أجرى إدوار ماريوت، المحرر الثقافي بصحيفة «غارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الروائي الألماني برنارد شلينك بمناسبة صدور الترجمة الانجليزية لروايته الجديدة «العودة إلى الوطن»، حيث يلقي الضوء على عالمه الروائي الذي يركز على مد الجسور مع الماضي الألماني الحافل بالتعقيدات والشعور بالذنب ومحاولة الخلاص من هذا الشعور، ويناقش قضية الانقطاع في الحوار بين الأجيال المختلفة من الألمان، ويخلص إلى أنه فيما يتعلق بقسوة الإنسان على أخيه الإنسان فإنه ما من أحد يمكنه الزعم بأنه يحتل الأرض الأخلاقية الأكثر ارتفاعاً، وفيما يلي نص الحوار:

هناك لحظة في نهاية رواية برنارد شلينك «القارئ» الصادرة عام 1979 التي سيقدمها ستيفن والدراي قريباً في فيلم يلعب بطولته كيت ونسليت ورالف فينز، حيث يلتقط الراوية «أوديسة» هوميروس في غمار محاولته فهم قصة حبه عندما كان مراهقاً لامرأة حوكمت في وقت لاحق على جرائم ارتكبتها في زمن الحرب. وهو يتذكر أنها: «قصة عودة إلى الوطن. ولكنها ليست كذلك، فأوديسيوس لا يعود إلى الوطن ليبقى، وإنما هو يرتحل من جديد».

إن البحث ذاته عن وطن مراوغ يعد محورياً لرواية شلينك «العودة إلي الوطن»، فالبطل، بيتر ديباور، يقتفي أثر أبيه الذي لم يعرفه قط. وهو في صباه يصادف مخطوطاً غير مكتمل يروي أوديسة عودة جندي ألماني إلى وطنه بعد الحرب. ولكن كيف تنتهي القصة؟ إن ديباور يبدأ بحثاً عن كل من الصفحات المفقودة من المخطوط وعن أبيه الحقيقي.

وتشترك قصة المخطوط غير المكتمل مع معظم أعمال القص التي أبدعها شلينك في الصلات الحميمية بتجربة شلينك الخاصة. وشأن ديباور فإن شلينك، الذي ولد عام 1944، أمضى فصول الصيف في سويسرا، متنقلاً بالقطار من موطن أبويه في هايدلبرج إلى موطن جديه لأمه في سويسرا. وكما هي الحال في رواية «العودة إلى الوطن»، فإن جدي شلينك كانا يديران داراً للنشر تقوم بإعادة الطبع للروايات الشعبية، وكان شلينك يستخدم الوجه الآخر لأوراق تصحيح البروفات لإنجاز فروضه المدرسية.

وكان يعصي تعليمات جديه بألا يقرأ الوجه الآخر من الصفحات، وهكذا صادف قصة الجندي العائد، وهي حكاية تنقصها النهاية، شأن رواية «العودة إلى الوطن». يتذكر شلينك هذا اليوم في الحوار معه في مكتبه بكلية الحقوق في جامعة هامبولت في برلين، فيتحدث عن كيف أن عشقه للألغاز ولحل المشكلات قاده، شأن ديباور، للقيام بكل ما في وسعه للوصول إلى الصفحات الضائعة.

ويقول: «لقد أفلحت في العثور على ابن الناشر الأصلي. ولكن لأن دار النشر كانت متخصصة في نشر الروايات الشعبية فإنه لم يكن هناك أرشيف، لا شيء، ولذا لم أستطع إنقاذ الرواية». كان هذا الولع بحل المشكلات هو الذي اجتذب شلينك إلى العمل في مجال القانون. وهو يقول في هذا الصدد: «هناك مقولة قديمة مفادها إنك إذا لم تكن موهوباً بصفة خاصة في العلوم الطبيعية، إذا لم ترغب في أن تصبح مدرساً أو قساً أو طبيباً، ولا تعرف ما الذي يمكنك القيام به بخلاف هذا، فإنك تصبح محامياً.

