قام بتأليف هذا الكتاب كل من الباحثين ريتشارد و. مانسباخ وكيرستين ل. رافيرتي. والأول هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية ايوا في الولايات المتحدة الأميركية وله مؤلفات عديدة عن السياسة الدولية. والثاني هو أحد الاختصاصيين في الشؤون الإستراتيجية الأميركية والعالمية.وفي هذا الكتاب الجديد الموجه إلى طلبة الجامعات والدراسات العليا بالدرجة الأولى يشرح المؤلفان معنى السياسة العالمية وما هي القضايا الأساسية المطروحة علينا في الوقت الراهن.
وكل ذلك من منظور غربي بالطبع. ولكنهما يتبعان المنهج التاريخي الموضوعي في تحليل معنى السياسة العالمية.وبالتالي فهما يتناولان قضايا أساسية عديدة مثل كيفية تشكل الدولة القومية الحديثة في أوروبا، ثم كيفية تشكل القانون الدولي. ثم يطرحان مشكلة السلطة، والحرب، والسياسة الخارجية، والأمن، والإرهاب الدولي، والمنظمات الدولية، والاقتصاد السياسي العالمي، ومشاكل البيئة والعولمة، الخ.ومنذ البداية يقول المؤلفان بما معناه: إن مفهوم السياسة العالمية حديث العهد، وهو مرتبط بظاهرة العولمة التي ربطت القارات كلها ببعضها البعض وقلّصت الزمن والمسافات. ولم يعد أحد بقادر على أن يخطط لسياسة قومية أو محلية فقط، وإنما هو مضطر لأخذ العوامل الدولية بعين الاعتبار.ولم تعد هناك تقريبا قضية داخلية وقضلية خارجية. وإنما كل القضايا أصبحت داخلية وخارجية في آن معا. وأصبح من حق الجماعة الدولية أن تتدخل في أي منطقة من العالم إذا ما أرادت من أجل منع كارثة إنسانية أو إيقاف مجزرة أو تخليص شعب ما من نير الديكتاتورية. ولكن هل يحق لدولة واحدة أن تقرر ذلك خارج إطار الشرعية الدولية والقانون الدولي كما فعلت أميركا في العراق؟ بالطبع لا.
لا ريب في أن مفهوم السياسة الدولية كان موجودا سابقا في القرن التاسع عشر. ولكنه كان محصورا ومحدودا لأن العلاقات بين الدول لم تكن متطورة ومتشعبة كما هو عليه الحال الآن. القرن التاسع عشر هو بالدرجة الأولى القرن الذي تشكلت فيه الدول القومية الكبرى في أوروبا وبخاصة ألمانيا.
أما القرن العشرون فهو قرن الحروب العالمية حتى منتصفه. وبعدئذ أصبح قرن الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر معجزة العصر سياسيا. فعن طريقه تجاوز الأوروبيون محنتهم ونزاعاتهم وحروبهم المدمرة وأصبحوا مشتركين في كيان واحد كبير يضم الجميع. وبالتالي فالحرب أصبحت مستحيلة بين فرنسا وألمانيا وانكلترا واسبانيا وإيطاليا، الخ.
وهذا أكبر تطور سياسي حصل منذ قرن من الزمن. ويرى المؤلفان أن تحجيم العصبية القومية الضيقة لصالح تنمية العصبية الأوروبية الواسعة يصطدم بعراقيل لا يستهان بها. فاليمين المتطرف في ألمانيا أو فرنسا أو سواهما لا يزال متعلقا بالعصبية القومية ويرفض تذويبها في كيان أوروبي قد يقضي عليها.
ويرى بعضهم أن نجاح الاتحاد الأوروبي ليس أقل أهمية من ظهور عصر التنوير في القرن الثامن عشر. بمعنى أنه سيؤدي إلى خلق حضارة جديدة ويشع على العالم من حوله كما فعل عصر التنوير الكبير. وهذا يعني أننا دخلنا في مرحلة جديدة من التاريخ ليس فقط بالنسبة لأوروبا وإنما أيضا بالنسبة للعالم المتوسطي ككل.
ويرى المؤلفان أن الشيء الجديد في عالم اليوم هو أن جميع المشاكل تقريبا أصبحت مشتركة بين الأمم. فمشكلة البيئة وتلوث الجو أصبحت تخص الجميع. وإذا ما تلوثت البيئة في الصين فإن ذلك يؤثر على العالم العربي أو الأوروبي والعكس صحيح. ولذلك ينبغي أن نبلور سياسة عالمية لمعالجة كل قضايا البشرية.
ولم تعد تكفينا السياسة المحلية أو الإقليمية. ويرى بعض الفلاسفة أنه ربما توصلنا في يوم ما في المستقبل إلى تشكيل حكومة عالمية بدلا من الحكومات المحلية للدول الموجودة أو قل تقف فوقها. ويمكن لمجلس الأمن الدولي بعد توسيعه أن يصبح هذه الحكومة العالمية.
