مؤلفة هذا الكتاب هي الكاتبة والصحافية الفرنسية المعروفة دومينيك لولييفر. وهي مشهورة بتقديم بورتريهات أو صور شخصية لاذعة وحادة عن السياسيين والفنانين والكتاب في جريدة ليبيراسيون الفرنسية. وكانت قد نشرت سابقا روايتين بالإضافة إلى سيرة حياة المطرب المعروف سيرج غانسبورغ.
وفي هذا الكتاب الجديد تتنطح المؤلفة لتقديم سيرة حياة أشهر أديبة فرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين: فرانسواز ساغان. ومعلوم أنها كانت قد اشتهرت وهي في الثامنة عشرة عندما نشرت روايتها الأولى: مرحبا أيها الحزن. وهذا شيء نادر في تاريخ الأدب. فلا نعرف أحدا كتب روائع أدبية في مثل هذه السن المبكرة، اللهمّ إلا رامبو في مجال الشعر.ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن رائعتها الأدبية كانت بمثابة فضيحة كبرى هزت فرنسا آنذاك. فنحن في بداية الخمسينات والفرنسيون كانوا تقليديين حريصين على سمعتهم وبخاصة العائلات البورجوزاية الغنية. وفرانسواز ساغان كانت من هؤلاء. وبما أنها تصور في روايتها العلاقات الجنسية بشكل صريح وحر جدا فإن والدها حذرها قائلا: إياك أن تنشري الرواية باسمك الحقيقي. فهذا يشكل فضيحة لي ولكل العائلة. ولا أريد أن تشوه سمعتي بين الناس. انشريها باسم مستعار أو بدون اسم على الإطلاق.
ومعلوم أن فرانسواز ساغان لم تكن تدعى باسم ساغان وإنما باسم كواريز. كل الناس في المدرسة يعرفون فتاة ذكية، نزقة، جريئة، تدعى فرانسواز كواريز. في ذلك الوقت لم يكن أحد يعرف باسم فرانسواز ساغان بسبب بسيط هو أنها لم تكن قد اخترعت هذا الاسم الجديد المستعار بعد.
وقد فكرت طويلا قبل أن تهتدي إليه. ولم تتوصل إلى اسمها المستعار إلا بعد أن رأت خارطة لألمانيا وعليها اسم مدينة تدعى: ساغان. وعندئذ قررت على الفور أن تنشر روايتها تحت اسم: فرانسواز ساغان. وهكذا اشتهرت بهذا الاسم إلى حد أن الناس نسوا اسمها الأصلي بل ولم يعد يعرفه أحد.
هل نعلم بأن الكاتب الشهير ستندال فعل نفس الشيء؟ فهو لم يكن يدعى ستندال وإنما «بايل» ولكنه اخترع هذا الاسم لكي يشتهر به في عالم الأدباء. وقد كان. وستندال أيضا هو اسم مدينة في ألمانيا. وبالتالي ففرانسواز ساغان فعلت مثل سلفها الكبير الذي ألف روايته الخالدة: الأحمر والأسود. وهي من أعظم الروايات في تاريخ فرنسا.
مهما يكن من أمر فإن رواية فرانسواز ساغان التي صدمت مشاعر الكثيرين حظيت بعناية شخصية أدبية مهمة هي: فرانسوا مورياك. فعلى الرغم من أنه مسيحي مؤمن بالدين إلا أنه أعجب بالأسلوب والكتابة الفنية الراقية للمؤلفة. ولذلك كتب مقالة في مجلة الإكسبريس يعبر فيها عن هذا الإعجاب.
ويمكن القول ان هذه المقالة ساهمت في سرعة انتشار الرواية وفي شهرة فرانسواز ساغان. ففرانسوا مورياك كان يعتبر آنذاك قمة الأدب الروائي والفكر الفرنسي. وكان صديقا للجنرال ديغول ومقربا منه. وكانت مقالاته في الإكسبريس مقروءة من قبل كل شخصيات فرنسا ومن ملايين الناس. وبالتالي فتأثيرها كان كبيرا جدا على الجمهور الفرنسي المثقف.
ثم توجت الرواية بجائزة مهمة تصل إلى مئة ألف فرنك فرنسي. ولكن بما أن الصبية التي كتبتها كانت صغيرة ولا تمتلك حسابا في البنك فإنهم لم يستطيعوا أن يعطوها شيكا بالمبلغ. ولذلك أعطوها الفلوس عدا ونقدا. وهكذا عادت إلى البيت بمبلغ ضخم لم تحصل عليه في حياتها أبدا.
