«إن أردت أن تؤخذ كتابتك على محمل الجد فلا تتزوج أو تنجب أطفالاً، والأهم من كل ذلك لا تمت. وإن كان عليك أن تموت، فانتحر. إنهم يوافقون على ذلك»، يتجلى من هذا التصريح سخرية وتهكم الروائية الأميركية أورسولا كروبر لو غوان، من النقاد في الأوساط الأدبية سيما وأنها حققت نجاحاً كبيراً في كتابة أدب الخيال العلمي وحصدت العديد من الجوائز على الرغم من كونها زوجة وأماً لثلاثة أبناء وجدة لأربعة أحفاد.

ولدت لو غوان في كاليفورنيا في 12 أكتوبر عام 1929، ونشأت في كنف عائلة متميزة إذ حصل والدها على أول شهادة دكتوراه في علم الإنسان في الولايات المتحدة عام 1901 وكتبت والدتها السيرة الذاتية لزوجها، مما شكل لأورسولا مرجعا مهما لكتابتها سيما وأنها تركز على الجانب الإنساني في المجتمعات.

بعد حصولها على الماجستير من جامعة كولومبيا عام 1952، غادرت إلى فرنسا وتابعت دراستها وهناك ارتبطت بزوجها الحالي المؤرخ الفرنسي شارلز لو غوان عام 1953، كما اهتمت بالأدب منذ طفولتها، ونشرت أول قصة لها حينما كانت في الحادية عشرة. بدأت بالكتابة ونشر القصص في إطار الخيال العلمي عام 1960، وحققت شهرتها بعد نشرها لرواية «اليد اليسرى للظلام».

وتتمحور معظم أعمالها حول علوم المجتمع وسيكولوجية الإنسان. وغالبا ما تحكي عن ثقافات كائنات أو مخلوقات متخيلة، لتوصل من خلالها رسالتها عن ثقافة الإنسان بصورة عامة. وتتميز أعمالها باهتمامها بتفاصيل الحياة اليومية. وتدور أحداث عدد من رواياتها مثل «الذين لا يملكون» و«اليد اليسرى للظلام» في زمن المستقبل، وحضارة ما بعد الإمبريالية، وتعالج غالبا النتائج المترتبة على التواصل بين عوالم وحضارات مختلفة.

علما بأن لكل مجموعة من أعمالها إطارا عاما مثل دائرة روايات هينيش ومستمدة من اسم كوكب هين المتخيل ومنها العملان المذكوران أعلاه ، ومجموعة قصص مركبات أو رحلات إكيومين التي تسافر عبر الزمن ومنها «أربعة طرق للغفران» ونشرت عام 1995 وتضم أربع قصص، وروايات بحر الأرض التي تضم خمسة أعمال منها «الشاطئ الأبعد» ونشرت عام 1972 وآخرها «الريح الأخرى» ونشرت عام 2001، وعلى صعيد مجموعة قصص بحر الأرض آخرها «حكايات من بحر الأرض» ونشرت في العام ذاته.

شملت كتابتها العديد من القصص للأطفال والشبان آخرها «القوى» ونشرت عام 2007 ويتجاوز عددها الخمسة والعشرين عملا، إلى جانب الأدب الواقعي مثل كتاب «لغة الليل» ونشر عام 1979 و«الرقص على حافة العالم» ونشر عام 1989، ولها أيضا في الشعر والترجمات. كما تبنت السينما والتلفزيون العديد من أعمالها، حيث اقتبس عملها «مخرطة الفردوس» مرتين وقدم كمسلسل تلفزيوني في أميركا عامي 1980 و2002، وحول كتابها حكايات من أرض البحر إلى فيلم رسوم متحركة سينمائي عام 2005.

حازت أغلب أعمالها على العديد من الجوائز الأدبية من مصادر مختلفة، منها جائزة هوغو لأفضل رواية عام 1975 وجائزة نيبولا عام 1990 كما تم تكريمها في أوروبا واستراليا والولايات المتحدة حيث حازت على زمالة ماكسين كاشينغ غري للكتاب المتميزين بنتاجهم عام 2006.

