مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي دني لاكورن الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس. وقد سبق أن نشر كتابين مهمين هما: كيفية تشكل الجمهورية (1991)، ثم أزمة الهوية الأميركية (1997).

وهو من كبار المختصين الفرنسيين بشؤون المجتمع الأميركي، ولذا فإنه يقدم في هذا الكتاب أحد المراجع الأساسية عن الدين في أميركا. ومعلوم أن هذا الموضوع شغل الباحثين كثيرا في السنوات الأخيرة. وكان جورج دبليو بوش قد أعلن عن ولادته الثانية وعودته إلى الدين. بل وقال ان الدين هو الذي أنقذ حياته وشخصيته من الانهيار. ومعلوم أنه كان يتعاطى شرب الكحول كثيرا في شبابه الأول ولولا الدين لما استطاع الإقلاع عن هذه العادة المدمرة للصحة الجسدية والنفسية.ثم يضيف المؤلف قائلا: ولكن الدين في أميركا أخذ يشغل الباحثين والمراقبين الخارجيين منذ عهد رونالد ريغان وليس فقط منذ عهد بوش الابن. فريغان كان أول من دعا الأميركان إلى العودة إلى دين آبائهم وأجدادهم والتمسك بقيم أميركا التقليدية. ولا ينبغي أن ننسى الدور الذي لعبه أيضا سلفه جيمي كارتر ولكن ضمن اتجاه آخر أكثر استنارة وإنسانية.

وهناك رأي شائع بأن الولايات المتحدة هي البلد الأكثر تدينا في كل العالم الغربي. فممارسة الطقوس الدينية فيها مرتفعة جدا بالقياس مع فرنسا مثلا وخطابات رجال السياسة متأثرة جدا بالمرجعيات الدينية. وهناك عدد كبير من النواب وأعضاء الكونغرس بل وحتى الرؤساء كجيمي كارتر وبوش الابن ممن يدعون بأنهم يتواصلون مع السماء. وهم يعتبرون بأن يسوع المسيح هو الذي يلهمهم أفكارهم ويقود أعمالهم ويهديهم إلى طريق الرشاد.

ومثل هذا الكلام لا يمكن أن تسمعه من قائد أوروبي حيث تسود العلمانية الصرفة وحيث يكون الفصل كاملا بين الدين والسياسة. ولكن هذا لا يعني أن أميركا أو بالأحرى الجمهورية الأميركية ليست بلدا علمانيا.

هذا خطأ في تصوري ويدل على جهل بطبيعة المجتمع الأميركي، فالواقع أن الآباء المؤسسين وضعوا العلمانية في صلب الدستور والقانون. ولا أحد يعاقب المواطن الأميركي لأنه ليس متدينا، ولا أحد يستطيع أن يجبره على الصلاة أو أداء الطقوس والشعائر المسيحية.

ثم يردف المؤلف قائلا: وبالتالي فكفانا نحن الأوروبيين كليشيهات خاطئة عن المجتمع الأميركي. إن هذا المجتمع يؤمّن لك الحرية الدينية كاملة: أي أن تؤمن أو لا تؤمن، أن تمارس الطقوس والشعائر أو لا تمارسها على الإطلاق أنت حر. ومن هذه الناحية فإنه لا يقل حرية عن المجتمع الفرنسي أو الانجليزي أو الألماني.

الفرق الوحيد هو أن أحدا لن يستهزئ بك هناك إذا ما كنت مؤمنا أو متدينا كما يحصل في أوروبا، حيث أصبح التديّن وكأنه سبّة أو شتيمة أو كأنه رجعي من بقايا العصور المتخلّفة.

ثم يضيف المؤلف قائلا: لا ريب في أنه يوجد تيار أصولي بروتستانتي في الولايات الجنوبية بشكل خاص، وهو يشكل كتلة كبيرة قد تصل إلى الأربعين مليون شخص ما بين منظّم ومتعاطف مع التيار.

وهو الذي رفع رأسه وصوته كثيرا بعد ضربة 11 سبتمبر ودعا إلى معاقبة العرب والمسلمين. هذا شيء مؤكد، بل وله جرائده ومجلاته وحتى فضائياته التلفزيونية حيث ترى الدعاة المسيحيين يلقون خطبهم ومواعظهم الحامية على مدار الساعة.

كل هذا صحيح. ولكن يبقى صحيحا أيضا أن المجتمع الأميركي في أغلبيته الكبرى ليس أصوليا ولا حتى متدينا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هو مجتمع ليبرالي يسمح لك بأن تعيش حياتك الفردية كما تشاء، فلا أحد يجبرك على الذهاب إلى الكنيسة ولا أحد يمنعك من الذهاب أيضا إذا ما رغبت في ذلك.