ولكنني لم أندم على هذا قط. إن ما أحبه في القانون حقاً هو أنه ليس خطاباً بلا انتهاء كما هي الحال مع التاريخ أو الفلسفة. ففي القانون يأتي وقت لابد فيه للمشكلات من أن تحل وللقضايا من أن تغلق». يعمل شلينك في الوقت الحالي أستاذاً للقانون الدستوري والإداري، وقد عمل على امتداد 18 عاماً قاضياً بمحكمة وستفاليا الدستورية.

وهو يضيف: «إن ما أحببته هو استخدام كل معرفتي النظرية والقانونية والفلسفية والتاريخية لحل المشكلات». وقد ورث التمييز بين ما هو صحيح وما هو خطأ من أمه، التي يقول عنها إنها: «كانت بروتستانتينية كالفينية. وكل قصة في الحياة تصبح مشكلة أخلاقية إلى حد أنها لم تكن تدري حقاً ما الذي تريده، ولكنها تعرف فقط ما الذي تعتقد أنها تريده على أسس أخلاقية».

وقد تقلب شلينك في مجالات شتى من الحياة، قبل أن ترسو سفينته على شاطئ الكتابة. وهو يقول عن ذلك: «لبعض الوقت جربت هذا وذاك، حيث عملت معالجاً بالتدليك في كاليفورنيا، ثم اشتغلت في مجال المجوهرات، وانتقلت إلى الكتابة، معتقداً أنني وجدت فيها موطني». ويتابع: «إنني أحب الكتابة، ولا أحس بأنني سعيد بقدر شعوري بالسرور عندما يتوافر لي أسبوع أو شهر أو ثلاثة أشهر للتفرغ للكتابة».

وتبدو انجليزية شلينك لدى حديثه بها خالية تماماً من الشوائب تماماً كسلوكياته وأسلوبه في الترحيب بضيوفه. وهو ينسب الفضل في مهارته اللغوية إلى استاذه في المدرسة التي تلقى تعليمه بها. وهو يقول عنه: «لقد شجعنا على البدء في القراءة باللغة الانجليزية. وعندما كنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة كنا نقرأ أعمال دستويفسكي، تولستوي، ستندال، ديكنز وبلزاك».

غير أنه تبين أن هذا الاستاذ المحبوب نفسه كان على صلة بالجستابو خلال حكم النازي، وقد أدان شخصاً تعرض للقتل عقب ذلك. وهذا الإدراك المؤلم الذي شارك الكثير من الألمان شلينك فيه لكون شخص ما يحبه الناس له جانب مظلم على نحو مروع هو الذي يضيف التوتر والطابع الموجع لجانب كبير من أعمال القص التي أبدعها.

في رواية «القارئ» نجد أن مايكل الذي أحب في مراهقته هانا ذات الستة والثلاثين عاماً تنتهي به الحال إلى مشاهدتها وهي يحكم عليها بالسجن مدى الحياة عقاباً لها على الجرائم التي ارتكبتها في زمن الحرب. وفي قصة «الرجل الآخر» المنشورة في مجموعة «الهرب من الحب» الصادرة في عام 2002 نجد أن بينر الوزير المتقاعد يكتشف بعد وفاة زوجته أنها لم تكن مخلصة له، وينطلق لاقتفاء أثر عشيقها ومواجهته.

وهذه القصة ستطل قريباً عبر فيلم من اخراج ريتشارد اير، الذي يقول إن ما استقطبه في هذه القصة أكثر من غيره هو أنها تعكس تضارباً جلياً. ويوضح في هذا الصدد: «إنك تعتقد أنك تعرف أحدهم، ثم تكتشف شيئاً عنه يجعلك تعتقد أنك لا تعرفه في نهاية المطاف».

يقول شلينك إن جيل الحرب قد انتهى إلى الحديث تدريجياً عن التجارب التي خاض غمارها. وهذا بدوره قد أثر في الألمان ممن هم في عمر شلينك، الذين يجدون أن من شبه المستحيل أن يتحدثوا مع الألمان الأكبر سناً عما قاموا به خلال الحرب.