وبعدئذ ينبغي تشكيل برلمان عالمي لكل سكان الأرض. ولكن هذه فكرة طوباوية قد لا تتحقق أبدا. فليس من السهل أن تقنع دولة كالصين أو الهند أو سواهما بالتخلي عن السيادة القومية. وربما لم يكن ذلك مستحبا. يمكن الرد على ذلك بالقول بأن تشكيل برلمان كوني للبشرية لا يعني القضاء على البرلمانات المحلية.
ولكن المستحب بالفعل هو التعاون الإيجابي بين هذه الدول الكبرى والصغرة لحل مشاكل العالم التي أصبحت تخص الجميع. فنحن نسكن في قارب واحد هو هذه الكرة الأرضية. فإما أن نغرق معا وإما أن ننجو معا. ولم يعد أحد يستطيع القول بأنه يمكن أن يكتفي بنفسه وليس بحاجة لأحد آخر. هذا شيء أصبح مستحيلا الآن بعد أن ربطت وسائل المعلوماتية زوايا العالم ببعضها البعض. وبعد أن أصبحت الفضائيات التلفزيونية تنقل الحدث في اللحظة نفسها إلى كل أمم الأرض.
ويرى المؤلفان أن العديد من دول العالم ناقمة على استفراد دولة واحدة بالقرار الدولي. هذه الدولة هي أميركا بطبيعة الحال. فهل يمكن أن يستمر هذا الوضع إلى ما لا نهاية؟
بالطبع لا، وذلك لأن تجربة التاريخ علمتنا أن العظمة لا تدوم لأحد. فالإمبراطوريات الفارسية والرومانية والعربية والفرنسية والانجليزية توالت على العالم ثم زالت. وبالتالي فالإمبراطورية الأميركية مهددة بالزوال يوما ما. ولكن قادة أميركا يحاولون تأخير هذه اللحظة إلى أقصى حد ممكن. وبعض الخبراء يقولون بأن أميركا ستظل القوة العظمى الأولى حتى عام 2025 أو 2030 بدون شك.
بعدئذ ستظل قوة عظمى ولكن ليست الوحيدة فالصين سوف تلحق بها ثم تتفوق عليها في حدود عام 2040 أو 2050. والهند مرشحة أيضا لمستقبل عظيم، وكذلك البرازيل وربما المكسيك.
وبالتالي فالسياسة الدولية سوف تصبح محكومة عندئذ من قبل عدة قوى عظمى لا قوة واحدة كما هو سائد الآن. هذه القوى هي: الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الصين، الهند، اليابان، البرازيل، روسيا. والسؤال المطروح هنا هو التالي: هل سيكون العالم المتعدد الأقطاب أفضل من العالم الحالي الذي تسيطر عليه قوة واحدة؟
البعض يقول نعم، والبعض الآخر يقول: لا. الذين يقولون نعم يعتقدون أن هذه القوى العظمى سوف تحيّد بعضها البعض عن طريق توازن الرعب وبالتالي فيمكن للعالم أن ينجو من خطر الهيمنة الساحقة لدولة واحدة.
كما ويمكن للدول الصغرى أن تحمي نفسها من القوة العظمى أميركا عن طريق الاحتماء بقوة عظمى أخرى كالصين، أو الهند أو سواهما. وهنا تكمن فائدة العالم المتعدد الأقطاب. ولكن البعض الآخر يخشى أن يؤدي العالم المتعدد الأقطاب إلى حصول حرب بين قطبين أو أكثر. وعندئذ ستكون حربا عالمية لا تبقي ولا تذر في عهد القنابل الذرية والصواريخ العابرة للقارات.
وبالتالي فمن الأفضل أن تظل هناك قوة عظمى وحيدة مسيطرة على العالم لا عدة قوى. وهذا هو رأي طوني بلير الذي يريد أن يظل الغرب مسيطرا على العالم بقيادة أميركا.
مهما يكن من أمر فإن البشرية كلها مدعوة إلى بلورة سياسة عالمية قادرة على تشخيص المشاكل المعقدة وحلها قبل أن تنفجر وتحرق الأخضر واليابس. فالتجربة علمتنا أنه إذا ما فلتت الأمور من عقالها فإن الجميع يدفعون الثمن. هذا ما حصل أثناء سيطرة هتلر على الحكم في ألمانيا. فقد غامر بمستقبل بلاده والبشرية كلها، وكانت النتيجة كارثة. وبالتالي فمن الأفضل أن ينتصر صوت الفعل والحكمة وأن يشكل الجميع حكومة عالمية هدفها خدمة كل الأمم لا أمة واحدة. فهل سينتصر صوت العقل يا ترى يوما ما؟ هل سيصبح البشر جميعهم مهذبين وحضاريين ورافضين للعنف والحرب؟
*الكتاب:مدخل إلى السياسة العالمية
*الناشر:راوتليدج ـ لندن 2007
*الصفحات: 838 صفحة من القطع الكبير
Introduction to global politics
Richard W. Mansbach, Kirsten L. Rafferty
Routledge - London 2007
p.838

