يستقصي هذا الكتاب (العادات الشعبية بين السحر والجن والخرافة) لفارس خضر، تفاصيل دقيقة لأهم العادات والمعتقدات الشعبية الذائعة في الريف المصري والمنتشرة بمسميات متقاربة، تلك التي تتعلق باسترضاء الكائنات غير المنظورة، وهي طقوس عادة ما تدرج ضمن المعتقدات السحرية للجماعة الشعبية وذلك لاشتباكها من جهة مع بعض وسائل الطب الشعبي ومع بعض الممارسات السحرية من جهة أخرى.
وتأتي هذه الطقوس السحرية الوقائية لدفع الضرر المحتمل حدوثه من جانب الكائنات غير المرئية لكنها في الغالب الأعم تكون لاسترضاء هذه الكائنات نتيجة تعرض أحد أفراد الجماعة لأمراض يعتقد أن لها طبيعة سحرية.
ولأن الرصيد الاعتقادي الداعم لاستمرار هذه المعتقدات بالغ الضخامة ويمتد بجذوره إلى مراحل تاريخية موغلة في القدم، فإن هذه الممارسات ستظل مسيطرة على قطاع عريض من أبناء الجماعة الشعبية ـ على حد قول الكاتب ـ ما لم نكف عن إفقار هذه الطبقات المعدمة ونوفر لها أبسط حقوقها الصحية ومن ناحية أخرى تكف عن ترويج الأفكار السحرية والإدعاء باستنادها على مرجعية دينية، والدين بريء منها ومن كل ما لا يرتقي بالإنسان أو يؤثر سلباً على حياته.
وفارس خضر شاعر وصحافي وباحث يعمل بمجلة الإذاعة والتلفزيون ويترأس رئاسة تحرير مجلة (الشعر) التي تصدر عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، صدر له عدة دواوين منها (كوميديا) و(الذي مر من هنا) و(أصابع أقدام محفورة على الرمل)، كما صدر له عدة كتب بحثية منها (ميراث الأسى «تصورات الموت في الوعي الشعبي»).
وقسم الكتاب إلى خمسة فصول يعرض الفصل الأول لبعض تصورات الجماعة الشعبية حول الكائنات فوق الطبيعية، أما الفصول الثلاثة التالية فتتناول الممارسات الشعبية التي تؤدي للمرأة ثم الرجل ثم الطفل، حال تعرض أحدهم لمرض ما، أما الفصل الخامس فهو بمثابة ملحق لبعض الحكايات الشعبية المؤكدة لتصورات الجماعة الشعبية حول هذه الكائنات.
يقول فارس خضر: المدهش أن العوالم المتخيَّلة لهذه الجماعة الشعبية ما هي إلا انعكاس لنظامها الاجتماعي، وتكاد تتطابق تفاصيلها مع واقعها المعيش، مع تحويرات طفيفة؛ تحويرات تبثُّ العقلية الشعبية خلالها أشواقها وأحلامها ورغباتها الدفينة، فتبتكر أفراداً يُماثلون أفرادها، غير أنهم يملكون قوى خارقة، ويعيشون حياة خالدة، ليست كحياتهم التي تنتهي دوماً بالفناء.
ومن هنا فإن مجابهة مثل هذه المعتقدات الخرافية، تبدأ بهدم الهالة القدسية المحيطة بها،.
وذلك برَدِّها إلى لغة المنطق الذي أنشأها، وكذلك فك مغاليقها التي ابتكرها العقل البدائي، حين لم يكُنْ بوسعه إدراك وتفسير الظواهر الطبيعية، التي بدت له غامضة. ولكن بفضل روح المحافظة الغريزيَّة للإنسان، تستمر هذه الطقوس والممارسات، حتى وإن اختفت المعتقدات القديمة التي أوجدَتها.
ويقول في الفصل الأول (طقوس استرضاء الكائنات غير المنظورة): هناك طقوس للاسترضاء تقوم بها الجماعة الشعبية لتتقي بها أخطاراً يُعتقَد أنها تتهدَّد حياة أفرادها منذ لحظة الميلاد وحتى ما بعد الموت، هذه الأخطار المتوهَّمة ناتجة عن الاعتقاد بأن محيط الجماعة محاط بصفة دائمة بكائنات غير منظورة «فوق طبيعيَّة»، وذات طبيعة طَيْفيَّة؛ تتسبَّب في إصابة بعض الأفراد بعدد من الأمراض ذات الطبيعة السحرية، إذ يُعتقد بعجز الطب الحديث عن مداواتها، وبأنه ينبغي- لتفادي هذا الإيذاء- القيام ببعض الطقوس لاسترضاء هذه الكائنات، هذه الطقوس التي تختلف خطواتها حسب كل مرحلة من مراحل دورة الحياة «ميلاد، زواج، موت»، وكذلك حسب كيفية إصابة الفرد بذلك «الأذى».