ربما لهذا على وجه الدقة فإن الرجال في قص شلينك غالباً ما يظهرون في دور المحقق، الذي يبحث عن المفاتيح الموصلة إلى أسرار حياته. وقد اتخذ هذا شكلاً أدبياً في شخص جيرهارد سيلف التحري الذي يتصدى لبطولة رواية «عقاب سيلف» الصادرة في 2004، و«خديعة سيلف».الصادرة في 2007. ويقول ستيفن والدراي في هذا الصدد: «لقد ولد شلينك كألماني في جيل تعين عليه أن يقوم برحلة التحري الخاصة به في رحاب الماضي».

لقد أصبحت رواية «القارئ» عملاً تطلب قراءته من الطلاب في ألمانيا. ولدى سؤال شلينك عن السر في جاذبية هذا العمل، فإنه يبادر من الوهلة الأولى إلى نسبة هذه الجاذبية إلى طول هذا العمل، ويقول ضاحكاً: «إنه عمل قصير، ولكن هناك الإثارة، الحب، ودراما قاعة المحكمة».

ولكن هذه الرواية تجتذب القراء لأنها تتناول موضوعاً محورياً ألمانيا ينتمي إلى القرن العشرين، وهو «الناس الذين يقترفون أعمالاً وحشية ليسوا وحوشاً بالضرورة» وادراك أن الشخص الذي يحبه المرء كثيراً له جانب مظلم محتجب عن العيان. وهناك أيضاً التواطؤ، وكما يعبر الصحافي مائير ليفن الذي كان شاهد عيان على تحرير معسكرات الاعتقال: «هذا إذن هو السبب في الخوف والذنب من جانب كل من بقوا على قيد الحياة. فقد كان الناس هم الذين جعلوا هذا كله أمراً ممكناً».

إذا كان هناك أي شيء يتركه قص شلينك المحكم لدى القارئ بوضوح بالغ فإنه الخلاصة المثيرة للقلق التي توصل إليها ليفن، والمتمثلة في أنه عندما يتعلق الأمر بقسوة الإنسان على الإنسان فإنه ما من أحد يمكنه الادعاء بأنه يحتل الأرض المرتفعة أخلاقياً.

وحتى شلينك يقر بأنه: «من الممكن الشعور بالذنب من خلال الاستفادة من هذا المدرس أو ذاك اللذين كان لهما دور قاما به في الحرب. ولكن ليس من قبل الجيل الثالث. إن أبني في الرابعة والثلاثين من العمر وهو في وضع مختلف تماماً عني».

محطات في مسيرة شلينك

* ولد الروائي الألماني برنارد شلينك في 6 يوليو 1944 في بيلفيلد، ودرس الحقوق، وأصبح قاضياً في محكمة وستفاليا الدستورية منذ عام 1988، وهو يعمل حالياً أستاذاً للقانون الدستوري والإداري بجامعة هامبولت في برلين، وقد استهل حياته العملية في ميدان الكتابة بسلسلة من روايات التحري التي يلعب بطولتها التحري سيلف، وفي مقدمتها «عقاب سيلف» «1987» و«المعضلة» «1988» و«خداع سيلف» «1992».

* حلق شلينك إلى مستوى رفيع من الإبداع بروايته «القارئ» الصادرة في عام 1995 والتي حققت شهرة مدوية وترجمت إلى 39 لغة على امتداد العالم. وكانت أول كتاب ألماني يصل إلى صدارة قائمة أفضل الكتب مبيعاً التي تنشرها صحيفة «نيويورك تايمز» ونال عنها جائزة هانز فالادا الايطالية وجائزة لور باتايون الفرنسية وجائزة فيلت الأدبية التي تقدمها صحيفة «دي فيلت» الألمانية، وما لبث أن اتبعها بمجموعة «الهرب من الحب» في عام 2000.

* قوبلت روايته «العودة إلى الوطن» الصادرة في ترجمتها الانجليزية حديثاً بحماس كبير من القراء والنقاد على السواء خاصة مع قرب الانطلاق بروايته «القارئ» وإحدى قصص مجموعته «الهرب من الحب» إلى الشاشة الفضية.

منى مدكور