أياً كان المدى الذي تصل إليه المدن في التألق والأمان، وأياً كان ارتفاع تكلفة السكنى فيها عبر الإيجار أو التملك، وبغض النظر عن السرعة التي تتراجع بها معدلات الجريمة فيها، فإنه يظل هناك فضاء في جوهر هذه المدن الداخلي يستعصي على التغير ويقاوم سكانه، سواء أكانوا حقيقيين أم ينتمون إلى عالم القص، تبدلات الروح، فتظل الجدران في عالمهم كئيبة، وتبقى أنوارهم ضارية، وتجوب أرجاء شوارعهم شخصيات تبدو مريبة، ينطلق في أعقابهم رجال شرطة يجمعون بين العدوانية والتقلب.
وحي لور إيست سايد في مانهاتن ليس استثناء من هذه القاعدة، أو هذا هو على الأقل ما يتجلى لنا عبر صفحات رواية ريتشارد رايس الثامنة «حياة مترفة». ويلفت نظرنا أن المنهاج الذي اتبعه دوستويفسكي في رواية «الجريمة والعقاب» يخدم الأهداف التي يتوخاها برايس في روايته، حيث نجد أنفسنا أمام جريمة مما يحدث في نيويورك وما يجري عقب وقوع الجريمة، حيث بؤرة التركيز تنصب على مرتكبي الجريمة الضحايا وعائلاتهم، رجال الشرطة الذين يتابعون أبسط خيوط الأدلة وقوة الدفع الفوضوية الهادرة لبيئة حضرية مختلطة الأعراق يتربص بها بلا انتهاء مزيج مراوغ من الفساد والعنف واليأس.
يستهل برايس روايته بمجموعة متوهجة بالحيوية من المشاهد المتوازية، التي تفضي إلى الحادثة التي تقع في الصباح المبكر، والتي تحل بساحة إريك كاش، مدير المطعم المخضرم الذي طالما تمنى أن يكون ممثلا وكاتباً، لكن مسيرات حياته العديدة لم تصل به إلى شيء يذكر، ورفيقين آخرين له، عندما يقدم عدد من فتية الشوارع يحملون مسدساً على إطلاق النار عليهم، مما ينجم عنه مصرع أيك ماركوس.
تثير الصياغة التي يروي بها إريك كاش الأحداث التي أفضت إلى جريمة القتل الشكوك. وتشكل انطلاقه اللاحق في غمار محاولته لفهم ذاته. بالمقابل فإن رجل الشرطة المخضرم ماتي كلارك وزميلته المنحدرة من أصول لاتينية يولندا بيلو ينطلقان في الشوارع بلا انتهاء في محاولة لرصد خيوط الجريمة، وفي الوقت نفسه التخفيف من حدة الحزن الساحق الذي يحل على كاهل بيلي، والد القتيل أيك.
ونتابع أيضاً المراهق تريستان أسيفيدو الذي لم تتح له فرصة قط، والذي لا عائلة في حياته، وهو يحول حنقه البالغ إلى أحلام بالتسلط، وذلك في غمار محاربته لشياطينه التي لا تفتأ تطارده. يقدم لنا برايس استمرارية مذهلة من الحوارات النيويوركية التي تعكس نبض الحياة وتقلباتها الهادرة، فيما يمضي ماتي ويولندا في طريقهما الطويل نحو الوصول إلى الحقيقية، وهما يخضعان حياتهما الشخصية المفعمة بالصراعات للمهمة الملقاة على كاهليهما. ويروي برايس قصتيهما عبر بنية مركبة من المشاهد المتقابلة التي تؤدي إلى المزيد من تصاعد التوتر في نسيج الرواية.
مع اندفاع مقاطع السرد المتقاطعة نحو ذروة الرواية التي تجمع في آن بين كونها متوقعة وصادمة، فإن برايس يمضي في تقشير الطبقات عن شخصيات الرواية، إذا صح هذا التعبير، الأمر الذي يتوازي مع سبره لأغوار هذا الحي المفعم بالتناقضات من أحياء مانهاتن، إلى أن يبدو أمام أعيننا في النهاية عاريا، حد التجرد المطلق.
ومن المحقق أن حوارات برايس المدهشة بطابعها النيويوركي، الفظ، الخشن والقاطع ستعيد إلى أذهان الكثيرين أصداء حوارات بوسطن، كما سجلها على نحو بالغ الروعة والاقتدار الكاتب الأميركي الرحل جورج في. هيجنز. وعلى الرغم من أن ما يرويه برايس لا يمكن إلا أن يثير في نفوس القراء مشاعر القلق والاضطراب والتوتر، إلا أنه يبدو في الوقت نفسه طريفاً بلا انتهاء.
