هؤلاء الذين يبدأون حديثهم بـ «أنا» ثم يكملونه بـ «لولاي» وينهونه بـ «النصائح» وصلت ذاتهم المتضخمة إلى صفحات الكتب ، حيث تحولت آلاف الصفحات إلى ذات متضخمة تنبش في الشخصي والفردي وتحوله كتابة سرعان ما يسقط خريف النقد أوراقها فيعريها وكأنها شجرة يابسة في شتاء الأدب ، وقد بوّب النقاد كثيراً من الفصول للحديث عن تضخم الذات في الكتابة ، وكان لأبي الطيب المتنبي نصيب الأسد في صعود الأنا إلى درجة الندية مع الملوك والسلاطين.

لكن المتنبي عاش في زمن آخر ، ولا يقاس طموحه العالي بأيامنا هذه ، لذلك عندما تتضخم الأنا تتراجع المعرفة ويقل الفن ، وعندما يبدأ الأشخاص حديثهم بكلمة «أنا» يقل اهتمام الناس بما يقولون.

وقد قامت إحدى الشركات الهاتفية في نيويورك بدراسة لمعرفة أكثر كلمة متداولة في الأحاديث الهاتفية كان هناك ( 3990 ) مكالمة من بين (5000 ) مكالمة استخدمت فيها مرات عديدة كلمة انا أو أنا نفسي أو أنا شخصيا.

وإلى ذلك نصح خبراء اذا أردت ان يسخر منك الناس تحدث عن نفسك وأستعن بقول قديم إذا أردت من الناس ان يستمعوا إليك تحدث عن نفسك وإذا أردتهم ان يحبوك حدثهم عن أنفسهم.

لكن هل يصغي أدباء الذات المتضخمة إلى نصائح الخبراء وهل يعرفون طريقا إلى القراء سوى بالحديث عن أناهم العالية ، ولو افترضنا ان الكتابة تصدى لها نقاد وبينوا فيها الورم الذاتي ووصفوا لها جرعة كبيرة من عقار التواضع ، من يتصدى لهؤلاء الذين يبدأون حديثهم بـ «أنا » ، وكلما وجدوا أُذنا صاغية جادت قريحتهم بالاستزادة و الإكثار من بطولاتهم الكلامية حتى يصبح الوقت ثقيلا لا يعرف المرء كيف يمر بطيئا كسلحفاة ، و لا يجد مفرا من تغير الحديث أملا في توقف محدثه ، لكن هيهات فلكل موضوع لديه حكاية كان هو بطلها ، والأدهى من ذلك ان تلك الحكايات تتحول إلى كتب ويظهر ناقد في أفق ما ليقودها في غابة شتوية عمياء.

كلما تضخمت الأنا لا يتراجع الفن فقط بل تتراجع قيمة الكتابة وتصبح عبئا على الأرفف فلا أحد يقرأها ولسوف يعلوها الغبار وتطويها الأيام .

hussain@albayan.ae