ولد صموئيل بتلر في 4 ديسمبر عام 1835 ونشأ في بيئة دينية، وكان مرسوما له منذ طفولته أن يسير على خطى والده وأجداده، وتعلم في ذات المدارس التي كان جده ووالده يعملان فيها، وسارت حياته كما خطط لها حتى بلغ الثالثة والعشرين، حيث تمرد على الحياة وعلى والده توماس الذي كان نموذجا للأب القاسي الصارم كما صوره ابنه في إحدى رواياته التي حققت له شهرة كبيرة حتى يومنا هذا.
وخلال فترة إعداده لدخول سلك الكهنوت، أمضى بتلر عامي 1858 و1859من حياته في حي فقير في لندن. وهناك خلال عمله في مدرسة فقيرة اكتشف أنه لا تأثير لبعض الشعائر الدينية على سلوكيات وأخلاق الفتيان، وكتب عن ذلك لاحقا في روايته «الفردوس العادل».
ولدحض حيرته وشكوكه بدأ بمراسلة والده ومناقشته في هذا الجانب آملا أن يعزز قناعاته، إلا أن استياء الأب واتهامه له بضعف إيمانه وازدرائه لتساؤلاته، دفع صموئيل إلى التخلي عن مساره والبحث عن عمل يتناسب مع ميوله. كانت رغبته أن يصبح فنانا، إلا أن معارضة والده دفعته إلى السفر بعيدا قدر الإمكان عن عائلته وبذا اتجه إلى نيوزيلندا وعمل في مزارعها وعاد عام 1864 بعد أن أمضى 5 أعوام وادخر ما يكفيه من مال.
وفي لندن اتجه نحو الكتابة بالإضافة إلى محاولاته في الرسم وتأليف الموسيقى وإن لم يحقق نجاحا يذكر فيهما، ومع نشره لروايته الأولى الطوباوية «إيرهون» عام 1872حقق نجاحا وشهرة في الأوساط الأدبية. كما أبدى اهتماما وحماسا لنظرية داروين التي تحكي عن تطور وتحول العناصر الحية.
وسرعان ما سحب بتلر هذه النظرية على التحولات الفكرية والاجتماعية والمبادئ والأخلاق الإنسانية، وكتب العديد من المقالات والدراسات في هذا الإطار مع ترجمته للأوديسا والإلياذة وشكسبير، وقدم دراسة بين فيها أن كاتب الأوديسة ليس إلا سيدة من صقلية وليس هومر. وتوفي بتلر في مقر سكنه الذي عاش فيه بعد عودته من نيوزلندا، في 18 يونيو عام 1902 بعد أن عاش سنواته الأخيرة في يسر نظرا للثروة التي ورثها عن والده.
أما الرواية التي رسخت مكانته في عالم الأدب الكلاسيكي، كانت «سلوك جميع الأحياء» التي بدأ بكتابتها عام 1872 وكان يراجعها ويعيد كتابتها على مر السنوات وطلب من صديقه نشرها بعد وفاته. وهذه الرواية التي يأتي ترتيبها في المركز الثاني عشر ضمن أعظم مئة رواية للقرن العشرين تبعا لتصنيف مجلس محرري المكتبة الحديثة، تعتبر أول رواية دخلت القرن العشرين، لكونها خرجت عن سياق أسلوب الأدب الفكتوري للقرن التاسع عشر من خلال معالجتها للموروث الفكري والحوار مع الذات في مونولوج داخلي.
تغطي أحداث رواية «سلوك جميع الأحياء» المقاربة لسيرته الذاتية، أربعة أجيال من عائلة بونتيفيكس من عام 1727 إلى 1882، ويتناول فيها مفهوم العلاقة بين بطل الرواية إرنست بونتيفيكس ووالده ثيوبولد وجده، في سياق موروث الشخصية وتفاعلها مع البيئة المحيطة بها والتحولات التي تطرأ عليها.
