والكتاب الذي نعرض له من بواكير تعاون المنظمة العربية للترجمة مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في إطار إصدار سلسلة مترجمة من الكتب تقوم عليها المنظمة وتدعمها المؤسسة.

ويجمع الكتاب، حسب توصيف مؤلفه، مجموعة من المقالات كتبها المؤلف للقارئ العادي وليس المتخصص وهى تهدف شأنها شأن كتاباته السابقة إلى التشديد على الوظيفة الثقافية التي يمكن لتاريخ الأديان أن يقوم بها في المجتمع الغربي «منزوع القداسة» كما أنها ترمي أيضاً إلى التوسع في عملية التأويل المنظومية للمقدس ولتجلياته التاريخية.

وإن كان يمكن القول ان المقالات تتسم بطبيعة تخصصية إلى حد ما يكسب الكتاب، وفق توصيف المترجم لنصوص إليادة، طابع السهل الممتنع الذي يتطلب جهداً وتدقيقاً وتركيزاً، حيث يقدم مادة ممتعة ومثيرة، وهى في الوقت ذاته تفتح شهية القارئ أيضاً على ركوب مركب البحث والتقصي طلباً للاستزادة والتعمق إن أمكن.

يقرر إليادة أن الفائدة المرجوة من تحليل الأديان الغابرة والغربية لا تقتصر على دلالتها التاريخية فالفيلسوف واللاهوتي والناقد الأدبي يستطيعون الاستفادة كذلك من اكتشاف عوالم المعنى تلك المنسية أو المحرفة أو المهملة ولهذا السبب فقد حاول أن يعرض ويناقش وثائق مأخوذة من ديانات أقل ألفة في الغرب في ضوء حقيقة أن إنجازات مهمة تحققت في الفترة الأخيرة على طريق فهم الديانات التوحيدية الثلاث فضلاً عن البوذية لا بل حتى الفلسفات الدينية في الهند.

يدعو اليادة إلى مذهب إنساني جديد وإلى نهضة جديدة وإلى تاريخ للأديان يأخذ في الاعتبار ثقافة الإنسان الشاملة التي هي ثقافة الإنسان الكوني، مؤكداً أن «الإنسانية الجديدة» هي ثمرة التقاء الإنسان الغربي الحديث بعوالم المعاني والدلالات المجهولة لديه أو الأقل ألفة من عوالمه.

في إطار حديثه عن مذهب إنساني جديد يشير المؤلف إلى أنه يصعب على المرء أن يتابع ويلاحق التقدم الحاصل في قطاعات تاريخ الأديان كلها وهى صعوبة على ما يشير تزداد يوماً بعد يوم على الرغم من عدد المصنفات والدوريات وثبت المراجع التي تتوفر في أيامنا هذه للعلماء والباحثين، وهو ما يفسر اتجاهه إلى إيجاد دورية تهتم بهذا الأمر على النحو الذي يسهم في فهم بعض المشكلات الأساسية في تاريخ الأديان.

من هذه النقطة يشير المؤلف إلى محورية الاجتهاد التأويلي وأهميته في ضوء تجاوزه لما يمكن أن نعتبره تقصير الاختصاصيين لدى استغراقهم في التعامل مع المعطيات والوقائع الدينية حيث يهملون أحياناً دراسة معنى هذه المعطيات.

وحسب يذهب ميرتشا إليادة فإن مؤرخ الأديان عندما يعيد بناء تاريخ شكل من الأشكال الدينية أو حين يستخلص ظروفه الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية لا يكون قد أنهى عمله إذ أن عليه بالإضافة إلى ذلك أن يفهم معنى هذا الشكل الديني وأن يعين ويشرح تلك المواقف والأوضاع التي أدت إلى أو سمحت بظهور أو بغلبة هذا الشكل الديني أو ذلك في فترة معينة من فترات التاريخ.

على هذه الخلفية يشير المؤلف إلى أنه بقدر إنجاز هذه المهمة يكون علم الأديان قام بوظيفته الثقافية الحقيقية وبشكل خاص أن يجعل معنى الوثائق والوقائع الدينية أمراً ميسوراً لفهم الإنسان الحديث وإدراكه. ويفسر إليادة رأيه بالإشارة إلى أنه مهما يكن أمر الدراسة المقارنة للأديان في الماضي فإنها مدعوة للاضطلاع بدور بالغ الأهمية في المستقبل المباشر.