وتتعدَّد توقيتات هذا الأذى المتصوَّر الذي يمكن أن تُلحقه هذه الكائنات بالأفراد، فهي تنحصر بين ساعات الليل، التي يُعتقد أنَّ هذه الكائنات تنشط خلالها، أو في ساعات الظهيرة القائظة، حين تخفُّ حركة الأفراد، ويشمل الهدوء أرجاء القرى، في الأماكن المهجورة والْخَرِبة وفي مناطق الجَبَّانات أو بقربها.
وتضع الجماعة محظورات «تابوهات» تُنظِّم علاقة أفرادها بهذا العالم الخفيّ، بحيث ينتج عن كسرها- بقصد أو بدون قصد- أن يُصاب الفرد بالأذى، وثمَّة معتقدات متعدِّدة حول كيفية إصابة الفرد بالإيذاء من جانب الكائنات فوق الطبيعية، وهي معتقدات ذات صلة وثيقة بظاهرة الموت، ذلك أن كافة مظاهر الحزن التي تعقبه، والذائعة الانتشار في الأقاليم المصرية، تدفع الأفراد لعدم الاحتراز، وبالتالي كسر التابوهات التي تسنُّها الجماعة الشعبية وتتوارثها، ذلك الكسر الذي يأتي- حسب هنرى بريستد- كإعلان صارخ عن اعتراضها الحماسي ضد هذه الظاهرة الكارثية.
وإذا كانت طقوس الاسترضاء تجيء لتفادي أخطار يُعتقد بوقوعها بالفعل، فإن طقوساً أخرى تمارسها الجماعة لدفع الضرر المحتمل عند تعرضها لهزَّات عنيفة تهدد توازنها الاجتماعي، وتجبر بعض أفرادها على إتيان المحظور وكسر التابوهات الموروثة.
وقبل أن نعرض لمظاهر الإيذاء، أو «الأذى» على حَدِّ تعبير الجماعة الشعبية، وكيفية القيام بطقوس الاسترضاء المختلفة لتفاديه، نعرض أولاً لبعض هذه المعتقدات حول الكائنات فوق الطبيعة. إذ لا يتوقف الاعتقاد لدى الجماعة الشعبية عند حَدِّ تصوُّر وجود أفراد في ذلك العالم الخفي، يماثلون عدد ونوع وعُمر أفراد كل بيت، بل يُعتقد أيضاً بوجود مثيل متطابق، في ذلك العالم الذي لا يُرَى رَأْيَ العين، وإن كانت أخطاره ماثلة للعيان للأنظمة الاجتماعية القائمة بالمجتمات الشعبية.
وكذا وجود التراتب الوظيفي لأعضائها. وهذا تصور يكشف عنه بوضوح نَصين لاستحضار الجان وصرفه ضمن طقوس«الرَّضْوَة»، فقد ورد ضمن النصين اللذيْن يتوجَّهان بالحديث مباشرة مع هذه الكائنات غير المنظورة، ذِكْرُ «العُمدة» و«القاضي» و«شيخ الخفر»، وهو تقسيم يتفق مع ما ذهب إليه الأنثربولوجيون بأن «المعتقدات الخاصة بعالم القوى الخارقة (فوق الطبيعية) ما هي إلا عملية تحوير لحياة الإنسان الاجتماعية، بل إن هذه المعتقدات تتشكَّل- إلى حدٍّ ما- وفقا لنظامه الاجتماعي».
ولعل الاعتقاد بهذا التماثل بين العالمين يرجع إلى طموح الكائن الإنساني، ورغبته في امتلاك قُوى خارقة- كتلك التي تمتاز بها هذه الكائنات- بحيث تُمكِّنه من الخروج من دائرة إمكاناته المحدودة إلى دائرة أرحب؛ يستطيع خلالها الاطِّلاع على الأسرار ورؤية الغيب المستتر عنه.
وبما أن هذا الكائن الإنساني غير قادر على الإتيان بمثل هذه الأفعال الخارقة في واقعه اليومي، فقد يُشبع نزعته هذه أن يكون له شبيه أو مثيل في عالم آخر غير مرئي بالنسبة له، لكنه يمتلك هذه الطاقات الخارقة، ولا يفتقد لعلاقة خفيَّة تربط بينهما وتتحكَّم في مسار الأحداث. وتوصف الكائنات فوق الطبيعية ب«الأسياد»، وكذلك بالملائكة «المخفيين»، وهما وصفان يدلان على ما يُعتقد بقدرة هذه الكائنات غير المرئية.
وما تملكه من سطوة على الأفراد، تشبه سطوة السيد على عبيده ومن ثم ينبغي إقامة علاقةٍ ما مع هذا العالم لتفادي خطورته. وهذا التصوُّر يُماثل الاعتقاد القديم، إذ «كان الناس يُصوِّرون العالم السفلي بقواه المسيطرة على أنه يحتاج للخضوع من جانب الأحياء.
