الدكتورة وجدان الصائغ ناقدة وأستاذة جامعية عراقية تنقلت ما بين جامعات الموصل، وجرش وذمار، ولها 17 كتابا نقدياً في الشعر العربي المعاصر، أبرزها:الصورة البيانية في شعر عمر ابي ريشة ـ دار الحياة، بيروت 1997، الصورة البيانية في النص النسائي الإماراتي ـ الهيئة المصرية اللبنانية، القاهرة 1999.

جذوة الإبداع وموقد البوح، قراءات في نصوص معاصرة ـ مؤسسة عبادي للدراسات والنشر، صنعاء 2001، زهرة اللوتس، قراءات في شعرية علي عبدالله خليفة، دار العلم للملايين بيروت 2002، الأنثى ومرايا النص، قراءة في المنجز الأنثوي العربي ـ دار نينوى، دمشق 2004، مباهج النص ـ الهيئة العامة للكتاب، صنعاء 2006. قدم لهذا الكتاب الدكتور علي جعفر العلاق الذي اعتبر أن الكاتبة الناقدة قلم يتوهج، وموضوعي وجوهري خاصة فيما يتعلق بالمساس بالنص وبالحياة في العراق.بدية تسأل وجدان الصايغ لماذا قيثارة سومر؟ في الإجابة على هذا السؤال الإشكالي تعود بنا الناقدة إلى الوضع السياسي الاقتصادي الأمني الاجتماعي الذي يعيشه العراق بعد الاحتلال، ولأن الشعر انعكاس للحدث اليوم الآني، فهي تريد أن تعيدنا إلى هيبة التاريخ السومري وإلى تحليلات تاريخية لها علاقة جدلية بالأدب عموماً وبالشعر على وجه الخصوص، لتصل بنا إلى ما يسمى الفترة المظلمة.

ومن خلال هذا التحليل العلمي تفجر الكاتبة قضايا ومحطات من خلال أسئلة تقترب من التراجيكوميديا احتجاجاً على الواقع بخروقاته اللا منطقية لحرمة الذات الإنسانية وسورياليتة في تفتيت حضارة المكان. في عنوان آخر «ترانيم أنثوية في حضرة الموت» تقدم لنا الناقدة دراسة تحليلية لقصائد أنثوية قيلت مع سعير الحرب، لتؤرخ للهمجية الحديثة بعد أن كتب العراقيون عن همجية عصور تاريخية.

تعرض العراق وحضارته للغزو المستمر طيلة تاريخه عبر أصوات نسائية شعرية تضعنا وجهاً لوجه، مع مطر السياب، لتقارن مع ضمائرنا وضمائر العالم ببعد معرفي وفهم علمي الفارق الشاسع بين مطر السياب ومطر صواريخ كروز، والقصف العشوائي.

وقد انتهت الناقدة إلى الإيمان بنجاح المرأة الشاعرة والأصوات الشعرية الأنثوية الحديثة في جعل بشاعة الواقع جمالاً في القصيدة الإبداعية «إن القصيدة الأنثوية قد نجحت في أن تعكس وجهاً جديداً لعشتار، عشتار المحترقة بطوفان الموت لتكون إزاء مرايا سحرية هي ليست مرايا سندريلا التي منحتها إكسير النعيم والحياة بل مرايا مهشمة ترى من خلالها شظاياها بعثرة الأجساد وتبصر عياناً مشاهد الانكسار الجماعي».

ثم تنتقل بنا وجدان الصائغ إلى العلاقة ما بين نازك الملائكة والأصوات الشعرية المعاصرة، من خلال الكوليرا الراهنة، وهي تربط ما بين قصيدة نازك التي كتبتها عام 1947 عن مصر وما بين رحيل الشاعرة عام 2007 من مصر أيضاً، لكنها بالمقابل تقدم لنا دراسة نوعية في تحليل قصيدة الكوليرا وعلاقتها الاستشرافية في الواقع العراقي المعاصر بعد ستين عاماً من ولادة قصيدة نازك.

«إن قصائد نازك الملائكة قد نجحت في أن تكون مرايا سحرية نبصر من خلالها هزائمنا المشتركة، وهي مرايا تجعلك في مواجهة الحركة الدائرية للزمن العربي، فمأساة الأمس هي ذاتها مأساة الحركة الدائرية للزمن العربي، فمأساة الأمس هي ذاتها مأساة اليوم كما تجعلك إزاء قراءة جديدة للزمن العربي العاثر بكل ثماره المرة».

تتوقف الناقدة طويلاً أمام ذاكرة الجراح عند الشاعر علي جعفر العلاق، فتقدم لنا دراسة أخرى في بنية القصيدة العراقة المعاصرة من خلال تجربة العلاق الشعرية والتي حملت الحرب هماً وامتداداً للهم العراقي العام، وسفر وجدان لا يتوقف عند قصيدة واحدة، ومشهدا شعريا، أو صورة أنها تنتقل مثل نحلة بين قصائد العلاق لتربط بينها وبين واقع مأزوم ومخيف ومحبط.

«أنت الذي انكسرت فينا؟ أم كسرنا فيك؟ أم كسّرتنا؟ أم أنت من أغرى ذئاب الريح، يا حزن أنكيدو ويا رداءة الجريح، لا عشبة نلنا، ولا ضريح». تسافر مع وجدان، تطالع معنا ثقافات جديدة مع أصوات شعرية تملأ الفضاء نشيجاً ونشيداً..

ثقافة الحرب.. مع مي مظفر. ثقافة الموت.. مع صاحب خليل إبراهيم. لتصل بعد ذلك إلى البداوة الجديدة في القصيدة المعاصرة، لكن وجدان الصائغ لا تنسى أبداً ثقافة العشق مع ريم قيس كبة، لكن أي عشق هذا الذي تكتبه ريم، وتحلله وجدان، هو عشق قلوب مزقها القهر، والحزن، والندم، والموت المجاني؟!

أين ذلك العشق العراقي الذي كان يبدأ مع ترنيمة الأم في المهد ليصبح أغنية تجوب الأهوار، والسهول، والجبال، والوديان، ويصبح العشق هو العراق.. والعراق رمز لهذا العشق، أهو المكتوب على قيثارة سومر أن تظل قيثارة حزن، لكن العزاء كما تقول وجدان (أن القصيدة العراقية نجحت في أن تكون قيثارة سومر التي لن تمسها يد النهب، ولن تطمس تراتيلها ضمن المفخخات وضجيج الغزو).

عبدالإله عبدالقادر

*الكتاب:قيثارة سومر

قراءات في القصيدة العراقية المعاصرة

*الناشر:مركز عبادي للدراسات - صنعاء 2007

*الصفحات:148 صفحة من القطع المتوسط