تتحدث لو غوان في روايتها «الذين لا يملكون» التي نشرت عام 1974 واستلهمت اسمها من رواية دستويفسكي «الملاكون»، عن عالمين أو كوكبين أحدهما الرأسمالي الذي يمثل الحاضر والآخر الطوباوي الفوضوي الذي يمثل مرحلة الماضي أما الرابط بينهما وبين القارئ فهو شخصية بطلها عالم الفيزياء الشاب «شفيك».

تبدأ الرواية بسفر شفيك من كوكبه أناريس إلى كوكب أوراس، ولا يتضح للقارئ سبب هذا القرار إلا من خلال تتالي الأحداث. وعبر الانتقال بين الحاضر وتداعيات الماضي يتم التعرف على كل من شخصية البطل وخاصية عالم كل من الكوكبين، اللذين يدور أحدهما في فلك الآخر، وإن لم تبدأ الحياة على أناريس إلا قبل مئتي عام، وذلك حينما تم الاتفاق بين حكومة أوراس وباحثة تدعى أودو، أن تنتقل مع مجموعتها المتمردة التي تنادي بعالم طوباوي يعتمد على رفض فكرة التملك والسلطة إلى الكوكب الجديد، الذي عاشت فيه المجموعة حياة آمنة مسالمة لا قانون فيها لغياب الجريمة التي انعدمت أسبابها على كافة الأصعدة.

وبسبب النقص الكبير في المواد الخام التي تعتبر العصب الرئيسي للصناعة وتطورها والجفاف الدائم، عاش سكان الكوكب الجديد حياة متواضعة تعتمد على الاكتفاء الذاتي وحماية المجموعة. ومن هنا يتجلى الدافع الذي حث شفيك على السفر، فهو من جهة بحاجة إلى تقنيات متطورة لمتابعة بحثه ومن جهة أخرى واجه عدم تقبل زملائه من العلماء لطرحه الجديد غير المألوف.

ويتمركز بحث شفيك حول تطوير النظرية العامة عن الزمن الراهن، حيث توضح كتب فيزياء عالمهم أن الزمن أكثر عمقا وبنيته أكثر تعقيدا ومرتبطة بالرياضيات والفيزياء والفلسفة وعلم الأخلاق. ومن خلال تداعيات شفيك يدرك القارئ ارتباط اللغة بالثقافة أيضا، ففي أناريس لا يتحدث الأشخاص بصفة الملكية، إذ تقول الشابة لوالدها الذي تلتقيه لأول مرة «يمكنك استخدام هذه المحرمة» أو «هذا الأنف يؤلم».

ويتجلى إبداع الكاتبة من خلال مقاربتها بين كل من بحوثه والعالم المتخيل ومحيط واقع عالمنا المعاصر على الكرة الأرضية، وذلك بأسلوب محكم ومدروس وغير مباشر.

وعلى الرغم من أنها قدمت كوكب أناريس على أنه العالم المثالي للإنسان، إلا أنها لم تغفل عن الموضوعية في طرحها إذ تبرز أخطار المركزية والبيروقراطية التي يمكن أن تهيمن بسهولة على المجتمع في حال توقف ثورة الايديولوجيا. وفي النهاية حينما تحاول حكومات كوكب أوراس أن تحتكر ابتكاره الجديد لصالحها أسوة بسياسات مجتمعاتنا الرأسمالية في الوقت الراهن، يشعر شفيك بالتهديد وبالقوى الخفية التي تترصد له، وبسبب مشاركته في مظاهرة معارضة للحكومة يضطر إلى الهرب واللجوء إلى سفارة الأرض، ومن هناك يوزع اختراعه الجديد على كافة المجموعات ليتواصل العالم بأجمعه كما كان يحلم ويأمل.

rmaleh57@hotmail.com