أجرى موقع باولز الثقافي الالكتروني المتخصص هذه المقابلة مع الروائي الأميركي ريتشارد برايس بمناسبة صدور روايته الثامنة مؤخراً بعنوان «حياة مترفة»، حيث ألقى الضوء على البطولة في هذه الرواية التي تنعقد لحي «لور إيست سايد» في نيويورك الذي يصفه بأنه أهم العشوائيات على الإطلاق في تاريخ أميركا، ويبادر إلى الإشارة إلى جوانب شتى في عالمه الروائي، مشدداً على أنه لا يتعمد أن تندرج رواياته في إطار روايات الجريمة، بل إنه على العكس يحرص على الابتعاد عن هذه النوعية من الكتابات الروائية.

ويتطرق إلى الأعمال التي كتبها للتلفزيون، والتي يصفها بأنها على الرغم من أهميتها إلا أنها لا صلة لها بأعماله الروائية، ليخلص في النهاية إلى الأعمال التي يعكف على انجازها ويأمل في الانتهاء منها في المستقبل القريب، وأهمها سيناريو فيلم سيخرجه المخرج العالمي الشهير رايدلي سكوت. وفيما يلي نص الحوار:

* صدرت رواية «حياة مترفة» لتتوج العديد من الروايات التي سبق لك إصدارها. ألا زلت تشعر بالعصبية مع صدور كتاب جديد لك؟

ـ بلى، فإنجاز كتاب جديد يستغرق مني وقتاً طويلاً، وهكذا فإن المرء يظل بعيداً لوقت طويل عن عيون المحكمين الذين يبدون رأيهم في عمله.

* تستهل مقابلات عديدة أجريت معك بالتساؤل عن السر في أن العديد من كتبك تجري أحداثها في مدينة دمبسي الخيالية في نيوجيرسي وبدلاً من ذلك فإنني أسألك: لماذا لم تدع أحداث رواية «حياة مترفة» تجرى في دمبسي؟

ـ لأن حي لور إيست سايد هو الشخصية الرئيسية في هذه الرواية، وجوهر الأمر كله هو الكتابة عن ذلك المكان، أما الكتابة عن مكان خيالي فإن من شأنها مناقضة الهدف من الرواية.

* هل هذا الحي منطقة تعرفها عن قرب وبشكل حميم؟

ـ نعم، وربما كانت أكثر العشوائيات أهمية في التاريخ الأميركي. واعتباراً من عام 1880 تقريباً كانت هذه المنطقة هي المكان الذي يمضي إليه الجميع من جزيرة إيليس، ثم يمضون على مر الأجيال خارجين منها ومرتقين سلم الحياة الاجتماعية والاقتصادية الأميركية. وربما كان هناك أميركيون على امتداد تاريخ الجماعات غير المنتمية إلى أصول إفريقية أو أصول أوروبية قد بدأوا مسيرتهم انطلاقاً من لور إيست سايد أكثر من أميركيين انطلقوا من أي مكان آخر في العالم الجديد.

* ما الذي ألهمك كتابة رواية «حياة مترفة»؟

ـ أردت على الدوام أن أكتب عن لور إيست سايد، فقد انطلقت عائلتي من هناك ـ معظم العائلات ذات الخلفية النيويوركية التي أعرفها انطلقت من هناك ـ ولم أستطع العثور على مدخل للقيام بذلك على امتداد عقود من الزمن. وعندما أنجبت أبناء وأنهوا دراستهم الثانوية والجامعية كان الحي قد تغير كلية ليتحول إلى هذه النوعية من ساحة اللعب للبوهيميين المنتمين إلى الطبقة الوسطى.

وقد اكتشفوا الحي بطريقتهم الخاصة، ولكنني لا أعتقد أن لهم صلة حقيقية بتاريخ المكان. وهكذا فإن المفارقة هي أن هناك نوعاً من الدائرة الكاملة على امتداد خمسة أجيال، حيث انطلق الناس من هذا المكان في سعي يائس قبل مئة عام، وبعد قرن من الزمان عاد الجيل الخامس من أحفادهم ليلتحق بعضوية الأندية في المكان نفسه.

* هل فكرت في بطل الرواية منذ البداية؟ إنها تضم عدداً هائلاً من الشخصيات والمنظور يتغير مرات عديدة.

ـ لم أعرف ما الذي يتعين علي القيام به حقاً. كنت قد أمضيت عاماً عاكفاً على هذا العمل، منتقلاً في غمار محاولة العثور على قصة جوهرية. وكما يحدث غالباً. فإن جريمة القتل هي النوعية التي يلجأ إليها صانع الحبكة الكسول للمضي عبر أرضية بالغة التعقيد، لأنك عندئذ تتبع مسيرة تحقيق جنائي، وهذه المسيرة تفرض نظاماً على الفوضى. وقد كانت هناك مواجهتان على امتداد السنوات بين القادمين الجدد وبين تلك النوعية من الناس ذات الأصول المنتمية إلى العالم الثالث الذين أمضوا هناك نصف قرن على الأقل وليست لديهم فكرة عما جرى لحي لور إيست إند.

