ» نجد أن بطلها، وهو طالب ألماني يدرس الحقوق، يعاود قراءة «أوديسة» هوميروس، ويكتب قائلاً إنه يتذكر هذه الملحمة باعتبارها «قصة العودة إلى الوطن، ولكنها ليست قصة العودة إلى الوطن في آن. فكيف يمكن للإغريق، الذين كانوا يعرفون أن المرء لا يمكنه أن يعبر النهر نفسه مرتين، أن يؤمنوا بالعودة إلى الوطن؟» إن أوديسيوس لا يعود إلى وطنه، إيثاكا، ليبقى، وإنما ليبحر من جديد. و«الأوديسة» هي قصة حركة لها معناها ومجردة من المعنى في آن، ناجحة ومحبطة معاً. وبطل الرواية يضيف أن ذلك يعكس أيضاً تاريخ القانون.
هذه العناصر ـ «الأوديسة»، العودة المؤقتة للوطن، التغير القلق، بل وحتى طبيعة القانون ـ هي جمعيها عناصر أساسية بالنسبة لرواية «العودة إلى الوطن». وبأسلوب هادئ وخلافي مماثل لأسلوب رواية «القارئ» نجد أن بيتر ديباور، بطل «العودة إلى الوطن» يتذكر الأحداث البارزة في حياته، زياراته لجديه في سويسرا، طفولته مع أمه الجميلة، حادة الطباع، الكتب التي قرأها، النساء اللواتي أحبهن. وفي بعض الأحيان يرتفع بتناوله للماضي إلى ذروة النزعة الغنائية.
مع توالي صفحات «العودة إلى الوطن» يشرع القارئ في التساؤل بصورة متزايدة عن والد بيتر. فالأم التي يفترض أنها أرملته لا تتحدث عنه مطلقاً. والجدان لا يناقشان إلا طفولته. ترى ما الذي حدث لهذا الطالب السويسري الجذاب خلال الحرب العالمية الثانية؟ كيف لقى مصرعه؟ هذان السؤالان وأسئلة أخرى متصلة بهما تؤرق على نحو ما القارئ وتحرك السطح الهادئ للسرد مثل تيار قوى وخفي معاً، إلى أن يشرع بيتر في نهاية المطاف في السعي للوصول إلى الحقيقة المراوغة.
إن بيتر يحدثنا بأنه قبل سنوات تصادف أن قرأ بضع صفحات من رواية من الروايات التي ينشرها جداه، وكانت في صورة مخطوطة غير مكتملة تحكي عن مغامرات الجندي الألماني كارل، الذي يهرب من معتقل روسي ويشق طريقه في بطء عائداً إلى وطنه، وهو بعد مغامرات عديدة وفقدان رفاقه جميعاً يفلح في الوصول إلى شقته العتيقة، ويرقى الدرج في لهفة. وفي الدهليز يتبين قوام زوجته التي «تحدق فيه مفزوعة، كأنها ترى شبحاً.. وهي تحمل طفلة صغيرة لا يمكن أن يتجاوز عمرها عامين، فيما تتشبت أخرى أكبر قليلاً بها، مطلة من وراء مبدعتها، وفضلاً عن ذلك فهناك رجل يقف إلى جانبها وقد التف ذراعه حولها».
ما الذي يحدث بعد ذلك؟ النهاية لا وجود لها، فعلى الرغم من بحث بيتر في كل الروايات التي نشرها جداه فإنه لا يعثر على خاتمة هذه المخطوطة قط. ولكنه بعد نضجه وموت جديه يعثر على صفحات أخرى منها، وهكذا يعرف المزيد من مغامرات الجندي كارل في طريق عودته إلى الوطن. ويستغرق الأمر منه وقتاً طويلاً لكي يعرف أن مغامرات كارل صيغت على غرار مغامرات أوديسيوس. ولكن لسبب ما فإن المؤلف المجهول اختار مخالفة النهاية السعيدة للأوديسة. لماذا؟
في البداية، يبدو أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون سؤالاً أدبياً كسولاً، ففي نهاية المطاف كانت «الأوديسة» على امتداد قرون عدة نموذجاً سائداً للقصص التي تدور حول العودة إلى الوطن على اختلاف أنواعها. لكن الأمر ما يلبث أن يتجاوز حدود القص، عندما يقنع بيتر نفسه بأنه يتعرف المبنى الفعلي الذي توجد به الشقة في الرواية.
