تتصدى اللجنة المعنية بأسلحة الدمار الشامل والتي ترأسها هانز بليكس في هذا الكتاب للتحدي العالمي المتعلق بانتشار هذا النوع من الأسلحة سواء النووية أو البيولوجية أو الكيميائية والتي تعد بحق من أشد الأسلحة وحشية. وتقدم اللجنة بعد استعراض أخطار هذه الأسلحة ستين توصية بشأن ما يستطيع المجتمع الدولي ممثل في الحكومات الوطنية والمجتمعات المدنية أن تفعله وما ينبغي أن يفعله.
وحسبما يشير الكتاب فإزاء قدرة هذه الأسلحة المصممة للترهيب والتدمير في آن واحد على نحو قد يودي بحياة آلاف وآلاف من الناس بضربة واحدة فقد بذلت الكثير من الجهود لتحرير العالم من خطر هذه الأسلحة وتحقق بعض التقدم في هذا السياق. غير أنه في المقابل وعلى الرغم من نهاية الحرب الباردة، فقد شهد العقد المنصرم انتكاسات أكثر منها نجاحات حيث فشلت الدول في الامتثال لالتزاماتها بنزع السلاح وعدم الانتشار وظهرت جماعات إرهابية تعمل بحرية مطلقة.
ويشير الكتاب إلى أنه في سبتمبر 2005 لم تتفق أي من الدول المشاركة في مؤتمر القمة العالمي للأمم المتحدة على توصية واحدة لنزع السلاح وعدم الانتشار، وأنه على هذا الأساس حان الوقت الآن ليستفيق الجميع من الواقع الرهيب المتمثل في أن العديد من التهديدات القديمة لاتزال تشكل خطراً على العالم وأن تهديدات كثيرة جديدة قد ظهرت.
ويشير التقرير إلى أنه يهدف إلى اتخاذ إجراءات تعاونية يتم بمقتضاها تحريم أسلحة الدمار الشامل كلها ويركز على الخطوات القصيرة أو المتوسطة المدى التي ينبغي اتخاذها في هذا السياق. وتتبنى اللجنة وجهة النظر القائلة بأنه في حين أن العديد من الإجراءات والخطوات الأحادية والثنائية والإقليمية ضرورية.
فإن بغض الشعوب في كل الدول لأسلحة الدمار الشامل يتطلب نهجاً مبنياً على التعاون والدعم من المجتمع الدولي كله، كما أن الأنظمة التي تدعو وتشجع جميع الدول على الانضمام ينبغي أن تنشأ وتعمل على مستوى عالمي، فالمعاهدات والمنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة هي أدوات ومنابر لا يمكن الاستغناء عنها.
ويشير الكتاب إلى أنه من الأهمية بمكان تقدير خطورة تهديدات أسلحة الدمار الشامل بدقة وفهم ما الذي يدفع الدول أو الفاعلين من غير الدول إلى اكتسابها من أجل معرفة كيفية محاربتها باعتبار أنه دون التشخيص الصحيح من المستبعد أن يتم العثور على العلاج الصحيح. ويضرب الكتاب مثالاً على ذلك بالتقدير الخاطئ بأن العراق يملك أسلحة دمار شامل كان المبرر الأساسي وراء إرسال مئات الآلاف من الجنود لغزوه في عام 2003، ليجدوا في نهاية المطاف أن ليس ثمة أسلحة دمار شامل.
ويشير الكتاب إلى أنه قد يكون من الصعب تقدير التهديدات لأسباب مختلفة منها ما يتعلق بالسرية بشأن برامج أسلحة الدمار الشامل، أما السبب الآخر فهو أن التهديدات غالباً ما تكون مبالغاً فيها أو يتم تجاهلها كجزء من لعبة عسكرية أو سياسية بين الدول أو في النشاط السياسي فيما بينها.
كما أنه قد يتشكل من ناحية أخرى تهديد ما ليس فقط من قدرة وإنما من نية قد تتغير مع مرور الزمن وتظهر صعوبة خاصة عند تقييم تهديدات ذات احتمالية ضئيلة ولكن تنطوي على عواقب كبيرة كخطر حيازة الإرهابيين لأسلحة نووية.