* هل كان تأليف هذا الكتاب الجديد مختلفاً عن تأليف رواياتك السابقة؟

ـ ليس بصورة حقيقية، فهو يتضمن العملية نفسها المتعلقة بقضاء وقت طويل واستيعاب المادة في الشوارع، أي مجرد وضع كل شيء في ذهني، وهي عملية تستغرق حوالي ثلاث سنوات، ومن سوء الحظ أن كل رواية تقتضي بالقيام بهذه العملية ذاتها.

* عندما تكتب حواراً لفتى في السادسة عشرة من عمره يقيم في أحد المشروعات السكنية في حي لور إيست سايد، هل تقوم بأي عملية تقص للحقائق التي تندرج في هذا الحوار؟ هل تقوم بالتدقيق في الحوار مع أي شخص بعينه؟

ـ لا. إنني أبتدع مثل هذه المادة ابتداعاً، فالحوار كله من بنات أفكاري. وأسوأ ما يمكن القيام به هو أن تمضي كباحث اجتماعي وتسجل ثبتاً بالكلمات العامية، فهذا الحوار متحرك وسريع بحيث انه يتغير في الوقت الذي تدفع فيه بأوراقك إلى المطبعة، وبالتالي يكون ما كتبته عتيقاً على نحو محرج، ولذا فإنني أقوم بابتداع حواري الخاص.

* في غمار عملية الكتابة التي تقوم بها، هل تنجز الكثير من تحديد الخطوط العامة أم تقوم بكتابة مسودات متعددة؟

ـ نعم، إنني أقوم بالأمرين كليهما. وهناك الكثير من التأجيل الاستحواذي، حيث تتصاعد قوة الدفع وصولاً إلى مرحلة تحدث نفسك عندها قائلاً: ليكن، لسوف أكتب، وليس بوسعي التأجيل أكثر من ذلك!

* هل تقوم بأي عمل محدد لتلج إلى داخل رؤوس الشخصيات؟

ـ كل كاتب يقوم بذلك، فأنت تتخيل حياة أخرى ليست حياتك.

* يبدو أن رواية «حياة مترفة» تتمتع بإيقاع أسرع وأكثر توتراً من رواياتك التي سبقتها مباشرة. فهل أثر العمل في مسلسل «السور» التلفزيوني في أسلوبك بأي طريقة؟

ـ لا، لم يؤثر فيه على الإطلاق، فالعمل في التلفزيون لا يؤثر في إبداع الروايات، على الأقل ليس بالنسبة لي.

* هل كان ذلك شيئاً تحاول القيام به على صعيد الأسلوب؟

ـ مع تقدمك في العمل فإنك تتطور، وتميل إلى محاولة الإقلال من الضجيج، تميل إلى التبسيط، على نحو يتعارض مع القيام بالانغماس في تفصيل القول.

* هل تعمل على أي مشروعات جديدة الآن؟

ـ إنني أقتبس رواية لأحولها إلى سيناريو لفيلم سيخرجه رايدلي سكوت بعنوان «الطفل 44»، وقد اشتغلت على هذا السيناريو شهرين، وعندما أنتهي منه سأنتقل إلى تقديم عمل تلفزيوني من إبداعي.

* هل ستطل رواية «حياة مترفة» على الشاشة الفضية؟

ـ هناك اهتمام من أطراف معينة في هوليوود، ولكن ما من شيء محدد حتى الآن.

* هل هناك رواية مفضلة لديك من بين الروايات التي كتبتها؟

ـ أود أن أعتقد أن آخر رواية كتبتها هي أفضل رواياتي، وإلا فإن عملي يتراجع. لست أدري. إنني أقرأ مراجعات النقاد لـ «حياة مترفة»، ويبدو أنها الرواية المفضلة لدي.

* هل تقرأ الكثير من الروايات المندرجة في الأسلوب الذي تكتب به؟

ـ ليس عندما أكون عاكفاً على الكتابة، فأنا لا أنظر إلى نفسي باعتباري كاتب روايات جريمة، ولم أقم بدراسة هذه النوعية من الروايات، بل أحاول تجنب هذا كله. وقد أقرأ تلك الكتب على سبيل الاستمتاع بها، ولكن إذا كان هناك كاتب له أسلوب مماثل لأسلوبي، فإنني أفضل تجنب قراءة أعماله عندما أكون عاكفاً على الكتابة.

محطات في مسيرة برايس

*ولد الروائي الأميركي ريتشارد برايس بحي البرونكس في نيويورك، وانعكست نشأته هناك في أعماله بعد تخرجه من جامعة كورنيل في عام 1971، وأطلق روايته الأولى «جوابو الآفاق» في عام 1974 وهو في الرابعة والعشرين في غمار سعيه للحصول على درجة الماجستير في الأدب من جامعة كولومبيا، وما لبثت أن أطلت عبر الشاشة الفضية في فيلم من إنتاج شركة أوريون.

* أصدر روايته الثانية «اخوة في الدم» عام 1976 والثالثة «رجل تعشقه النساء» في 1978. وتتابعت أعماله الشهيرة وأبرزها «مصلحو الساعات» التي أخرجها سبايك لي في فيلم شهير، ثم «أرض الحرية» ومؤخراً «حياة مترفة».

* كتب عدداً من سيناريوهات الأفلام الناجحة ومن أبرزها سيناريو فيلم «لون المال» الذي رشح لنيل جائزة الأوسكار، وكذلك رشح للجائزة نفسها السيناريو الذي كتبه لروايته «مصلحو الساعات».

منى مدكور