مؤلف كتاب «نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان» هو الطبيب الضرير «داود بن عمر الأنطاكي» الذي يعتبر آخر أعمدة الطب عند العرب، والذي وصفه ولقبّه المؤرخون بألقاب متعددة منها: الرئيس داود، الحكم داود، الطبيب البصير، الرئيس الضرير.

حيث تفرد بالفلسفة وعلوم الحكمة، وعلم الأبدان. ولد بـ فوعة «وهي قرية في محافظة «إدلب» الآن. ثم انتقل به والده إلى «انطاكية» فنشأ بها، ثم منها إلى الشام ثم منها إلى مصر، فقطن فيها، وكانت له خلوة بالمدرسة الظاهرية، وكان إذا جسّ نبضاً لتشخيص مرض، أظهر من أعراض الجواهر كل غرض. وكان مولده سنة 942هجرية.

وكان يقول: «لو رآني ابن سينا لوقف ببابي» وقد أنتج الإنطاكي كثيراً من الكتب، من أهمها «غاية المرام- طبقات الحكماء- شرح القانون لابن سينا- مجمع المنافع البدنية»، إضافة إلى كثير من الرسائل، وقد وصفه كثير من المؤرخين بأنه كان فريد عصره وزمانه ذلك لأنه استطاع أن يصل إلى مرتبة من سبقه من الأطباء العرب رغم عماه، بل فاقهم في بعض الأمور، كالنبض مثلاً، فله فيه نظريات واسعة وأشكال أحصاها بالمئات. كما أن له رأيه في تعليم الطب، تعتبر ذات أهمية خاصة.

أما كتابه «نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان» فقد رتبه الإنطاكي على مقدمة وسبعة فصول وخاتمة. جاءت المقدمة تعريفاً بعلم الطب وموضوعه وأقسامه ، ويشير فيها إلى موضوع الاختلاف فيه وكونه لجوده وإيضاحه، كما نوه على وجوه الاختصاص. أما الفصل الأول: فقد بحث فيه الأمور الطبيعية وهي ما ندعوه حالياً بعلم الغريزة، أو الفيزيولوجية، وفيه يشرح العمليات الفيزيولوجية التي تتم في جميع أجهزة الجسم من قلب وتنفس وهضم بما فيها الجملة العصبية.

الفصل الثاني: التشريح، وصف فيه الأعضاء التشريحية لكامل الجسم، والحكمة من جعل كل عضو على الصورة التي هو فيها وإثبات الصانع في ذلك، وتجدر الإشارة هنا لقوله بعدد الأضلاع اثني عشر. الفصل الثالث: في الأسباب وقسّمها إلى ستة: الهواء والطعام والشراب، النوم واليقظة، الحركة والسكون، الاحتباس والاستفراغ والحركات النفسانية.

الفصل الرابع: في أحوال البدن، وهي الصحة والمرض وحالة متوسطة، ويتحدث في هذا الفصل عن تدبير المأكول والمشروب وتدبير الفصول وتدبير النوم واليقظة والحركة والسكون والجماع. وذكر فيه مرض النقطة، وهو ما يسمى حالياً السيلان البني. ولعله أول من وضع هذه التسمية. وتدبير الحامل: فقد منع الحامل من استخدام الأدوية القوية والمسهلات خوفاً من الإسقاط، وتدبير المولود ثم تدبير كل سن بما يناسبه (ونلحظ تأكيده على تعليم الطفل التكلم في ثلثي السن، أي ما يقارب ثمانية أشهر. وتدبير الهواء، وتدبير الماء.

ثم ينتقل إلى تعريف المرض وأنواعه وأقسامه وتوزعه، وفيه يشير إلى حالة تشوه خلقي نادرة وهي الإصبع في الكف. ثم يتحدث عن العلاقات المرضية، واعتمد على النبض وتحدث عن شروط أخذ النبض بالنسبة للمريض والفاحص كدهن الأصابع بأحد الأدهان وأن يكون قلماً بالموسيقى. الفصل الخامس: في الوصايا والقوانين، كقوانين القيء والإسهال والفصد، وجبر الكسر. الفصل السادس: في تفاصيل العلل مبتدئاً بأمراض الرأس ثم العين والأذن والأنف ونلحظ فيها فكرة استخدام المسافة في حالة الصم.

أما في الأنف، فقد تطرق إلى موضوع الديدان فيه، وهي من الحالات النادرة التي تذكر في تاريخ الطب، وسببها دورة حياة ديدان الإسكاريس عبر الجهاز التنفسي. الفصل السابع: في الأمراض الظاهرة في الجلد، ولعل فيها أول ذكر لقرحة الزهري (الحب الإفرنجي أو المبارك) كما نلحظ فيه وصفه لمرض الحزاز، وتسميته الموافقة للتسمية الحديثة. الخاتمة: تحدث فيها عن جبر الكسر والخلع وعن السموم، وفي فوائد متفرقة. لقد تمتع الإنطاكي الطبيب الفيلسوف بمكانة نادرة نتيجة لعلمه ومعرفته ورؤيته الفلسفية، فكان واحداً من العباقرة العرب في تاريخنا، وظل متحفظاً بهذه المكانة إلى أن توفي سنة 1008هجرية.

M _alfahed@yahoo.com