وعلى سبيل المثال فإنك لا تملك إلا التوقف طويلاً بالتأمل والتساؤل عن طريقة الحياة التي تجعل العنف مرادفاً للتنفس، ولنتابع على سبيل المثال المشهد الذي يقدم أحد فتية شوارع الحي النيويوركي النصيحة لرفيق له فيما يتعلق بكيفية استخدام المسدس للمرة الأولى فيقول له: «كل ما عليك هو أن تطلقه لكي ينطلق وتخلص منه، ثم يصبح بمقدورك التركيز على التحسن في إطلاقه والاستمتاع به».
إن الرواية تبدأ بجريمة قتل، تكاد تكون محض مصادفة، ومن هنا ليس عجيباً أن يصفها شاهد عيان بأنها: «كما لو أن القدر طرقع إصبعيه»، لكنها تنطلق هادرة لتمضي بنا نحو لوحة بانورامية هائلة لعواقب القتل، فإريك كاش يصاب بالشلل عملياً من خلال مشاعر الذنب التي تنتابه حيال إخفاقه في الحيلولة دون وقوع الجريمة. والشرطة التي تجده مثيراً للشك إلى حد كبير لا تتردد في اعتقاله، وانطلاقاً من هذا المنعطف يأخذ كل شيء في التداعي. وعندما يتم إلقاء القبض على مطلق النار أخيراً، فإنه يبدو لنا فتى مثيراً للرثاء من سكان المشروعات الإسكانية بالحي.
تطل نيويورك عبر صفحات برايس مدينة معطلة، بأناس أكثر مما ينبغي تركوا ليلقفوا جراحهم، بلا شبكة أمان تكفل لهم وهم السلامة والاستمرار، دع جانباً حقيقية الاستمرار الصمود. وإذا كانت هذه الرواية قد أثارت قدراً كبيراً من الإعجاب في صفوف النقاد إلى حد قول مجلة «كيركوس» الثقافية الالكترونية في معرض المزج بين الجد والهزل إنه ينبغي أن يكون هناك قانون يقتضي أن ينشر برايس أعماله بصورة أكثر تواتراً، فإن العمل لا يخلو من عيوب، أبرزها التشابه الكبير في الحبكة بين هذه الرواية ورواية برايس الشهيرة «مصلحو الساعات».
المتسكعون
«فريق الطوارئ الخاص بنوعية الحياة. أربعة من ذوي القمصان المكسوة بالعرق في سيارة أجرة زائفة جاثمة عند ركن شارع كلينتون بموازاة جسر وليامسبرغ للإطلال على حشود أسماك التونة المقبلة، ومقصدهم المخدرات، الأسلحة وأجر الوقت الإضافي، وشعارهم: الجميع لديه ما يفقده.
الليل في سكون الموت.
كان الأربعة الجالسون في السيارة هذا المساء من الفاشلين حتى الآن، ثلاثة من العاملين في البلدية ـ هم مفتش بريد، وكاتب انتقالات وعامل نظافة وجميعهم من العاملين في أطراف المدينة ـ ورجل لديه نصل طوله ست بوصات تحت مقعده، ولكن بلا نابض يكفل سرعة استلاله. تقترب سيارة ستيشن واجن مقبلة عليهم من الجسر عند نور شارع ديلانسي، ويبدو السائق رجلاً طويل القامة، أشيب الشعر، يرتدي سترة من التويد ويعتمر قبعة كوفني.
يغمغم جيوهاغان: «الرجل الهادئ». يضيف شارف: «في ذلك الكفاية، أيها الخنزير!». لوغو، دالي، جيوهاغان، شارف، بيسايد، نيودورب، فريبورت، بلهام باي، جميعهم في الثلاثينات من أعمارهم، الأمر الذي جعلهم في هذه الساعة بعضاً من أكبر الرجال البيض سنا في حي لور إيست سايد». مقتطف من رواية «حياة مترفة»
*الكتاب: حياة مترفة
*الناشر:فارا، شتراوس آند جيرو نيويورك 2008
*الصفحات: 464 صفحة من القطع المتوسط
Lush Life
Richard Price
Farrar, Straus And Girux N.Y. 2008
P.464
