بادر موقع مجموعة بنغوين الثقافي المتخصص في عروض الكتب إلى إجراء هذه المقابلة مع الكاتب الأميركي دومينيكاني الأصل جونو دياز مع إطلاقه روايته الأولى بعنوان «حياه أوسكار واو الرائعة القصيرة» التي فصلها ما يزيد على عقد من الزمان عن مجموعته القصصية ذات الشهرة المدوية بعنوان «غريق».
حيث ألقى الضوء على العلاقة بين العملين وعلى المصادر التي ألهمته روايته والكتاب الذين أثروا فيه، وتناول الصلة بين عمله في مجال الكتابة وقيامه بتدريس الكتابة الإبداعية في معهد ماساشوستس للتقنية، وأشار إلى تأثير الحياة في الدومينيكان على أعماله الإبداعية. وفيما يلي نص الحوار:
* كيف تغيرت حياتك منذ نشر مجموعتك القصصية «غريق» قبل عقد من الزمان؟ هل أدت الشهرة المفاجئة إلى تشويشك أم إطلاق العنان لطاقتك الإبداعية؟
ـ إننا نتحدث هنا عن أحد عشر عاماً على وجه الدقة، وبالتالي من المحقق أن حياة المرء تتغير كثيراً. ولكن مجموعة «غريق» كانت بمثابة عنصر تسريع أو تعجيل بالنسبة لي.
ولكي أكون دقيقاً فإن إصدار كتابي الأول لم يسفر عن الكثير من التقدير والإشادة بي، وقد كنت معروفاً قبل صدوره في دوائر كتاب القصة الشبان والمرتبطين بمعهد ماساشوستس للتقنية والمؤسسات المناظرة له وجمهور قراء مجلة «نيويوركر» ومن قبل قطاع معين من المجتمع الدومينيكاني.
ولكن ذلك كان كل ما هنالك. ولكن حتى هذا الهامش المحدود من الشهرة كان يعني الكثير بالنسبة لفتى مهاجر مغمور يقيم في وسط نيوجيرسي شق طريقه عبر الدراسة.
أما عن التأثيرات الحقيقية لنشر هذه المجموعة فمن المؤكد أنني لم أكن متأهباً لهذا النوع من الاهتمام بي، ولذا فإني بعد نشر هذه المجموعة أصبحت مجتذباً بشكل أعمق إلى أصدقائي المقربين منذ مرحلة الطفولة وإلى طلابي وإلى عملي. لقد كانت مصدراً للفرحة الغامرة على الرغم من شعوري بعدم الارتياح. وأحسب أن الحال كذلك بالنسبة لمعظم الأمور الجيدة.
* لماذا انتظرت أحد عشر عاماً لتصدر كتابك الثاني؟ هل كنت تشعر بالقلق حيال الارتقاء إلى مستوى النجاح الجماهيري والنقدي الذي أحرزته مجموعة «غريق»؟
ـ أتمنى لو أنني كنت قد ألفت أربعة كتب أو خمسة في غضون هذه السنوات، ولكن ذلك لم يكن باستطاعتي. ولم يساعد في هذا الصدد أنني كنت أحاول الكتابة في بداية تلك الفترة عن دمار نيويورك على يد إرهابي مجنون، وهي رواية قضت عليها أحداث الحادي عشر من سبتمبر بصورة سريعة.
ولم تساعد في هذا الصدد أيضاً سنوات من الاكتئاب، ولو أن أحداً نشأ في الظروف التي نشأت بها لعانى من الاكتئاب أيضاً. وهناك أيضاً صراعي ضد نفسي. وثمة نظرية أخرى حدثني عنها الكاتب ديفيد مورا، فأنت يتعين عليك أن تصبح الشخص الذي تحتاج إلى أن تكونه لكي تؤلف كتاباً، وأظن أن الأمر قد استغرق مني عشر سنوات أو نحو هذا لكي أصبح ذلك الشخص.
* ما هي التحديات الانفعالية والأدبية التي تعرضت لها لكتابة روايتك الأولى؟
ـ هذه هي الرواية التي ولدت بعد موت روايتي التي يقوم ببطولتها بلاك أكيرا والتي تتناول دمار نيويورك. وكنت قد حصلت على زمالة جوجنهايم في حوالي عام 2000 وأمضيت عاماً في مكسيكو سيتي، محاولاً الكتابة وتصفية ذهني وتحسين لغتي الاسبانية. وأقمت بجوار صديقي الكاتب الكبير فرانشيسكو جولدمان، وقمنا بمغامرات عديدة وتعرضنا لمتاعب كثيرة في قلب المدينة.
وذات ليلة بعد حفلة دامت طوال الليل تراءت لي تلك الرؤية عن فتى فقير في حي معزول، فتى كان يمكن أن أكونه لو أن الفتيات لم يبادرن إلى اكتشافي خلال العام الأول بعد إنهائي للدراسة الثانوية. وأتذكر كيف أنهيت كتابة الجزء الأول بسرعة كبيرة في غضون أسبوعين. وكنت أعتقد أنها قصة قصيرة لكن أوسكار واو لم يبارح مخيلتي، فأدركت أنني أمام رواية بكاملها عن فتى من الدومينيكان لا يتواصل مع الفتيات، لا يرقص.