ويرى المؤلف أن الهوية القومية للولايات المتحدة متأصلة في الأسطورة التأسيسية للبلاد. وهي الأسطورة التي تقول ان الشعب الأميركي هو حصيلة تاريخ مجيد ناتج عن هجرة البروتستانتيين الأوروبيين إلى البلاد واستيطانهم لها. وبالتالي فالهوية الأميركية في العمق مشكلة من عاملين أساسيين: العامل الانجليزي والعامل الديني البروتستانتي.

ولذلك فإن العنصر الغالب هناك هو العنصر الأبيض البروتستانتي الانغلوساكسوني. فهو الذي يحكم أميركا منذ تأسيسها. وهناك استثناء واحد على القاعدة هو: جون كيندي. فقد كان كاثوليكيا من أصل إيرلندي على عكس غالبية رؤساء أميركا ذوي المذهب البروتستانتي.

ومعلوم أن اليمين الأميركي احتج آنذاك على ترشيحه لرئاسة الجمهورية قائلا: كيف يمكن لشخص كاثوليكي ينتمي إلى الأقلية المذهبية في البلاد أن يصبح رئيسا لأميركا؟ ولكن كيندي رد عليهم قائلا ان أميركا بلد علماني وان الفرد فيها لا يحاسب على أصله وفصله وإنما على ميزاته الشخصية وأعماله. ثم نجح في الانتخابات وانتصر على نيكسون البروتستانتي الذي يمثل الأغلبية. بل وأصبح أحد أشهر رؤساء أميركا وأكثرهم شعبية.

ويستنتج المؤلف من ذلك أن الولايات المتحدة ليست بلدا طائفيا على الرغم من تديّن الكثيرين فيها، وإنما هي بلد علماني من الناحية السياسية والقانونية وإلا لما سمحت لجون كيندي بأن يصبح رئيسها وزعيمها.

هذا لا يعني بالطبع أن اليمين المتطرف الأميركي ليس عنصريا ولا طائفيا، ولكنه لا يشكل الأغلبية وإنما أقلية مهمة فقط. والواقع أن خوف هذا اليمين ليس فقط من العرب أو المسلمين وإنما بالدرجة الأولى من الإسبانيين أو المكسيكيين أو المهاجرين عموما من أميركا اللاتينية. وقد حذر منهم مؤخرا صموئيل هنتنغتون صاحب كتاب صدام الحضارات.

فهذا الرجل يظل خائفا من الآخرين على أميركا وشخصيتها وهويتها. صحيح أنه ركز في كتاب صدام الحضارات على الخوف من الإسلام والعالم الصيني الكونفوشيوسي بالدرجة الأولى. ولكنه في كتبه اللاحقة راح يركز على الخوف من اللاتينيين. لماذا؟ لأنهم في غالبيتهم ينتمون إلى المذهب الكاثوليكي لا البروتستانتي.

ولأنهم ثانيا يتكلمون الإسبانية في بيوتهم وأحيائهم أكثر مما يتكلمون الانجليزية. ولذا حذر صموئيل هنتنغتون منهم قائلا للمسؤولين السياسيين: ينبغي أن تضعوا حدا لهجرتهم إلى بلادنا وإلا فإن الهوية الأميركية ستصبح في خطر.

ولكن هذه المخاوف مبالغ فيها كما يقول المؤلف، والدليل على ذلك هو أن نفس التحذيرات انطلقت من أميركا قبل قرن ولكن هذه المرة ضد المهاجرين الألمان أو البولنديين أو الروس أو الشرقيين عموما. في ذلك الوقت لم تكن الهجرة كبيرة من أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة. ولذلك فلم يكن أحد يخشى منها على الهوية الأميركية. كان الخوف كل الخوف من الأوروبي غير الإنغلوساكسوني.

وأما الآن فقد أصبحت الأمور مختلفة. ولكننا نلاحظ أن اليمين المتطرف دائما يكره الأجنبي ويخشاه، وهذه هي سمة كل حركات اليمين المتشدد في أوروبا أيضا وليس فقط في أميركا. فالجرائد الفرنسية قبل قرن ما كنت تحذر من خطر العرب أو المسلمين على الهوية الفرنسية لسبب بسيط هو أنه لم يكن يوجد عرب أو مسلمون في البلاد إلا نادرا، وإنما كانت تحذر من الإيطالي والإسباني بشكل خاص. ونفس الكلام المتطرف الذي تقوله عن العرب حاليا كانت تقوله سابقا عن الإيطاليين والإسبان وسواهم.

*الكتاب: الدين في أميركا، دراسة في التاريخ السياسي

*الناشر:غاليمار ـ باريس 2007

*الصفحات: 246 صفحة من القطع الكبير

De la religion en Amérique : essai d'histoire politique

Denis Lacorne

Gallimard - Paris 2007

P.246