مؤلف هذا الكتاب هو الأكاديمي والكاتب والباحث اللساني نادر سراج والذي يجمع في أعماله بين الأصالة والحداثة، قضى من عمره أكثر من ربع قرن في رحلة بحث أكاديمية عن اللسانيات انطلقت في الثمانينات من القرن الماضي من أحياء منطقة المصيطبة البيروتية. وقد صدر له من قبل في مجال اهتمامه كتاب «حوار اللغات».

وفي كتابه «خطاب الرشوة.. دراسة لغوية اجتماعية» يعالج المؤلف خطاب الرشوة في تداعياته اللغوية، ويتطرق إلى خطاب متوار ومسكوت عنه تدرس مكوناته للمرة الأولى في لغة الضاد عبر إضاءة لسانية اجتماعية، ومن خلال معاينة منظومة متكاملة من الكتابات والتوصيفات وخطابات فرقاء عملية الرشوة الثلاثة: الراشي والمرتشي والرائش، فضلا عن باقة منتقاة من مأثوراتنا الشعبية التي بحثت في الرشوة وأخواتها.

وقد رفد المؤلف هذه المعطيات اللغوية بمقتطفات صحافية عربية مشفوعة بمسموعات عفوية جرت على الألسن وعبرت عن معاناة العوام والخواص وأدرجت كشهادات حية في متن الكتاب. ويشير المؤلف إلى أنه ينطلق في كتابه من ضرورة إماطة اللثام عن الغموض اللغوي ومن ثم المفهومي المحيطين بخطاب الرشوة في ضوء ما يراه من أن الفساد الاجتماعي يبدأ من الغموض اللغوي أو بالأحرى الاستئثار خلف غوامض القول وكناياته ولغته المجازية وما أكثرها في لغة الضاد.

وعلى ذلك يذكر نادر سراج أن مفهوم الرشوة التقليدي المتمثل في «مال نقدي غير مشروع يتم تداوله بين طرفين معنيين بغية تسهيل أمر ما أو جلب منفعة غير مشروعة أو استغلال نفوذ لإحقاق باطل» لم يعد هو المعبر الحقيقي عن مسألة الارتشاء في وضعها الراهن، أي في مطلع الألفية.

ويضيف أن «دفع المعلوم» والتماس «الإكرامية» وإرسال الهدية وقضاء الحاجة باتت عناوين لخطاب متوار أصبح من مخلفات الماضي التعاملي. ويضيف أن ما هو متداول اليوم ومعمم في الأذهان بشكل احترافي يدخل في باب العمولات والقومسيون والنسب المئوية والتسهيلات ونفقات ترويج الأعمال وما إليها.

وفي مجال التعريف يشير المؤلف إلى أن مفهوم أو مصطلح الرشوة لم يرد في ألفاظ القرآن الكريم متتبعا إياها في الحديث وفي «لسان العرب» موضحا انه في تناوله لهذه المسألة من وجهة نظر لسانية اجتماعية ليس في معرض الحكم سواء سلبا أم إيجابا على الظاهرة التي ترتبط بمظاهر الفساد والإفساد.

ويتطرق المؤلف في الفصل الأول إلى كنايات الرشوة وتوصيفاتها وأشكالها فيذكر رصده ما يقارب 257 من مروحة المصطلحات والمفردات والتعابير الشعبية المستخدمة بشأنها حتى منتصف عام 2007.

وأما المصطلح المباشر الكلاسيكي فهو البرطيل أي الرشوة وهو اللفظ الذي كثر شيوعه في زمن سيادة المماليك على المجتمع العربي خصوصا في فترة وصول الجراكسة إلى سدة الحكم.

أما في مجال تهذيب المصطلح فيمكن القول إنه «إكرامية» كما قد يطلق عليه «بخشيش»، وهو تارة أخرى «تحلاية» أو «حلوينة». ويذكر أن التعبير المستخدم قد ينم عن التعاطف مع الآخر فيصير «سمحة نفس». ومن المصطلحات التي تسري في البورصة اللغوية الموازية «التعريفة» و«التسعيرة» و«المعلوم»، أي المبلغ المتعارف عليه والذي لا يقبل بالتالي المساومة أو تنقيصا.

ولم يقتصر الأمر على المصطلحات العربية بل امتد إلى أخرى أجنبية المنشأ ومن ذلك تعبر «كمشن». والنتيجة التي يخلص إليها المؤلف هي أن هذه الكنايات المتعاظمة توصيفا وتسميات تشير في محصلة الأمر إلى مدى استشراء هذا الداء فعليا ولفظيا في مجتمعنا.

ثم يعرض لنا نادر سراج مجموعة من كنايات الرشوة وتوصيفاتها وأشكالها ومن ذلك: «أتعاب»، «أجرة»، «ملاحقة معاملة»، «أجرة سرفيس»، «أجرة طريق»، «أخف الضررين»، «استفادة»، «لقاء أعمال خاصة»، «اعتبرها زكاة عن شبابك»، «إكراميات»، «بدل أتعاب لا يستهان به».

ثم يتناول في الفصل الثاني ما يصفه بخطابات الفرقاء الثلاثة وهما الراشي والمرتشي والرائش. ويشير إلى أن خطاب الأول التحريضي يقع في المرتبة الأولى وتقديماته النقدية أو العينية هي التي تتمحور حولها مسألة الارتشاء، ويذكر أن بعضها يؤكد على أهمية الخدمة المؤداة أو التي ستؤدى وتقدير صاحبها: «أنا ما بنسى الخدمة.. تعبك محفوظ»، وبعضها الآخر يؤكد النهاية المرتقبة والسعيدة: «حصتك محفوظة بالجيبة منشالة»، «ما بتكون إلا مبسوط»، «خذ أجرتك»، «أجرتك وحبة مسك».