ويشكل النقيض بالنسبة للصور النمطية عن الفتى الدومينيكاني. فقد أردت الكتابة عن فتى دومينيكاني لاتبارح خياله الفتيات ولا رؤى التاريخ، ولا يجيد شيئاً إلا الفانتازيا والروايات العلمية والذي ينتمي على نحو مأساوي إلى مجتمعه وإلى ثقافة أكثر شمولية، ولكن التحدي الأكبر كان في غمار محاولة إبداع صوت، التوصل إلى سرد، يسمح لي بالكتابة عن الدكتاتورية وثقافة الهيب هوب الحضرية في الثمانينات والشتات الدومينيكاني. أردت أن أكتب عملاً سرديا يبلغ القمة في طرافته وشجنه معاً.
* ما الذي تدور حوله هذه الرواية؟
ـ إنها تدور حول الصياغة الدومينيكانية لدار أتريوس الملعونة التي تحدثنا عنها الأساطير الإغريقية. وهي تدور أيضاً حول نيوجيرسي وجامعة روتجرز وديكتاتور مجنون، وعن النسوة المؤثرات في حياة أوسكار، وبخاصة أمه وأخته.
* إلى أي حد تعد هذه الرواية سيرة حياة ذاتية؟ بشكل أكثر تحديداً من هو بطلها أوسكار بالنسبة لك؟ ومن هي يونيور راوية العمل التي يتم حجب هويتها حتى منتصف الرواية؟
ـ حسناً، كنت آمل أن يكون هذا الكتاب من الجنون بحيث لا يسألني أحد عما إذا كان بمثابة سيرتي الذاتية. لقد نشأت فتى دومينيكانيا في نيوجيرسي، ولكن بخلاف ذلك فمن المؤكد أنني لست أوسكار، ومن المؤكد أن أوسكار ليس أنا. ولكنني شأن أوسكار أحببت قراءة روايات الخيال العلمي والفانتازيا والرعب والروايات الشعبية في يفاعتي، وكان كل ذلك بمثابة طريقة للهرب من أبي ومن الحي الذي أقيم فيه.
* من هم الكتاب الذين أثروا فيك أكثر من غيرهم؟
ـ ليس من المدهش أنني أقرأ كثيراً، وقد أحببت وتأثرت بكتاب نجد في مقدمتهم الأخوين هرنانديز، صمويل ديلاني، توني موريسون، إدوارد ريفيرا، أو كتافيا بتلر. جي.آر. آر. تولكين، وهاروكي موراكامي وغيرهم.
* يلقى تاريخ الدومينيكان بثقله على هذا الكتاب وخاصة دكتاتورية تروخيلو. هل هذا شيء لايزال الأميركيون من أصل دومينيكاني على وعي كبير به؟
ـ التاريخ يلقي بثقله في كل مكان، وكل ما هنالك أن قلة محدودة من الناس هي التي تشعر به. ولست أحسب أن الدومينيكاني العادي في الشتات يعرف الكثير عن تروخيلو وتراثه، ولست أعتقد أن كتابي سيغير ذلك، ولكن لعل شخصاً يلهمه الكتاب أن يعرف المزيد في هذا الشأن.
* ما هي صلتك الشخصية بالدومينيكان؟ هل لايزال لك أقارب هناك؟ هل تزورها كثيراً؟
ـ ما الذي يمكنني أن أحدثك به؟ إن موطني الأصلي يعاني الكثير من الإخفاق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولكنني أحب ذلك المكان، فهو يغذي إنسانيتي، وأنا أمضي إلى هناك ثلاث مرات كل عام، ولاتزال لي عائلة ومجموعة من الأصدقاء هناك، حياة من نوع ما.
* إنك تعمل الآن أستاذاً للكتابة الإبداعية في معهد ماساشوستس للتقنية، هل تجد تضارباً بين عملك بالتدريس وعملك بالكتابة أم أن كلاً منهما يغذي الآخر؟
ـ إني أحب طلابي حباً جماً، ولكن من الأسهل كثيراً أن تكتب عندما لا تقوم بالتدريس. وهؤلاء الطلاب هم فتية أذكياء، ولذا فإنك تبذل جهداً فائقاً في عملية تدريسهم، وهذا يفرض ضريبته دائماً. ولكن التدريس هو عملية رد ما سبق لك الحصول عليه، ولذا فمن الصعب عليّ التفكير في أن أكون كاتباً من دون القيام بالتدريس.
* هل قررت ما الذي سيكون عليه كتابك المقبل؟ ما الذي تعكف على انجازه الآن؟
ـ إنني أحاول تأليف كتابي الذي يتناول قيام إرهابي مختل بتدمير نيويورك، وأحب أن هذا يعكس كوني كاتباً شديد العناد، أو ربما شديد السخف!
منى مدكور
