مؤلف هذا الكتاب هو جورجي كنعان، مفكر وباحث لبناني. عمل مع مجموعة من المفكرين على تأسيس جمعية تراث فلسطين عام 2006، وهي مؤسسة مستقلة، تهدف إلى إنشاء مكتبة تحتضن تراث فلسطين، والى العناية به طباعة وترجمة.
لأن ضياع التراث يشكل هزيمة منكرة لا يسجلها التاريخ. وهو مدافع لا يهدأ عن الحق الفلسطيني، ومؤمن بأن قضية فلسطين من أنبل القضايا التي عرفها التاريخ وأخطرها، وله العديد من الأبحاث والكتب منها: وثيقة الصهيونية في العهد القديم، أمجاد إسرائيل في أراضي فلسطين، سقوط الإمبراطورية الإسرائيلية، العنصرية اليهودية، الأصولية المسيحية في نصف الكرة الغربي، تاريخ يهوه، مملكة الصعاليك، برابرة التاريخ، برابرة العصر، المسيح القادم، خطيئة الفلسطينيين.
ومنذ احتلال الصهاينة لأرض فلسطين، وإقامة الكيان الصهيوني عام 1948، بمساعدة الانتداب البريطاني والامبريالية العالمية، والشعب الفلسطيني يتعرض لأبشع أنواع القتل والقهر والإذلال، والإجراءات الفاشية، في ظل سياسة التمييز العنصري التي تنتهجها السلطة الصهيونية في فلسطين المحتلة. بحيث أصبحت حياته كلها تحت وطأة كوابيس يومية مفجعة. ومازالت مستمرة حتى الآن.
ويسرد المؤلف نماذج من صور التمييز العنصري ومظاهره المختلفة، والمتصلة بكل جوانب حياة الفلسطينيين العرب، أصحاب الأرض. ويدعمها بالوثائق، وبشكل خاص الصحافة الإسرائيلية، ومنظمات حقوق الإنسان. بحيث يشعر القارئ العربي بحياة الفلسطيني المريرة والكوابيس التي تحاصره في اليقظة والحلم. ويخجل من اجل معاناة الفلسطيني كوابيس الصهيوني.
ومن هذه الصور (العقاب الجماعي): ويعني فرض الحاكم العسكري العقوبة على مجموعة أو مجموعات من السكان الأبرياء من دون تمييز، على الرغم من معرفته ببراءتهم. ومن ابرز أشكال العقاب الجماعي: نسف وتدمير مجموعة من المنازل، أو حي، أو مجموعة أحياء، أو قرية برمتها. وذلك لإجلاء الفلسطينيين العرب عن المنطقة، أو المناطق التي تم هدمها، بهدف نزع الطابع الفلسطيني عنها، وإقامة المستوطنات، وضمها إلى المناطق اليهودية. وهذا كله يتم وفق القانون! بالإضافة إلى أن نسف البيوت أمر ضروري لأنه يعمل على ردع الآخرين وتخويفهم.
بالإضافة إلى عمليات الاعتقال الجماعية، وحملات التفتيش الإرهابية، وفرض حظر التجول، وإغلاق مناطق بكاملها، وفرض الحصار الاقتصادي والتمويني والتجويع، وإتلاف البساتين والأشجار المثمرة، وقطع التيار الكهربائي، والعمل الإجباري، وإخراج الناس من منازلهم، وما يتخلل ذلك من إهانات وترهيب وتذليل وقتل. حيث يتم تعرية النساء بحجة التفتيش، وضرب الجميع بالسياط كما تضرب البهائم. وإغلاق الأبواب على الأحياء وإضرام النار فيه. وربط الفتيان بناقلة عسكرية وجرهم على الأرض. واعتقال مجموعة من الشبان، وتقييدهم وضربهم حتى تتشوه أجسادهم، ثم يلقى بهم على المزبلة وأيديهم مكبلة. وكذلك إطلاق النار العشوائي، بحيث أصبحت أخبار القتل عادية، وأصبحت تروى بلامبالاة. وبصورة ممنهجة ومستمرة يتم إغلاق الجامعات لمدة أشهر، واقتحام المدارس، وإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع على التلاميذ والمعلمين باحثين عن أطفال الحجارة واعتقالهم.
وتوجيه رابين للجنود: (فلنكسر عظامهم) و (فلندخل فيهم، ولنوزع الضرب على الجميع مجانا)، أطلق موجة من العنف المنظم والمدروس بكامل حدتها. وأصبح كل حاكم عسكري سيد منطقته موجها جنوده بتعليمات وحشية مثل: (اضربوا كل واحد تصادفونه خارج بيته. اضربوا على أنحاء جسمه كلها ماعدا الرأس. لا ترحموا، حطموا عظامهم، لا تفسروا أي أمر. اضربوا أولا). وتكسير العظام يهدف إلى التعطيل، وإلحاق أقصى الضرر. وهو شكل مدروس من الوحشية الفاشية، ودقيق في اختيار أنواع الأذى. وينفرد الاحتلال الصهيوني بسياسة تكسير العظام، متميزا بذلك عن سائر الأنظمة الاستعمارية في التاريخ. وليست حادثة تكسير العظام التي عرضتها شبكة ..س الأميركية ليست سوى حادثة من آلاف الحوادث التي استطاع التلفزيون تصويرها.