ومن أهم أعضاء لجنة التحكيم الذين أعطوا الجائزة؟ إنهم أشهر كتّاب فرنسا في ذلك الوقت. يكفي أن نذكر أسماءهم لكي نعرف ذلك: موريس بلانشو أكبر ناقد أدبي في القرن العشرين، جورج باتاي أحد أكبر المفكرين والكتاب أيضا، روجيه كايوا فيلسوف مشهور، إلخ. كلهم وقعوا تحت سحر هذه الرواية الجريئة، الفضائحية، التي كتبتها فتاة في الثامنة عشرة من عمرها.
ثم كان النجاح تلو النجاح. فدار النشر التي طبعتها والتي تدعى جوليار ما كانت تتوقع بيع أكثر من خمسة آلاف نسخة من الرواية. فإذا بها تبيع خلال شهر واحد خمسة وأربعين ألف نسخة. ثم بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الرقم إلى مئتي ألف نسخة. وهكذا دواليك.
وأصبحت فرانسواز ساغان غنية جدا بفضل رواية واحدة. ومعلوم أن الكتّاب في فرنسا يعيشون من مؤلفاتهم إذا ما اشتهروا لأن حقوقهم محفوظة ولا يتلاعب بها الناشرون كثيرا. فالكاتب الذي يبيع من روايته أو كتابه نصف مليون نسخة أو مليونا أو حتى أكثر يصبح مليونيرا بالفعل. ولا يعود بحاجة إلى أي عمل آخر لكي يعيش.
وهكذا ابتدأت فرانسواز ساغان حياتها بنجاح منقطع النظير. فعادة لا يشتهر الكتّاب إلاّ بعد الخمسين، وبعد نشر العديد من أعمالهم الأدبية. وعموما تكون أعمالهم الأولى تجريبية وغير ناضجة ولا تهدف إلا إلى تحضيرهم لإبداع الروائع لاحقا. أما هي فقد نجحت من أول ضربة كما يقال.
ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن ربما كانت هذه الشهرة قد أساءت إليها لاحقا. فلم يعد الناس يتذكرون منها إلا روايتها الأولى. ونسوا أنها كتبت عشرات الكتب والروايات بعدها. ولكن عندما تسأل أحدهم عن أعمال فرانسواز ساغان فإنه لا يتذكر عادة إلا اسم الرواية الأولى: مرحبا أيها الحزن. ولكن هذه الرواية الخالدة التي صدرت عام 1954 تلتها روايات أخرى قد لا تقل قيمة إن لم تزد.
نذكر من بينها: ابتسامة ما (1956)، في شهر، في سنة (1957)، هل تحبون برامز (1959)، الفيوم الرائعة (1961)، قليلا من الشمس في الماء البارد (1969)، الخ. لقد كتبت فرانسواز ساغان كثيرا، بل وكانت تصدر عمليا كتابا واحدا في السنة. ولكن لا أحد يتذكر منها إلا روايتها الأولى التي قضت على كل أعمالها اللاحقة.
وهذا ظلم. ثم تخصص المؤلفة فصلا للتحدث عن علاقة فرانسواز ساغان بجان بول سارتر. وهي علاقة حصلت في أواخر عمر الفيلسوف وبعد أن أصبح أعمى بالكامل. ولذلك أشفقت عليه فرانسواز ساغان وراحت تهتم به. وكانت تخرجه كل عشرة أيام إلى المقهى وتمسك بيده حتى يصل إلى الطاولة التي سيجلس عليها. وبالطبع كان الجميع يعرفون من هما ولذلك فكانوا يهتمون بخدمتها فورا.
وكانت فرانسواز ساغان تشعر بمتعة عجيبة وهي جالسة في حضرة الكاتب الأعظم الذي ملأ حياتها وشبابها الأول. فعندما كانت في بداية حياتها الأدبية كان اسم سارتر يملأ باريس كلها ويغطّي على ما عداه. وكانت معجبة به لأسباب عديدة منها كرمه الحاتمي.
فسارتر كان يصرف الفلوس على الناس بدون حساب وبدون أن يطلب أي مقابل، وهي كانت كذلك مثله. كانت كريمة وتصرف إلى حد التبذير. ثم كانت معجبة به لأنه رفض جائزة نوبل على الرغم من ضخامتها المالية. فهي تتجاوز حاليا المليون يورو. وهو رقم كبير جدا ومغر.
*الكتاب:فرانسواز ساغان بأقصى سرعة
*الناشر: دينويل ـ باريس 2008
*الصفحات :345 صفحة من القطع المتوسط
Sagan à toute allure
Marie-Dominique Lelièvre
Denoël - Paris 2008
P.345