ابتداء من هذا الموضع تأخذ «العودة إلى الوطن» في التداخل والتعقد بصورة متزايدة. فهل الحياة تقلد الفن؟ هل يتحول بيتر إلى كارل أم أن كارل هو والد بيتر؟ من هو المؤلف المجهول للرواية؟
شأن أبطال روايات بول أوستر المبكرة، يشرع بيتر في البحث عن كل مفتاح يمكن أن يقوده إلى الرد على هذه الأسئلة محاولاً العثور على المزيد عن المؤلف المجهول للمخطوط، وهو أيضاً يقع في الحب، ويتهاوى سور برلين، وتصبح أرشيفات أوروبا الشرقية الحافلة بالأسرار فجأة في متناول الأيدي من جديد. وتفضح أسرار الماضي، أياً كانت مشاعر الرفض والانزعاج حيال حقائق الواقع الجديد.
لكن هل يمكن حقاً لحقيقة الماضي على نحو ما كانت أن تحسم ويتم التأكد منها؟ أليس من الممكن أن يكون أوديسيوس قد قام بفبركة مغامراته كلها؟
إن أوديسة بيتر الشخصية تصبح، في نهاية المطاف، تعمقاً في بحث طبيعة الخداع والعواقب التي تترتب عليه، وهي تطرح السؤال المؤلم الذي هيمن على جيلين من أبناء ألمانيا: ما الذي فعلته في الحرب يا أبي وكيف تبرره؟
وبينما تتصدى رواية «العودة إلى الوطن» لقضايا معقدة ومؤلمة، فإن سردها على الرغم من ذلك يعد نموذجاً للسلاسة والوضوح، وبينما تلقي الضوء على أسرار نصف قرن من تاريخ أوروبا، فإن مؤلفها، برنارد شلينك، يجعلنا نهتم بالبطل بيتر ديباور المضطرب وذي الإرادة الضعيفة. ويدفعنا إلى التساؤل: هل يمكنه التعامل مع الحقيقة؟ وما الذي ستصبح عليه حاله فيما بعد؟
إن رواية «العودة إلى الوطن» شأن «الأوديسة» تدور حول الحب في نهاية المطاف، ليس حول روعته فحسب، وإنما حول ألمه كذلك ليس حول فشله المتوالي فحسب، وإنما حول إمكانية الحفاظ عليه وتجدده أيضاً.
وتظل هذه الرواية جديرة بالقراءة حقاً، وهي تعني القارئ والكاتب والناقد العربي من منظور محدد، حيث إنها تتيح لهم جميعاً الوصول إلى منطلقات أفضل لتناول سؤال يظل مؤرقاً ومستعصياً على الإجابة عنه بوضوح وحسم حتى الآن، وهو: لماذا لم يقدم الأدب العربي حتى الآن رواية حرب تحلق إلى سماء الحروب المتوالية التي خاضها المقاتلون العرب؟
في القطار
«عندما كنت صغيراً، أمضيت العطلات الصيفية مع جديَّ في سويسرا. كانت أمي تمضي بي إلى محطة القطار وتجعلني استقله، وعندما كان الحظ يحالفني كان بمقدوري المكوث في موضعي والوصول بعد ست ساعات إلى رصيف المحطة حيث ينتظرني جدي.
وعندما كان حظي محدوداً كان يتعين عليّ تبديل القطار عند الحدود. وذات مرة استقللت القطار الخطأ وقبعت هناك غارقاً في الدموع إلى أن جففها قاطع تذاكر ودود، وبعد عدة محطات جعلني أركب قطاراً آخر، وعهد بي إلى قاطع تذاكر آخر، والذي مررني بطريقة مماثلة إلى قاطع التذاكر التالي، بحيث أنني وصلت إلى مقصدي عبر سلسلة توصيل كاملة من قاطعي التذاكر.
استمتعت برحلات القطار تلك، مشاهد المرور بالمدن والمعالم الطبيعية، الأمن الذي تكفله المقطورة، الاستقلال. كان لدي جواز سفر، بطاقة، غداء ومواد للقراءة. ولم أكن بحاجة إلى أحد وليس لديّ من يأمرني بما أفعله. وفي القطارات السويسرية افتقدت المقطورات، ولكن كان كل مقعد إما بجوار نافذة أو بجانب ممشى، ولم يكن هناك ما يدعوني إلى الخوف من اعتصاري بين شخصين يحيطان بي».
*الكتاب:العودة إلى الوطن
*الناشر: نوف ـ نيويورك 2007
*الصفحات: 260 صفحة من القطع المتوسط
Homecoming
Knopf-N.Y.2008
P.260