وما يحكي عنه بتلر هو السلوكيات المتوارثة أبا عن جد، ابتداء من جون رجل الدين، الجد الذي كان يعمل نجارا وتوفي عام 1812 إلى ابنه الوحيد جورج الذي رزق به بعد مضي خمسة عشر عاما على زواجه عام 1765. وكان الابن جورج متفوقا في دراسته للغات وانتقل للعمل في لندن لدى زوج خالته في دار نشره، ونظرا لنشاطه واجتهاده سرعان ما أصبح شريكا في الدار. وفي السابعة والعشرين من عمره تزوج وأصبح أبا لخمسة أبناء، منهم ثيوبولد وأخته الصغرى أليثيا.
بعد وفاة زوج خالته ورث جورج ممتلكاته وبات ثريا، وكان يعامل ابنه ثيوبولد بقسوة وصرامة مهيئا إياه ليكون كاهنا، إلا أن الابن الذي لم يرغب في ذلك رضخ لدخول مسلك الدين. وخلال دراسته تتعاون زوجة المدير مع إحدى صديقاتها لتزويج ثيوبولد واحدة من بناتها الخمس.
ونظرا لسذاجته يتزوج كريستينا التي تكبره بأربعة أعوام ولا تربطه بها أية عاطفة، وينجبا ثلاثة أبناء أكبرهم بطل الرواية إرنست الذي ولد عام 1835.يقرر ثيوبولد أن يعامل ولده أيضاً بذات القسوة بهدف تعليمه الطاعة، ولا يتردد في ضربه وإذلاله حتى بات الطفل متعطشا للحب والأمان، والذي قيل له منذ طفولته بأنه سيصبح كاهنا، وعليه تم إرساله إلى ذات المدرسة ضد رغبته أيضا.
والشخصيتان الوحيدتان اللتان كانتا تتعاطفان مع إرنست، هما عرابه راوي العمل أوفرتون كاتب الدراما المثقف وميسور حال، وعمته أليثيا التي تربطها صداقة عميقة بأوفرتون. ودفع تعاطف العمة معه إلى انتقالها إلى ذات البلدة التي يقيم فيها إرنست لتشرف على رعايته وبناء شخصيته، إلا أنها سرعان ما وافتها المنية، وإن أوصت وهي تحتضر بثروتها لإرنست وجعلت أوفرتون وصيا عليها على أن لا يستلم الشاب ميراثه إلا بعد بلوغه الثامنة والعشرين ليكون أكثر حكمة.
وفي سلك الكهنوت يحتال أحد القساوسة على إرنست ويسلبه ثروته الضئيلة من عائلته، وبذا يبدأ مرحلة اكتشاف واقع الحياة، وطرح التساؤلات ومن ضمنها بعض شعائر الدين، ولدى مراسلة والده بشأنها تسوء العلاقة من جديد فيترك الشاب مقره ويختار العيش في الأحياء الفقيرة، ونظرا لسذاجته كان جميع من شاركه السكن قادرا على تغيير قناعاته حتى اليوم الذي دخل فيه السجن، نظرا لتحرشه بإحدى النزيلات ظنا منه أنها كالأخريات كما قيل له.
بعد انتهاء مدة الحكم، خرج أكثر وعيا ونضجا وقرر التخلي عن الكهنوت واتخذ مهنة له في الخياطة، وعلى الرغم من نصيحة عرابه ارتبط بالخادمة السابقة لعائلته إيلين، ويكتشف لاحقا أنها مدمنة كحول وتشتد الصعاب مع إنجابها لطفلين وإسرافها في الشرب وبالتالي نقص المورد المالي.
وأخيرا يسعفه الحظ حينما يلتقي بسائق عربة عائلته السابق ليكتشف أنه زوج إيلين، وعليه يدرك أن زواجهما باطل. وبعد تحرره من ذاك العبء، يرتب حياة الطفلين ويعمل لدى أوفرتون في الحسابات تبعا لما خططه الأخير، تمهيدا لتسليمه ثروته بعد مضي زمن قصير والتي لا يدري عنها شيئا.