يصحبنا المؤلف بعد ذلك في رحلة حول تاريخ الأديان من خلال الأعمال الفكرية في القرن العشرين التي استعادت تاريخ الأديان مؤرخاً لذلك بعام 1912 الذي نشر فيه أميل دوركهايم كتابه «الأشكال الأولية للحياة الدينية» ومؤلف فلهلم شميدت حول تطور فكرة الألوهية، وكذلك إصدار رافائييل بتازوني دراسته المونوغرافية القيمة «الديانة البدائية في سردينيا» وكارل يونغ كتابه «التحولات في رموز الباء».

ويشير إليادة إلى أن هذه الكتب مثلت أربع كتب مقاربات مختلفة في دراسة الدين، موضحاً أن أياً منها لم يكن جديداً كل الجدة، فهي تمثل مقاربات مختلفة: مقاربة اجتماعية، وأخرى اثنولوجية وثالثة نفسانية ورابعة تاريخية. وقد كان لنظريات هؤلاء المؤلفين دور كبير في الحياة الثقافية التي سادت خلال العقود التالية ومازالت اجتهاداتهم حول الدين تلقى بعض التقدير حتى اليوم لدى غير أهل الاختصاص.

وفي إطار تركيزه على قضية تاريخ الأديان يشير إليادة إلى ما يعتبره أزمة تواجه تاريخ الأديان أو الأديان المقارنة في الثقافة الحديثة باعتبار أنها في تقييمه لا تقوم إلا بدور متواضع.

وفي إطار الإشارة إلى مظاهر ذلك يذكر المؤلف الاهتمام المتقد حماسة وانفعالاً للجمهور المهتم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في متابعاته لآراء ماكس موللر حول أصل الأساطير وتطور الأديان أو لدى استذكار ان أصول المسيحية أو مقدمات لدراسة الديانة الإغريقية أو الأشكال الأولية للحياة الدينية كانت كتباً مفضلة وأثيرة لدى آبائنا وأجدادنا ـ يقول إليادة ـ لا يسعنا إلا أن ننظر إلى الوضع الراهن نظرة حزن وأسى.

وهنا يستعرض الأسباب التي تفسر هذا الوضع، نافياً أن يكون ذلك بسبب أن مؤرخي الأديان أقل شأناً من أسلافهم أو أن يكون الإحباط من بطلان كل الفرضيات المرتجلة وتقلقل كل التعميمات المفرطة في طموحاتها هي السبب الأساسي في ذلك، مؤكداً أن هناك أسباباً أشد تعقيداً. وحسبه فلا يمكن للفكر الخلاق في أي فرع من فروع المعرفة أن يتخلى عن أداء دوره وعن إنجاز مهامه محتجاً بهشاشة ما توصل إليه أسلافه من نتائج.

هنا يقدم المؤلف رؤية شاملة يشير من خلالها إلى أهمية أن يثبت تاريخ الأديان وجوده باعتباره في آن معاً: تربية بالمعنى القوي للكلمة لأن من شأنه أن يغير الإنسان وباعتباره مصدراً لخلق القيم الثقافية مهما كان شكل التعبير عن هذه القيم.

وهنا يشير إليادة إلى أن التاريخ يصبح اليوم للمرة الأولى تاريخاً جامعاً حقاً وأن الثقافة بالتالي هي في طريقها لأن تصبح شاملة الكرة الأرضية بأسرها، فتاريخ الإنسان من العصر الباليوليتي حتى أيامنا هذه منذور، حسبما يقول، لأن يحتل مركز الصدارة من التربية الإنسانية مهما كانت تفسيراته المحلية أو القومية وفي هذا الجهد الرامي إلى كوكبة الثقافة ـ أي اشتمال الثقافة على كوكب الأرض بأسره ـ يستطيع تاريخ الأديان أن يقوم بدور أساسي ويساهم في بلورة طراز من الثقافة يكون جامعاً شاملاً.

ولكي لا يبدو بالغ التفاؤل يقرر المؤلف أن هذا بالطبع لن يتحقق غداً، فضلاً عن أن تاريخ الأديان لا يستطيع القيام بهذا الدور ما لم يع الناطقون باسمه مسؤولياتهم، أي ما لم يتوصلوا إلى تخطي عقد نقصهم وتحرجهم ومراوحتهم في مكانهم خلال السنوات الخمسين المنصرمة.

