مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي من أصل هندي: مايانك شهايا. ومنذ ربع قرن وهو يشتغل كمراسل لكبريات الصحف الأميركية في الهند وباكستان وسريلانكا. وهو مقيم بين شيكاغو ونيويورك. وله علاقات وثيقة بالدالاي لاما ويعرف عنه الكثير.

فمن هو هذا الرجل الذي يتحدى الصين الآن في التيبت؟ من هو الدالاي لاما الذي يعتبر إحدى أهم الشخصيات الدينية في العالم بالإضافة إلى البابا وبعض الآخرين؟ الكثيرون يعتبرونه الضمير الكوني العالمي أخلاقيا وروحيا. ولكن الصين تعتبره عدوها الأول.

يقول المؤلف بما معناه: ينبغي العلم بأن الدالاي لاما هو لقب يتخذه الزعماء الروحيون لبلاد التيبت منذ القرن السابع عشر وحتى اليوم. وبالتالي فالرجل الذي يحمل هذا اللقب اليوم ليس أول دالاي لاما في التاريخ وإنما الرابع عشر.

فقد سبقه ثلاثة عشر دالاي لاما آخرون. وكلمة الدالاي لاما تعني في لغة تلك البلاد: محيط من الحكمة. وبالتالي فهو يعتبر بمثابة ذروة العلم والحكمة من قبل البوذيين في منطقة التيبت وربما المناطق المجاورة أيضا في الهند وسواها.

ولكن الدالاي لاما ليس فقط الزعيم الروحي للبوذيين هناك وإنما الزعيم السياسي أيضا. من هنا المكانة السياسية الخطيرة التي يتبوأها عالميا، ومن هنا أيضا الصراع الدموي المفتوح بينه وبين الصين. فكلمة منه قد تثير انتفاضة عارمة في بلاد بأسرها. وإشارة منه قد تهدئها.

والاسم الحقيقي للدالاي لاما الحالي الذي يشغل وسائل الإعلام هو: تنزان غياتسو. ولكن لا أحد يعرف هذا الاسم لأن لقب الدالاي لاما غطى عليه. وقد ولد عام 1935 وبالتالي فهو يتجاوز السبعين عاما الآن. وله هيبة عالمية كبيرة.

يضاف إلى ذلك أن ثقافته واسعة ليس فقط في مجال العلوم الدينية البوذية وإنما أيضا في مجال الفلسفة الغربية والشرقية.

وأما قصته مع السياسية فيمكن تلخيصها في الكلمات التالية: في عام 1949 وصل ماوتسي تونغ إلى سدة الحكم في الصين. وقد رفض الاعتراف باستقلال منطقة التيبت المنصوص عليه منذ عام 1913.

ولذلك أرسل إليها جيشه عام 1950 لاحتلالها وضمها. ولكنه زعم ظاهريا أنه يهدف فقط إلى تحريرها من القوات الأجنبية. وفي ذات العام أصبح الدالاي لاما الحالي رئيسا لدولة التيبت وعمره لا يتجاوز الخامسة عشرة. وقد أمضى السنوات التسع التالية في البحث عن حل سلمي للأزمة مع الصين، ولكنه فشل.

وعندئذ اضطر للهرب إلى الهند حيث استقر وأعلن حكومة التيبت في المنفى. وفي أثناء الثورة الثقافية الصينية بلغ اضطهاد سكان تيبت ذروته على أيدي النظام الصيني.

وبما أن ماو تسي تونغ كان شيوعيا راديكاليا فإنه أعلن حربا مفتوحة على كل الأديان، وأمر أتباعه بتدمير كل الأديرة البوذية وأماكن العبادة. كما وأمرهم باعتقال الرهبان والراهبات البوذيات وتعذيبهم جميعا في السجون وذلك لأن الديانة البوذية مثل المسيحية فيها رهبان وراهبات.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولا يزال سكان التيبت منذ الخمسينات من القرن الماضي وحتى الآن يتعرضون للقمع الصيني. وبالإضافة إلى ذلك فإن الصين ابتدأت سياسة الاستعمار الاستيطاني في بلاد التيبت. فهي ترسل إلى هناك مواطنيها بمئات الألوف لشراء الأراضي أو حتى مصادرتها والإقامة فيها أبديا. وبالتالي فربما أصبح الصينيون قريبا أكثر عددا من السكان الأصليين في بلاد التيبت.

وهذا قد يؤدي بعد فترة إلى أن يصبح سكان التيبت الأصليين غرباء في أراضيهم. فالصينيون قد يصبحون أكثر عددا منهم في وطنهم الخاص بالذات. وربما أدى ذلك أيضا إلى انقراض ثقافة التيبت من الآن وحتى خمسة عشر عاما كما يقول الدالاي لاما. وهذا يعني أن وجود البلاد وهويتها أصبح في خطر.

