مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبدالوهاب القصاب، العميد السابق في الجيش العراقي، والأمين العام لمركز الزمان للدراسات الاستراتيجية في بيروت. وسبق له أن أصدر العديد من المؤلفات، منها: المحيط الهندي وتأثيره في السياسات الدولية والإقليمية، 2000، والتسلح بين المفاهيمية والتطبيق، 2002، والميزان الاستراتيجي للوطن العربي، 2003.
ويتمحور هدف الكتاب حول سبر أغوار الحقائق والدوافع التي تذرعت بها الولايات المتحدة الأميركية كي تقوم بغزو العراق، الذي تحول إلى احتلال مرّ عليه خمس سنوات ودخل عامه السادس في أيامنا هذه. لذلك يمهد لتحليله بإلقاء الضوء على مرتكزات التخطيط الإستراتيجي العراقي منذ تأسيس دولة العراق الحديثة.
ومعلوم أن الغزو الأميركي الذي تعرض له العراق في بداية الألفية الثالثة نجم عنه احتلال غير مبرر، ولا يتمتع بأية شرعية دولية، وتزامن مع مزاعم بعض الدوائر الغربية التي كانت تبشر بأن الألفية الجديدة ستنهض على ثوابت جديدة في العلاقة بين الشعوب والدول وبين الشعوب وحكامها.
وجرى الحديث طويلاً عن نمط جديد من العلاقات سيحل محل النظرة الاستعلائية لشعوب الشمال من جهة، وستدفع شعوب الشمال بقيمها المبنية على التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان لكي تتبناها شعوب الجنوب المهضومة الحقوق سواء من قبل حكامها من جهة، أو من دول الشمال من جهة أخرى.
من هذا المنطلق يتناول مؤلف هذا الكتاب الاحتلال الأميركي للعراق، وتداعياته الإستراتيجية على المشهد العام في مجمل منطقة الشرق الأوسط، استناداً إلى أفق تحليلي، تسعى إلى سبر أغوار الحقائق والدوافع التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية إلى غزو العراق وتدمير دولته المستقلة إرضاء لقناعات نشأت على أوهام، ليس وهم القوة لوحده مظهرها.
واتبع المؤلف هيكلية حاولت تقديم إجابة واضح على تساؤل مهم يمثل أساس هدف الكتاب، مفاده: لماذا حصل ما حصل؟ وهل من سبيل كان ينبغي اتباعه لمنع حصول ما حصل؟ وعليه يتبع تسلسلاً منطقياً ينهل من مرتكزات التخطيط الاستراتيجي العراقي منذ تأسيس دولة العراق الحديثة، بغية إبراز العناصر الوطنية والقومية التي مثلت استمرارية في هذا التخطيط طيلة العهد الحديث التي دمرها الغزو والعدوان.
إلا أن أحد أبرز الأهداف في هذا المجال كان ينصب على بيان وإيضاح خصوصية تجربة حزب البعث الذي حكم العراق من 1968 إلى 2003، في تناولها للتخطيط الاستراتيجي العراقي، انطلاقاً من رؤية البعث العراقي لحجم التحديات التي تواجه الأمة العربية، وتبيان أهمية التعامل مع تحييد التحديات، وإزالة عناصر الضعف الذي يعاني منها كل من محصلة القدرة العربية من جهة، والتخطيط الاستراتيجي الذي يعاني من ضعف بين في الأدوات والوسائل المتاحة من ناحية أخرى.
ويتوقف المؤلف مطولاً أمام سبر أغوار مشكلات العراق الجيوسياسية الممثلة بالمشاكل المورثة للحدود العراقية الإيرانية، وسعي إيران للتدخل في الشأن الداخلي العراقي، مهما كان لون وشكل نظام الحكم في إيران، ويأخذ بتفسير ينطلق من تأثير المرجعية الفقهية الشيعية التاريخية في النجف على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الإيرانية، استناداً إلى سعة قاعدة التقليد للمرجعية الشيعية العليا التي مقرها النجف.
لكنه يركز، من ناحية أخرى، على الانتماء الحضاري للعراق، وانتماء العراق الأصيل تاريخياً إلى محيطه العربي، رغم تنوع مكوناته وتعددها، وهي حالة موجودة في غالبية المجتمعات الإنسانية، ولكن للعراق دور هام يعيشه ويتحمل تبعاته، وهو الجوار غير العربي للعراق. فحقيقة وجود كل من إيران وتركيا جارين للعراق تفرض حتماً علاقة تفاعلية بهما.
ونظراً لاختلاف نواتج العلاقة التفاعلية المذكورة فإن تعارض التخطيط الاستراتيجي الإيراني والتركي يؤثر على العراق، وهنا يرسم المؤلف نمطين للعلاقات العراقية ـ الإيرانية، والعلاقات العراقية ـ التركية، الأول يتحدد بعلاقات عراقية ـ إيرانية متوترة، تهدف فيها إيران إبقاء العراق ضعيفاً بما يساعدها في تحقيق مصالحها فيه.