وفي نقلة أخرى يحدثنا المؤلف عن «الفردوس واليوتوبيا» متطرقاً إلى ما يسميه موضة المسيحانية، مشيراً إلى أنه في السنوات العشر الأخيرة ـ عقد الستينات ـ كثرت الكتب التي تبحث مختلف مذاهب الألفيات وفي شتى أنواع الطوباويات .

وهى كتب لا تقتصر على دراسة الحركات المسيحانية والنبوية البدائية، بل تشتمل على أبحاث عن المسيحيانيات ذات الأصول اليهودية ـ المسيحية من بداية عصرنا هذا ـ أي العصر الميلادي ـ وصولاً إلى عصري النهضة والإصلاح الديني كما تضم مصنفات تدور حول المضامين الدينية للاكتشافات الجغرافية وللاستعمار لا سيما منه استعمار الأميركيتين.

ويشير اليادة إلى أن اهتمام العلماء الغربيين بالحركات الألفية والطوباويات له مغزى ودلالة بحيث يمكن القول ان هذا الاهتمام يشكل إحدى السمات المميزة للثقافة الغربية المعاصرة. يذكر أن ثمة أسباباً عديدة لهذا الاهتمام فهناك الفضول الذي تثيره المذاهب المسيحانية التي عصفت بالمجتمعات البدائية في العقود الأخيرة من العصر الاستعماري ثم هناك الأبحاث الجديدة التي تناولت الحركات النبوية في أوروبا الوسطى،.

كما أن هناك بشكل خاص التحليل الصارم للمضامين الدينية التي تكشفت عند استعمار أميركا، مشيراً إلى أن اكتشاف العالم الجديد واستعماره قد حصلا تحت ظلال الأخرويات النشورية. ويقرر المؤلف أن متابعة الأبحاث الخاصة بهذا المجال وطرح مثل هذه المسائل ينم عن توجه فكري يقول لنا الشيء الكثير فيما يخص الوضع الروحي للإنسان الغربي المعاصر.

وحسبما يذكر، فإنه خلافاً للمنظومات التي تفسر الأحداث بحتمية تاريخية فإننا نعترف اليوم بأهمية العامل الديني وخصوصاً بأهمية حركات الحماسة والحمية والتوتر، أي الحركات النبوية والأخروية والألفية. ويضيف: لكن هناك ما هو أعمق من ذلك من حيث المغزى في رأيي: فالاهتمام بأصول العالم الغربي الراهن، أي بأصول الولايات المتحدة وشعوب أميركا اللاتينية، ينم لدى مثقفي هذه القارة عن رغبة في العودة إلى الوراء بغية اكتشاف «تاريخهم الأولاني» و«بداياتهم المطلقة».

وفي معرض التفصيل والشرح لموضوعة الفردوس والطوبي يختار المؤلف نوعين من الأمثلة حيث يعمد أولاً إلى توضيح العناصر الأخروية والفردوسية التي تنطوي عليها حركة استعمار أميركا الشمالية من قبل روادها الأوائل وإلى الكشف عن التحول التدريجي الذي طرأ على الفردوس الأميركي وولد أسطورة التقدم إلى ما لانهاية، والتفاؤل الأميركي وتقديس كل ما هو شاب وجديد، منصرفاً بعد ذلك إلى الكلام على عشيرة برازيلية كانت إبان اكتشاف أميركا الجنوبية قد انطلقت تمخر عباب المحيط الأطلسي باحثة عن فردوس ولا تزال بعض جماعاتها تبحث عنه حتى اليوم.

ثم ينقلنا المؤلف إلى ما يعتبره مقدمة نقدية لتاريخ الثنوية الدينية، فيشير إلى أن للثنوية الدينية والفلسفية تاريخ طويل سواء في آسيا أم في أوروبا. ويوضح أن الثنوية وبعض المشكلات المرتبطة بها مثل التضاد والتكامل أخذت تعالج منذ بدايات القرن العشرين من منظار جديد. ويذكر الأثر الكبير الذي تركه إميل دوركهايم ومارسيل موس وإن لم يتطرقا بشكل مباشر إلى مشكلة الثنوية ولكنهما سلطا الضوء على بعض أنماط التصنيف الاجتماعي القائمة.

*الكتاب: البحث عن التاريخ والمعنى في الدين

*ترجمة :د. سعود المولى

*الناشر: المنظمة العربية للترجمة

بيروت 2007

*الصفحات: 410 صفحات من القطع المتوسط