والواقع أن هذا الزعيم الروحي ـ الدنيوي لبلاد التيبت ما انفك يدين أفعال النظام الصيني في بلاده وقمعه لرعيته المتمسكة به وبشرعيته. وأما النظام الصيني فإنه يدين الدالاي لاما باعتباره مصدر شغب وأداة حرب ضده. ولكن على الرغم من كل ذلك فإن الدالاي لاما لم يغير نهجه الداعي إلى نبذ العنف حتى انفجرت الأمور أخيرا.

فالديانة البوذية كما يفهمها مناقضة للعنف ولا تؤمن له كوسيلة لنيل الحقوق حتى عندما يكون المرء مقموعا ومضطهدا. وبهذا المعنى فإن الدالاي لاما يشبه غاندي ويسير على خطاه. وهو لا ينفك يطالب الصين بالمفاوضات من أجل التوصل إلى تسوية معقولة. وفي عام 1961 وجه نداء إلى الأمم المتحدة لكي تساعده على نيل التيبت لاستقلالها. ولكن بما أن الأمم المتحدة لا تتجرأ على إغضاب الصين فإنها لم تفعل شيئا يذكر حتى الآن.

ثم جاء عهد دينغ هسياو بينغ خليفة ماو تسي تونغ واتبع سياسة الانفتاح والتسامح. وقال للدالاي لاما: كل شيء قابل للتفاوض ما عدا الاستقلال.

ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن فإن الدالاي لاما لم يعد يطالب إلا بالاستقلال الذاتي الحقيقي داخل إطار الجمهورية الشعبية الصينية. ولكن حتى الآن لم تبدأ أي مفاوضات مباشرة بين الدالاي لاما والحكومة الصينية وإنما فقط مشاورات بين وسطاء للطرفين ولقاءات غير رسمية.

ثم يوضح المؤلف الموقف الراهن قائلا: لم تعد الصين تحارب الأديان أو تضطهدها كما كانت تفعل في عهد ماو تسي تونغ. فالبوذية مثلا أصبحت ديانة مسموحة حتى في بكين. وهي تمارس طقوسها وشعائرها بكل حرية. ولكن الحكومة الصينية تطالب البوذيين بإدانة زعيمهم الدالاي لاما.

وهذا من أصعب الأمور عليهم لأنه ليس فقط زعيما سياسيا بالنسبة لهم وإنما أيضا الزعيم الديني والروحي الأعظم. فكيف يمكن لهم إذن أن يتبرأوا منه أو أن يلعنوه على رؤوس الأشهاد؟ مستحيل...

ولهذا السبب انفجرت المشاكل بين الطرفين. نقول ذلك وبخاصة أن أساليب القمع السرية أشد خطورة من العلنية.

وهذه الأساليب غير المرئية أو غير المباشرة هي التي أجبرت كبار رجال الدين البوذيين على مغادرة التيبت والعيش في المنفى مثل الدالاي لاما.

هذا وقد تلقى الدالاي لاما دعم المنظمات الإنسانية العالمية لنضاله من أجل حرية شعبه. نقول ذلك وبخاصة أنه يحرم استخدام العنف من أجل الوصول إلى الحقوق. فهو لا يؤمن إلا بالمقاومة السلمية أو السلبية لنظام القمع الصيني.

ولهذا السبب منحوه جائزة نوبل للسلام عام 1989 ثم الميدالية الذهبية للكونغرس الأميركي عام 2007. ولا ريب في أن الدالاي لاما يتمتع بشخصية استثنائية ويحظى باحترام العالم أجمع.

وهذا ما يغيظ النظام الصيني أشد الغيظ. وإذا كان هذا الزعيم يحظى بشعبية عارمة في بلاده والعالم الخارجي فإن ذلك يعود إلى أفكاره ومبادئه المثالية. فهو يدعو إلى سياسة اللاعنف والتوصل إلى الحقوق عن طريق الحوار والوسائل الديمقراطية المتاحة والصبر على النوائب والشدائد.

كما ويدعو إلى احترام الآخر غير البوذي لأنه إنسان مثله مثل أي بوذي. وبالتالي فلا يمكن أن يحقد على الناس الذين لا يعتنقون دينه أبدا. كل واحد حر في أن يؤمن بالدين الذي يشاء.

فهو يعترف بالتعددية الدينية في العالم ويحترم كل الأديان الأخرى والكبرى للبشرية كالإسلام، والمسيحية، واليهودية، والهندوسية وسواها. يضاف إلى ذلك أنه متعمق في دراسة الفلسفة الغربية والشرقية إلى أقصى حد ممكن. وبالتالي فهو رجل دين مثقف جدا.

*الكتاب:دالاي لاما:

الإنسان، والراهب، والصوفي

*الناشر: دوبلدي بوكس

لندن ، نيويورك 2007

*الصفحات: 352 صفحة من القطع الكبير

Dalai Lama : man, monk, mystic

Mayank Chhaya

Doubleday - London New York 2007

P.352.