وفي تناوله لتهديدات الأسلحة النووية الموجودة يشير الكتاب إلى أنه على الرغم من تخفيض الأسلحة النووية ما بعد الحرب الباردة إلا أنه لايزال هناك 12 ألف سلاح نووي فعال منتشر وأكثر من 90 في المئة من هذه الأسلحة موجودة في ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا. ويقدر إجمالي الأسلحة المنتشرة وغير المنتشرة بنحو 27 ألفاً تقريباً.
ويوضح الكتاب أن الافتقار إلى الدقة في عدد هذه الأسلحة يعكس الطبيعة الناقصة للمعلومات المنشورة حول الترسانة النووية الموجودة، ولهذه الشفافية المحدودة الكثير من المضاعفات بما في ذلك الصعوبات التي تخلقها عند قياس التقدم في تحقيق أهداف نزع السلاح وضمان المحاسبة. كما يشير الكتاب إلى تهديدات الأسلحة الأخرى البيولوجية والكيميائية.
ويذكر التقرير أن التحقق الدولي عنصر حيوي لخلق ثقة في الامتثال للحد من التسلح ونزع السلاح إذ يؤمن التحقق وسائل حيوية لردع واكتشاف الخروقات كما يؤمن أساساً واقعياً لتحديد ما سيكون عليه رد الفعل من هذه الخروقات.
وفي حين كشف التفتيش وفقاً لنظام ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تصريحات كوريا الشمالية بشأن حيازتها للبلوتونيوم كانت مضللة فلقد فشلت في اكتشاف جهود العراق وليبيا في تطوير الأسلحة النووية كما إنها لم تكتشف فشل إيران في احترام التزاماتها وفقاً لنظام ضمانات الوكالة.
وقد دفعت هذه التجارب الحكومات لاستنتاج أن النوع التقليدي للتحقق للضمانات النووية والذي جرى تطويره والموافقة عليه في الستينات لم تكن لديه مناسبا وكان لابد من تعزيزه لخدمة الاحتياجات الحالية لنظام حظر الانتشار النووي.
ويؤكد الكتاب من خلال التقرير على حقيقة أساسية تمثل أساس السباق الحاصل لامتلاك مختلف أنواع الأسلحة وبشكل خاص النووية، فيقرر أنه ما دام لدى أي دولة أسلحة نووية سترغب دول أخرى في اقتناء مثل هذه الأسلحة وما دامت تلك الأسلحة موجودة يبقى خطر احتمال استخدامها في يوم من الأيام إما عن عمد وإما عن خطأ وأي استخدام من هذا النوع سيجلب كارثة.
وتؤكد اللجنة من خلال تقريرها الذي يتضمنه الكتاب رفضها الاقتراح القائل بأن حيازة البعض للأسلحة النووية لا يشكل تهديداً فيما تضع حيازة البعض الآخر لها العالم في خطر داهم. وهنا يؤكد أن الحكومات التي تملك أسلحة نووية يمكن أن تتصرف بطريقة مسؤولة أو متهورة، كما أن الحكومات يمكن أن تتغير مع مرور الزمن وحقيقة وجود 27 ألف سلاح نووي ليست نظرية مجردة لأنها موجودة في عالمنا الحاضر.
وفي محاولة للتدليل يشير التقرير إلى أن قنبلتي هيروشيما وناجازاكي والتي بلغت القدرة التفجيرية لكل منهما حوالي 20 طن من مادة تي إن تي أدتا إلى مقتل قرابة 200 ألف شخص. ثم يستعرض الكتاب قضية الامتثال والتحقق والإلزام ودور الأمم المتحدة فيشير إلى أن الجهود الهادفة إلى تخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل قبل حرب الخليج سنة 1991 منصبة أساساً على حمل الدول على إلزام نفسها بمعاهدات الحد من التسلح ونزع السلاح والاتفاق على معاهدات جديدة.
مشيراً إلى أن اتفاقية الأسلحة البيولوجية والسامة في العام 1972 بنيت على قواعد بروتوكول جنيف الذي تم التوصل إليه عام 1925 والذي يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية والجرثومية ثم جرى تطوير قواعد البروتوكول وتعزيزها في اتفاقية الأسلحة الكيميائية التي تم التوصل إليها عام 1993.