ويؤكد في الفصل الثاني (المرأة المشهورة): أن مظاهر إيذاء الكائنات فوق الطبيعية تتبدَّى في ثلاثة أشكال محدَّدة، فيما تتنوَّع وتتداخل طقوس استرضاء هذه الكائنات وتختلف حسب تقييم الجماعة الشعبية لِمُسبِّبات الإيذاء ودرجته. وأشكال الإيذاء هذه غالباً ما تجيء في صورة: امرأة «مشاهرة» أو «مشهورة»، أو في صورة رجل «ملموس»، أو طفل «مبدول».
فالمشاهرة إعاقة مؤقتة، يُعتقد أنها تصيب المرأة أو وليدها، نتيجة عدم التزامها بمجموعة التابوهات (المحظورات) التي تحدِّدها الجماعة. ويُعتَقَد أن هذه الإعاقة قد تستمرّ طوال عمر المرأة، ما لم تستطع إزالة آثارها «فكَّها» بأيٍّ من طقوس الفَكِّ المتعدِّدة. وتبدو مظاهر هذه الإعاقة في عدم الإنجاب، إذا ما كانت عروساً حديثة، أو التوقف عنه، إذا ما كانت قد أنجبت من قبل حدوث الإصابة. وأقل درجات هذه الإصابة هي جفاف لبن الأم المرضعة، وحدوث اضطراب مع الدورة الشهرية، أو إصابة وليدها بآلام في العينين، أو بتعثر المشي وتأخره عن السن المعتادة.
ويُطلق على هذه الإعاقة المؤقتة لفظ «المشاهرة»، والمشاهرة في اللغة «المعاملة شهراً بشهر. والمشاهرة من الشهر: كالمعاومة من العام». وبالتالي فمن المُرجَّح أن يكون هذا الاسم مصدراً لأحد الاشتقاقات اللغوية من كلمة «الشهر»، وقد استخدمته العقلية الشعبية نتيجة لعدم انتظام الدورة الشهرية لبعض النساء، مِمَّن يتأخر حملُهنَّ لأسباب صحية في الأساس، وقد اتَّسع استخدام هذه التسمية، لتشمل عدداً من الإصابات، التي يُعتقد أنها منسوبة إلى قوى سحرية. ويُطلق على الأم المصابة بالمشاهرة لفظ «المشهورة» أو «المتعاقة» بمعنى «الْمُعاقة».
ومما يُرجِّح هذا الاستنتاج أن الجماعة الشعبية تشترط للإصابة بالمشاهرة وللعلاج منها شرطين متصليْن بالشهر بوصفه مُحدِّداً زمنيّاً لها: الأول: يُشترط للإصابة بالمشاهرة ألاَّ يكون قد مرَّ «شهر» على زفاف العروس حين يحدث كسر أحد التابوهات، ولو مَرَّ هذا الشهر الأول على العروس ولم تظهر عليها آثار الإصابة، فلن يكون لهذا الكسر أو الإخلال أيُّ تأثير عليها. والثاني: يشترط أن يتم العلاج من المشاهرة بعد أذان المغرب لليوم الأول من ال«شهر» العربي.. أو بعد أذان الفجر لنفس الليلة.
كما أن كلمة «مشهورة» تستخدم كمرادف لكلمة «مسحورة»، إذ تصف امرأة مُسِنَّة مقبرة «المزوقة» الفرعونية الواقعة على قرب قرية القصر بالواحات الداخلة بقولها: «دي مشهورة بحاجات فرعوني».
والمشاهرة- في حد ذاتها- قد تُعَدُّ سحراً أسود أضَرَّ بالمرأة بشكل غير عمدي، إذ لم يوجَّه إليها من قِبَلِ ساحر لإيذائها، وإنما نتجت الإصابة- كما ذكرنا- لعدم التزامها بالتابوهات التي تتوارثها الجماعة. وتوصف المرأة بأنها مشوهرة أو مشهورة، إذا لم يُفلح الأطباء في علاج تأخر الحمل، وقد لا تعرف المرأة بما يعوق حملها إلا حين تخبرها قارئة الفنجان، بتفاصيل كسرها «تابو» معيناً مما أدَّى إلى تعرُّضها للإيذاء.
وقد لا يكون في إصابة المرأة ما يشي بوجود علاقة لكائنات غير منظورة بهذا الأمر، كأن تُصاب بنَزيف على فترات متفاوتة، نتيجة لحَمْلها ثقلاً يفُوق طاقتها، ويقال في هذه الحالة إن: «ظهرها مفتوح»، ومع هذا تنسب مثل الإصابات أيضاً إلى «المشاهرة»، ويتحتَّم على المرأة القيام بخطوات «فك المشاهرة».
محمد الحمامصي
*الكتاب: العادات الشعبية بين السحر والجن والخرافة
*الناشر: مجلة الإذاعة والتليفزيون
القاهرة 2008
*الصفحات:144 صفحة من القطع الكبير