ويذكر المؤلف أن التجارب العربية في مجال الارتشاء زودتنا بثلاث كنايات أو توصيفات للراشي واحدة عراقية المنشأ وهى «وراقون» اسم فاعل من فعل ورق ويراد بها «دافعو أوراق العملة إلى الآخرين» بقصد الإفادة، أما الثانية فهي «صاحب الحق» أو «المعطحي» حسب رأي لمفتي مصر علي جمعة، والثالثة لبنانية الاستخدام وهى «الواهبون» وهو مصطلح مراد به القيمون على فضيحة بنك المدينة الذين شاعت أخبار هباتهم التي تميزت بالإغداق في العطاءات.

ثم يعرض لنا خطاب المرتشي وهو يتصف في العموم باعتماد الأسلوب المجازي ويتوسل لهذه الغاية تعبيرات ومفردات غير مباشرة تحايلية والتوائية المعنى.

وبدقة وأناة يحسد عليها المؤلف يرصد 124 تعبيرا أدرجها في خانة خطاب المرتشي تتمايز في نوعيتها، فمنها ما يتوسل أسلوب الدعاء أو تلوينا دينيا: «الله يخليك»، «قول يا رب». أو أسلوب التودد الاجتماعي : «كل سنة وأنت طيب»، «مرق العيد»، «ينعاد عليك»، «مبروك». وقد يلجأ الراشي إلى اعتماد أسلوب مجازي من واقع الحال: «بدها أربعة دواليب لتمشي»، «بدها دفشة أو بنزين».

ثم يستعرض خطاب الرائش أو الوسيط بين طرفي عملية الرشوة والذي يضع طوعا أو حسب الحاجة علومه ومعارفه الغزيرة بتصرف صاحب حاجة طارئة كي يسهل له الأمور ويفيد الطرفين. وفي ذلك يذكر أن الرائش قد يعتمد نصائح وتوجيهات ودودة مهذبة : «إذا بتشوفي خاطره»، «اذا بتزيدهم شوي». وأحيانا أخرى تتلطف صيغ الأمر: «شفله خاطره»، «كرمه»، «رتبه».

ثم ينقلنا المؤلف بعد ذلك في إطار جهده المتميز والدؤوب إلى كنايات وتوصيفات للفساد، فيذكر أن مدونته حوت ما يقارب 65 كناية وتوصيفا للفاسد عموما متوقفا عند بعض نماذجها الدالة منها ما صنف المرتشي في خانة «طالب العمولة» أو أشار إلى من يقف وراءه من «النافذين» أو الذين ينتمون «لفوق».

ويذكر أن توصيفات مثل «الأخطبوط» و«الحيتان المالية» ترد في معرض الإشارة إلى أصناف الفاسدين المرموقين والمعروفين لدى الرأي العام باعتبارهم من «كبار القوم».

ومن الحصر إلى التحديد يحاول نادر سراج التطرق إلى نوعيات الرشى والهدايا وقيمها فيذكر على سبيل المثال أن المقياس اللبناني لنوعيات الرشا هو الدولار الأميركي في الدرجة الأولى فهي تتفوق على مثيلتها الوطنية الليرة اللبنانية.

وهى المعتمدة في سوق العمولات. ويذكر أن الملاحظ أن قيمة المبالغ المرصودة أو المدفوعة، «فوق الطاولة»، و«ع المكشوف»، تعددت أصفارها لتبلغ الستة أحيانا كثيرة، فعلى سبيل المثال فإن ازدهار عالم الأعمال والمقاولات واتساع رقعة الخائضين أو المتدخلين في غمار الأسواق والمجالات المتصلة به أديا إلى ارتفاع مناسيب المبالغ المطلوبة أو المرغوبة أو المسددة من قبل الأطراف المعنية.

ويخلص المؤلف إلى التأكيد على أن خطاب الرشوة بكافة أبطاله، وبتعابيره المقومس منها أو غير المقومس لتاريخه، لا يعدو أن يكون حقيقة من الحقائق اللسانية التي تكشفها عملية التواصل والتي أعانت النظرية اللسانية في تأسيس إطار وصفي لها لاستعراض وقائع هذه اللغة المتوارية في ثنايا النسيج الاجتماعي.

ويشير في الختام إلى الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في نقل الأخبار وإبراز الأحداث وإضاءتها، والتي استند إليها المؤلف وكانت خير معين إجرائي للقيام بقراءة لسانية للمضامين واكتناه للرسائل وتحليل للبنى اللغوية الحاملة لها معتمدا في ذلك الموضوعية والمنهجين الوصفي والتحليلي بعيدا عن الذاتية والانطباعية الخاصة.

ورغم ذلك يؤكد نادر سراج على أنه قد لا يكون أوفى الموضوع حقه من كل أوجهه باعتبار أن هذا الخطاب المتنامي في المجالات الخدمية لا يمكن أن يحد، فهو يعكس في الأساس معالم ثقافة غير مشروعة تسويغية مستشرية في أخلاد العامة عنوانها امتهان وترويج طرائق الشطارة أو الحذلقة أو حسن التخلص كيفما اتفق فيما يتصل بالعلاقة غير الشرعية التي تنشئها الحاجة بين الفرد والمؤسسة.

ألفت عبد الله

*الكتاب:خطاب الرشوة

*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2008

*الصفحات:337 صفحة من القطع الكبير