الكاتب والباحث السوري جميل منصور في شرحه وتقديمه لديوان (أغاني القبة) للعلامة السوري خير الدين الأسدي، يرى أنَّه إذا كان الشاعر الألماني «جوته» قد جعل من «حافظ الشيرازي» دليلاً يهديه سواء السبيل في قفار الشرق الواسعة،
فإنَّ خير الدين الأسدي هو الآخر جعله منطلقاً لإبداعه الشعري ومرشداً وهادياً، وقد أورد معظم سوَر(أغاني القبَّة) منشدةً بلسانه، باعتباره لسان الغيب، لأنَّه أيقن أنَّ الشيرازي حين يتغزَّل بمحبوبه كان يخلع عليه الصفات الإلهية كاملة، فتتداخل الرموز العشقية بين الأرضي والسماوي، وذلك بقصد إعلاء شأن المحبوب، ومن أجل ذلك تغنيَّ بوجه المعشوق، وحسن طرَّته، وسحر عينيه، ورقَّة خصره، والظلِّ الممدود من طيات ذؤابته ـ وهذا ما أنشده الأسدي إنشاداً صوفياً جمالياً مدهشاً، فكان الشيرازي بهذه الأستذة نبراساً له. والقصيدة التي يطرحها خير الدين الأسدي في (أغاني القبَّة) هي قصيدة النثر، إذ يؤكِّد في مقدِّمته أنَّ الشعر رسالةٌ ووحيٌ لا يهبط إلا على القلب الطاهر، فالشعر في رأيه استنزال للكلمة الإلهية، ووجدٌ علوي، ونشوةٌ روحية، وفيض اللاشعور. وقد استطاع الأسدي باعتباره لغوياً متمكِّناً أن يدرك أسرار اللغة، وأن يطلق ما في اللفظة من طاقاتٍ إيمائية مبرزاً دور الموسيقى الداخلية في الكلمة، وبذلك كان رائداً عظيماً لقصيدة النثر في الأدب العربي.
وقد قسَّم الأسدي ديوانه (أغاني القبَّة) إلى وحداتٍ موسيقية متساوية سمَّاها سُوَراً ـ أي أغاني. وقسَّم السورة إلى وحيداتٍ تحوي جملاً منغَّمة فيها ملء الإبداع والجمال، ونسبها إلى القبَّة السماوية، فهي أغان إلهية مختارة فريدة من نوعها. وبذلك يكون قد دوَّن معجزته الأدبية الصوفية، وعدَّ هذه السوَر وحياً إلهياً يردد فيه كلمات من السماء، حيث يقول في سورة الحبرة: (أنا مزامير محراب الزمن، أنا ببغاء الحضرة، أردِّد ما ينفث في منقاري أستاذ الأزل).
لكنَّنا إذا دقَّقنا النظر في قصائد(أغاني القبة) فإنَّ سؤالاً يطرح نفسه: ما هو طابع هذه القصائد؟ وهل هي روحية أم جسدية؟. والجواب أنَّها تحتمل التفسيرين الروحي والجسدي، إلا أنَّها عند شاعرنا الأسدي تأخذ طابعاً جديِّاً، لأنَّه ينطلق من التجسُّد فيقول في سورة الليسية: (حتى العطلة ـ ولا عطلة ـ حزمات النور القزحي ـ يغزلها مغزل قلبي. وسأنسجها برنساً تسبح فيه الألوان السبعة على بضاضة جسد الله).
وإذا ما أنعمنا النظر في سور الأسدي السبع والعشرين في ديوانه(أغاني القبَّة) فإنَّنا نلمسها متَّسمة بجمال الفكر، وحرارة الوجد، إلى جانب موسيقى تستمدُّ من الشكلية اللفظية، والحالات الروحية الجسدية: (يا صبوةُ! يا صُبَاحُ! يا صَبيُّ! يا كاتب أسرار الغيب بقلم الإرادة! هات بنات القناني، وهلمَّ نتفاغمُ، عبْعَبُ!يا عَبْعَبُ! يا رَبْرَبُ! ضُمَّني، ثمَّ عُبَّني، نحن في وادي الهُدى، نحن في وادي الصلاح) ثمَّ في قصيدةٍ تالية: (فالصبوحُ ـ أي الشراب ـ يا غلامُ! وليكن نقلُنا من ثمار الشفاهِ، ولنكن بعدها في النعيم فاكهين. فتعالَ يا شَيْرينَ الزمان نلعب في سراياكَ لعبة الحب: لعبةَ زَقِّ الحمام، لعبة الساق على الساق).
وخير الدين الأسدي هذا كان قد وُلِدَ في حلب عام 1900 لأبٍ من رجال الدين هو الشيخ عمر رسلان (أسد)، حيث كان يعمل أستاذاً للصرف واللغة العربية في المدرسة العثمانية والمدرسة الخسروية، التي تلقيَّ خير الدين تعليمه فيها، ثمَّ تابع بعد ذلك تحصيله العلمي معتمدا على نفسه بالمطالعة الخاصة.
ولما نزح الأتراك عن سورية كان من أوائل معلمي اللغة العربية، ومن ميِّزات شخصيته أنَّه كان يحمل في أعماقه روحاً ثوريةً على التقاليد الاجتماعية والاستعمار الأجنبي، ففي عام 1923 أخرج مسرحية (الاستقلال) فدرَّب طلاب مدرسة الفاروقية على المسرحية، وفي يوم عرضها وضع في كيسٍ كميِّةً من البارود الذي يستعمله الأطفال في مسدساتهم، فانفجرت قطعة منه ما أدى إلى فقد كفه اليسرى.
وبعد المدرسة الفاروقية، علَّم في مدرسة «الهايكازيان» الأرمنية، وفي هذه المدرسة عرب مع زميل أرمني له «تشيستويان بارسيخ» ملحمة (عروج أبي العلاء المعري) للشاعر الأرمني «اسحاقيان»، وبعد ذلك علَّم في مدرسة «اليانس تلمود توراة» وهي مدرسة لليهود.
ثم تعاقد مع الكلية العلمانية (اللاييك) التي سمِّيت المعهد العربي الفرنسي، وفي هذه الفترة أصدر كتابه(البيان والبديع) ثمَّ كتابه (حلب الجانب اللغوي من الكلمة)، وكان يعمل في الوقت ذاته على إنجاز (موسوعة حلب المقارنة) التي طبعت بعد وفاته عام 1971،حيث مات ميتةً لاتليق بشاعر وباحث وعلاَّمةٍ مثله، إذ تهاونت «دار العجزة» في حلب التي قضى بقية حياته فيها بالاتصال بذويه وأصدقائه من الأدباء.
فحضرت سيارة «بيك آب» ووضعت في صندوقها جثَّة الأسدي بدون تابوت، واتجهت إلى مقبرة الصالحين، فدفنه حفَّار القبور في ممرٍّ بين قبرين بدون جنازة ولا مشيعين ولا قبر معلوم، مع أنَّه كان يصف نفسه بأنَّه شخصيةٌ قوية شديدة الهيبة في شبابها، شديد القَدْر في شيخوختها، ولا يقبل منَّةً من أحد.
أنور محمد
*الكتاب:أغاني القبة
*الناشر:الهيئة العامة السورية للكتاب ـ دمشق 2008
*الصفحات:191 صفحة من القطع الكبير