ويوضح الكتاب انه في حين جرى الاعتراف بالقضايا المرتبطة بالتنفيذ ـ المراقبة والتحقق والامتثال والتنفيذ ـ بوصفها قضايا مهمة فهي لم تحتل موقع الصدارة بوجه عام. وفي مسعى لمنع انتشار الأسلحة النووية رأى الكثيرون، من دون أن يكون في ذلك مبالغة، أن التركيز على البلدان التي ترفض الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار أهم من التركيز على مواطن الضعف في نظام الضمانات.
ورأى هؤلاء أنه في حال أرادت دولة ما أن تطور أسلحة نووية فسوف تحجم عن الالتزام بالمعاهدة بدلاً من أن تنضم إليها وتخرقها. في ذلك الوقت كانت الهند وباكستان وإسرائيل وجنوب إفريقيا والأرجنتين والبرازيل خارج المعاهدة. كما أنه على الرغم من إدانة العالم لخرق بروتوكول جنيف خلال الحرب العراقية الإيرانية عامي 1980 و1988 فإن ذلك لم يتحول إلى قضية دولية كبرى كما كان ينبغي أن يحدث.
ويقدم التقرير مجموعة من التوصيات المهمة التي يؤكد ضرورة أن تجد طريقها إلى التطبيق بمختلف الوسائل من أجل عالم خال من أسلحة الدمار الشامل. ومن ذلك أنه في مجال انتشار الأسلحة النووية ينبغي على الدول النووية الأطراف في معاهدة حظر الانتشار توفير ضمانات ملزمة قانوناً للدول الأطراف غير النووية في المعاهدة وينبغي على الدول التي تملك أسلحة نووية وليست طرفاً في المعاهدة توفير مثل هذه الضمانات بطريقة منفصلة.
كما يؤكد أنه ينبغي على كافة الدول دعم المبادرات الدولية التي تهدف إلى التخلص من المواد الانشطارية على نطاق عالمي وينبغي أن يشمل هذا الدعم تحويل المفاعلات البحثية من استخدام وقود اليورانيوم العالي الإثراء إلى وقود اليورانيوم المتدني الإثراء، وتخزين المواد الانشطارية في مواقع مركزية آمنة وإعادة المواد النووية المصدرة إلى مورديها للتخلص منها أو إزالتها بطريقة آمنة.
وفي مجال منع الإرهاب النووي يؤكد التقرير أنه يتعين على الدول منع الإرهابيين من امتلاك أسلحة نووية أو مواد انشطارية ومن أجل تحقيق هذا الغرض يتعين عليها المحافظة على محاسبة فاعلة بالكامل ومراقبة كافة مخزونها من المواد الانشطارية والمشعة والمصادر الإشعاعية الأخرى الموجودة على أراضيها.
وفي خطوة على طريق تحريم الأسلحة النووية يؤكد التقرير أنه ينبغي على كافة الدول التي تملك أسلحة نووية البدء بالتخطيط لأمنها من دون الاعتماد على الأسلحة النووية وينبغي عليها البدء بالتحضير لحظر الأسلحة النووية من خلال تدابير عملية ومرحلية تتضمن وضع تعريفات وتحديد معالم ومتطلبات تحقيق الشفافية لنزع السلاح النووي.
أما في مجال الأسلحة الكيميائية فيشير التقرير إلى أنه يتعين على الدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية توفير الموارد المناسبة لضمان عدم حصول تأخير لا داعي له في التدمير المتفق عليه لمخزونها من هذه الأسلحة.
وفي مجال ضوابط التصدير يشير التقرير إلى أنه ينبغي على مجموعة الدول الثماني توسيع النطاق الجغرافي والوظيفي للمساعدات التي تقدمها في مجال عدم الانتشار وينبغي على المجموعة ضمان التمويل الكامل لبرنامج وقف إنتاج البلوتونيوم القابل للاستخدام في الأسلحة وأنه ينبغي على الجهات المانحة المحتملة التفكير في كيفية توظيف المعونة الفنية والتدريب والمعدات والأموال في مساعدة الدول في كافة المناطق على تنفيذ القرار الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
مصطفى عبدالرازق
*الكتاب: أسلحة الرعب
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007
*الصفحات:255 صفحة من القطع الكبير