ويفسر المؤلف هذه الوحشية، وعقدة الصهيوني القائمة على التغذي بالبربرية والهمجية، بأنها نابعة أولا من عقائد اليهود وأفكارهم التي تمجد البطش والقتل، وتراه عملا إنسانيا، ومقياسا صحيحا لفضيلة اليهودي وبطولته. ولأنهم، ثانيا، انتقلوا من حالة الحضيض، والضعف، والاضطهاد، خلال تشتتهم في بلاد العالم، إلى السلطة والقوة، فأصبحوا سادة ومنتصرين، بمساعدة قوى الاستعمار بريطانيا وأميركا . وليس هناك أبشع من أخلاق الضعيف المهزوم حين ينقلب إلى محتل ومتسلط ومسلح بكل أدوات البطش. «إنهم يضمرون حقدا نابعا من الأحشاء» كما يقول الباحث الانجليزي جيفري ارونسون. بالإضافة إلى أنهم كأي مستعمر، لا يستمر وجودهم إلا بالقوة والبطش بأصحاب الأرض، حتى يخضعوا ويطيعوا، ويبالغوا في الخضوع والطاعة، من غير أن يفكروا في المقاومة أو الرفض أو الغضب.
وتنشر الصحافة الإسرائيلية تقارير كثيرة عن ممارسات الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، واعترافات عديدة للجنود مثل وصف جندي لأفاعيل زملائه: «حقا لقد كان بيننا جنود قذرون سفلة». وتصريح كثير من الضباط بأن «كل جندي يفعل ما يحلو له. لا احد مسؤول، ولا احد يُحاسب على أعماله». وهذا لا يعني أن الجنود يتصرفون من أنفسهم. بل ينفذون أوامر الحاكم العسكري، والمستمدة من توجيهات الإدارة السياسية والعسكرية. وعندما تكون هذه الممارسات الوحشية، وبأشكال لا تعد ولا تحصى، يومية ومنذ أكثر من نصف قرن، نستطيع أن نشعر بحجم المأساة والكوابيس التي يعانيها الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وهذا ما يهدف إليه المؤلف أولا. ويجدها ثانيا، وصمة عار في جبين العالم المتحضر الذي يدعم السلطة الصهيونية، والعالم العربي الخانع والعاجز. لأنه لا يوجد شعب واحد في العالم، في بداية الألفية الثالثة، يعاني وطأة الاستعمار ووحشيته، غير الشعب الفلسطيني. ويرفع ثالثا، الشهداء الذين بذلوا دماءهم في سبيل تحرير فلسطين، إلى مرتبة القديسين. مقابل الذين يبحثون عن السلطة والذين حولوا قضية فلسطين إلى خطب وأكاذيب واستعراضات ومقامرات ومساومات. وكما هم أطفال الحجارة، والشهداء معجزة في مقاومتهم. كذلك بالمقابل، أصبح المتخاذلون معجزة في ضعفهم وتواطئهم وعارهم.
ويقصر المؤلف بحثه على توصيف الاحتلال ووحشيته، والحياة اللا إنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في الأرض المحتلة، مع الإشارة إلى طغيان الزعامات الفلسطينية الصاعدة بلا جدارة أو قيم، والتي تفكر وتعيش من داخلها بكل نقائص التاريخ والبداوة وضعفهما.
هذه الزعامات التي أصبحت تشكل كابوسا جديدا على الفلسطينيين، وخطرا يهدد مستقبل الفلسطينيين، وحقوقهم التاريخية، وكرامتهم في هذه المرحلة، بدلا من أن تكون راية ينضوي تحت لوائها الشعب الفلسطيني ومقاومته في سبيل تحرير أرضه واسترداد حريته.
وكان الأمل كبيرا أن تستمر التجربة الديمقراطية في فلسطين، والتداول السلمي للسلطة، اثر فوز حماس في انتخابات 2005 وتشكيلها للحكومة. لكن سرعان ما تم إجهاض هذه التجربة، وتم تقسيم الأرض الفلسطينية إلى الضفة الغربية التي أصبحت تحت سيطرة فتح، وقطاع غزة الذي أصبح تحت سيطرة حماس، وكأنها إقطاعاتهم الشخصية!
وكم هو بليغ وعميق صرخة أم الشهيد، التي عبرت عن غبطتها وكبريائها، باستشهاد ابنها في عملية عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي المحتل، وبأنه «لم يمت في الاشتباكات المخزية بين حماس وفتح»، والتي راح ضحيتها مئات الفلسطينيين. ومازال الصراع والقتل الفلسطيني- الفلسطيني مستمرا حتى الآن. مما يضيف بعدا مأساويا لكوابيس الصهيوني على الفلسطينيين.
يضاف إلى كوابيس الصهيوني، وكوابيس الزعامات، الواقع العربي المخزي، واعتراف الأنظمة العربية بشرعية إسرائيل، وإقامة علاقات معها بشكل مكشوف أو سري.
مروان عبد الرزاق
*الكتاب:كوابيس الفلسطينيين
*الناشر:دار الطليعة ـ بيروت2007
*الصفحات:128 صفحة من القطع المتوسط