والثاني بعلاقات توافقية بين العراق وتركيا، وتركيا تهدف منها إلى ضمان أمن حدودها من احتمال تسرّب التمرد الكردي إلى أراضيها، وتتيح لها التواصل عبر العراق مع المجال الأوسع في الخليج والجزيرة من جهة، وتؤمن لها احتياجاتها النفطية من جهة أخرى، وتتيح لها أيضاً توظيف صلتها بتركمان العراق لاستخدام النفوذ فيه.
ويعتبر المؤلف أن أخطر ما أثر على العراق خلال حقبة حكم البعث هو انعكاس الخلافات الشخصية والإيديولوجية بين جناحي البعث في العراق وسوريا بشكل سلبي على كيان الدولتين العربيتين المهمتين اللتين يحكمهما البعث. وكان بإمكان جناحي البعث لو تعاليا على خلافاتهما أن يحولا استلامهما السلطة إلى فرصة لإعادة رسم خريطة المشرق العربي، بما يعيد تقديمه كتلة ذات أهمية إستراتيجية عظمى.
وهو مجرد تمني لأن واقع الحال كشف عن استبداد وانهيار وتشرذم، حيث لم يصدر عن جناحي البعث سوى مجرد تهويمات وإعلانات حماسية عن الوحدة، مقابل حفاظ كل منهما على السلطة بأي ثمن كان، والعمل القطري المكرّس للتجزئة والانقسام.
فيما كان المطلوب هو العمل بدأب على إعادة تأسيس علاقة وظيفية تراكمية يومية بين مختلف مستويات الفعل والإنجاز في البلدين، وليس تعميق الخلاف والعداء بين الجناحين، وانتقاله إلى خلاف شخصي بين رئيسي البلدين. وقد أثر ذلك تأثيراً عميقاً على مصالح البلدين والشعبين، لدرجة أن النظامين منعا مواطنيهم من السفر إلى كلا البلدين، وحاكا المؤامرات والحركات العنفية والانقلابية.
ويحدد المؤلف الأهداف الأميركية في العراق إلى صنفين، دوافع ظاهرة، ودوافع كامنة، حيث تتجسد الدوافع ظاهرة في استمرار العراق في تطوير أسلحة الدمار الشامل وانتهاك قرارات الأمم المتحدة في هذا المجال. واستمرار العراق تهديد جيرانه.
وتوظيف مدعيات مثل الطبيعة الدموية والقمعية للنظام العراقي ضد شعبه لنزع صدقيته وحشد التأييد الدولي للمغامرة القادمة. والإيحاء بأن للعراق صلة ما بالإرهاب ليبرر ما سيتخذ ضده باعتباره جزءاً من الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب.
أما ناحية الدوافع الكامنة، فيحددها في الاحتياطات النفطية الهائلة، المستكشفة وغير المستكشفة. والموقع الجيوستراتيجي العملاق للعراق وتوسطه الأقاليم ذات الاحتياطات النفطية الكبرى، وتطابق ذلك مع المسعى الأميركي لإنشاء ما يسمى إقليم الشرق الأوسط الكبير، الأمر الذي يجعل العراق بحق عاصمة لهذا الإقليم الجديد.
وإن إلقاء نظرة على حجم السفارة الأميركية في بغداد وعديدها يوحي بالإصرار الأميركي على تحقيق ذلك. بالمقابل، يتعرض المؤلف لأخطاء الحكومة العراقية الإستراتيجية التي استفاد منها الغازي لترسيخ القناعة الدولية بأننا إزاء حكم لا يمكن تأهيله وأن العلاج الوحيد هو التعامل معه بعنف.
وينتقد كذلك فكرة الدفاع العراقية خلال أيام الغزو الأميركي، مقدماً بعض الملاحظات حول أداء القوت المسلحة العراقية. ويشير في هذا الصدد إلى أن المقاومة العراقية المتنامية هي واحدة من أهم السمات والدروس المستفادة من الغزو الأميركي لبلاد الرافدين.
وفي الختام، يرى المؤلف أن الاحتلال في القرن الواحد والعشرين أمر لا يستقيم، لا مع منطق الحياة، ولا مع مدعيات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ورسالة أميركا للعالم كما تدعي إدارتها ومراكز بحوثها ودراساتها.
لذلك، فإن هنالك فرصة في المستقبل إذا ما تولت إدارة حرة، ديمقراطية على الأرجح، السلطة في الولايات المتحدة لإيجاد حلول واقعية ومنطقية للمأزق المزدوج: المأزق التفتيتي العراقي المهدد باستيطان العنف، والمأزق الأميركي المتمثل بتصاعد الخسائر والتكلفة الباهظة واهتزاز صورة الولايات المتحدة الأميركية عالمياً، باعتبارها القوة الأعظم على هذا الكوكب.
وسيأتي اليوم الذي ستقف فيه الإدارة الأميركية أمام محكمة الضمير، وسيكون على أشخاص مثل تشيني ورامسفيلد أن يقدموا إجابات لضمائرهم أولاً، وللرأي العام الأميركي ثانياً، ومن ثم لمن سيحاكمونهم من قضاتهم.
عمر كوش
*الكتاب:احتلال ما بعد الاستقلال
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت2007
*الصفحات:360 صفحة من القطع الكبير
