استغرق الأمر من الكاتب الأميركي ذي الأصل الدومينيكاني جونو دياز ليقدم روايته الأولى «حياة أوسكار واو الرائعة القصيرة» التي كان ملزماً بعقد واحد يجمعها مع مجموعته الأولى «غريق» بتقديمها، ما يزيد على عقد من الزمان والذين قرأوا، بحب وتعاطف، مجموعته الصادرة في 1996 عن نشأة فتى دومينيكاني في أميركا لابد أنهم توقعوا المزيد من لمحات الحب والفقدان التي تعاني منها عائلة دومينيكاني في نيوجيرسي، وهذا ما وجدوه بالتحديد في روايته الصادرة مؤخراً، والتي يجمع الكثير من النقاد والقراء على أنها تستحق عناء هذا الانتظار الطويل.
على امتداد الكتاب يشير دياز إلى أن العائلة ربما كانت تعيش في ظل لعنة تلاحقها، لعنة مما يسميه الدومينيكانيون بـ «الفوكو» والتي تجعل التعاسة الدائمة قدر عائلة بعينها. ولكن هذه اللعنة ربما كانت تصلح لوصف فقدان جونو المؤقت للكلمات، في إطار افتقار الكتاب للدافع لانجاز المزيد من أعمالهم، وهو شلل هيمن عليه ما يزيد على العقد من الزمان.تتبع هذه الرواية مسيرة أوسكار دي ليون، الفتى الدومينيكاني الذي يوظف ولعه بروايات الخيال العلمي ودمى أفلام «ستار تريك» والكتابة للإفلات من إخفاقاته في العثور على الحب، وأمه الطاغية بيليشيا وأخته المتمردة لولا، وهم يمضون جيئة وذهاباً بين باترسون في نيوجيرسي وجمهورية الدومينكان التي قدموا منها إلى أميركا.على الرغم من أن أوسكار والشخصيات الأخرى يقيمون في الدار ذاتها إلا أن أياً منهم لا يدري، فيما يبدو، بما يدور في حياة الآخرين. وهذا الصمت يفرض نفسه على امتداد الرواية، وهو شيء عاشه جونو دياز نفسه في غمار نشأته بين ثقافتين على هذا القدر الكبير من التباعد.
وقد كان من الطبيعي أن تحظى هذه الرواية التي طال انتظارها على هذا النحو ما يزيد على العقد باهتمام كبير من المطبوعات المتخصصة والصحف السيارة على السواء.
في إطار الفئة الأولى تصف مجلة «كيركوس» الرواية بأنها عمل يقدم رؤية ثرية لجمهورية الدومينيكان والشتات الذي يعانيه أبناؤها، وذلك من خلال مصير عائلة واحدة، حيث يقدم مؤلفها إبداعاً يضج بالحياة، من خلال التركيز على إدانة نظام تروخيلو الدكتاتوري الرهيب وما أعقبه. لكن المنهاج الذي يتبعه المؤلف يتشح بالغموض ويعود بالقارئ إلى الوراء عبر طفلي العائلة، أوسكار ولولا.
وفي إطار نثر مدهش، تتناثر عبره الكلمات الاسبانية يربط دياز أوسكار ولولا بأمهما التي كانت يوماً شخصية أمازونية وبالجزيرة التي انحدرا منها.
وهو يتناول الكوارث التي انهالت على أسلافه، ويتساءل مراراً عما إذا كان مصدرها «الفوكو» المقدر على عائلته وهل هناك بركة يمكن أن تعادل وزن هذه اللعنة وتنحى تأثيرها جانباً.
إننا لا نعرف الإجابة قط على هذا التساؤل، لكننا نأخذه منطلقاً لتساؤل أفضل بصدد مجمل القضايا التي يطرحها دياز. أو هذا هو على الأقل ما تشير إليه مطبوعة متخصصة أخرى، هي «ببلشرز ويكلي» في تناولها لهذه الرواية، التي تصفها بأنها عمل متألق حقاً.
في الإطار نفسه تشير مجلة «لايبراري جورنال» إلى أن المؤلف يقيم توازناً رائعاً بين قصة أوسكار وبين نظرات يلقيها على تاريخ جمهورية الدومينيكان مع التركيز على دكتاتورية رافاييل تروخيلو والأثر الذي تركته على عائلة أوسكار، وينتقل دياز بين أوسكار وأخته وأمه وجده مانحاً دراسته للشخصيات نطاقاً ملحمياً مدهشاً، وموضحاً أن الحياة الفردية هي في جوهرها نتاج لتاريخ عائلة.
على مستوى آخر، تشير صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن من الواضح أن أوسكار لم يقصد به أن يؤدي وظيفة بطل بالمعنى الكلاسيكي، وإنما يراد به أن يكون رمزاً للمغزي المتداخل للرغبة والمنفى والعودة للوطن. وهي تنوه بالمتعة التي يمنحها دياز لقرائه في غمار استيعابهم لجمله الرائعة.
وتعرب «نيويورك تايمز» بدورها عن الاعتقاد بأن رواية دياز رائعة وإن كانت بعيدة عن أن تكون قصيرة، وتتسم بأصالة من النوع الذي نلمحه في أعمال ماريو فارجاس لوسا.
أياً كان الأمر، فنحن أمام رواية مختلفة ومختلف عليها، توضح لنا مدى قدرة الأدب الأميركي على اكتساب الثراء من خلال استمداده لرحيق تجارب نختلف عن تياره الرئيسي وتضيف إليه قدرة على التجدد لولاها لكان يمكن أن يكون قد عرف التكلس والجفاف منذ زمن ليس باليسير.
*الكتاب:حياة أوسكار واو الرائعة القصيرة
*الناشر: بنغوين ـ نيويورك 2008
*الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط
The Brief Wondrous Life Of Oscar Wao
Junot Diaz
Penguin - N.Y. 2008
Pengui

