«كانوا يجمعوننا ويطلقون النار علينا كالحيوانات! ويرسلوننا إلى معسكرات العمل بحراسة هراطقة. ويصرخ فينا رجل، له وجه ثور ووشم أزرق للسيدة العذراء على ساعده»، ذلك ما كانت ترويه إحدى بطلات الروائية والصحافية الأميركية الكوبية الأصل كريستين غارسيا، التي تناولت حياة المنفى والكوبيين في كافة أعمالها، والتي على الرغم من قلة إنتاجها اعتبرت من أهم الأصوات الأدبية الكوبية الأميركية في الولايات المتحدة.
ولدت غارسيا في 4 يوليو عام 1958 في هافانا في كوبا، وانتقلت مع والديها عام 1961 إلى مدينة نيويورك. وبعد حصولها على الماجستير في العلوم السياسية عام 1979، ومن ثم دراساتها العليا للعلاقات الدولية، أمضت عاما في إيطاليا وعملت في أوروبا لمدة ثلاثة أشهر. بعد عودتها إلى الولايات المتحدة اختارت الصحافة مهنة لها، وفي عام 1983 عملت في مجلة تايم كمحررة وباحثة ومن ثم مراسلة لتتوقف عن العمل عام 1990 للتفرغ لكتابة الأدب. أول رواية نشرت لها كانت «الحلم الكوبي» عام 1992 وقد أثارت انتباه النقاد وترحيبهم ورشحت لجائزة ناشيونال بوك. عاشت بعد ذلك صراعا مع نفسها لمدة عامين في محاولة لكتابة رواية جديدة وقيمة، وحينما تخلت عن الفكرة بدأت بكتابة روايتها الثانية «أخوات أوغيرو» التي نشرت عام 1997، ونالت عليها جائزة كافكا الأدبية. وتتحدث فيها عن تاريخ وحياة أختين فرق بينهما المنفى، لتلتقيا من جديد بعد مضي ثلاثين عاما ولتستعيدا ذكريات الماضي وتاريخ العائلة. كما تبين بأنها استلهمت موضوع هذه الرواية من خلال زيارتها ولقائها بقريبة والدتها في ميامي سيما حينما انتهت صداقة الأم والقريبة بشكل مفاجئ وسييء.
وعلى الرغم من اعتبارها أحد الأصوات الكوبية الأميركية المبدعة وذات المصداقية، إلا أنها تجد صعوبة في التواصل مع الكوبيين سواء في وطنها الأم أو في المنفى فلوريدا، ومن ضمن اعتراضاتهم كتابتها بالانجليزية وعدم مشاركتها في الأنشطة المعارضة لكاسترو.
أما روايتها الثالثة «صيد القردة» التي نشرتها عام 2003 فقد حققت نجاحا كبيرا، وتتمحور حول تجربة شاب صيني مهاجر يقيم في هافانا، حيث ترفض وتستهجن جاليته عدم انتمائه لها وانفتاحه على وطنه الجديد. وتتناول الكاتبة في هذا العمل شخصيات من خمسة أجيال وثلاثة بلدان.
وتميزت غارسيا التي تعيش مع ابنتها في كاليفورنيا، بلغتها الشعرية المختزلة وسردها المحكم، ومن الجوائز التي حصلت عليها أيضا جائزة وايتينغ للكتاب عام 1996.
وتتناول في روايتها «الحلم الكوبي» الاغتراب والحنين إلى الوطن والماضي والرغبة الملحة في الانتماء، عبر ثلاثة أجيال من النساء الكوبيات ممن فرقت بينهن ثورة كاسترو سواء على صعيد المكان أو الفكر أو الروح. وهكذا يدخل القاريء في عوالم متباينة متناقضة بنيت أحداثها على خلفية كوبا السياسية والاقتصادية وصراع الشخصيات في كل جانب منها، وإن كان القاسم المشترك بينها جميعا الحنين، والفاصل أوجه الاغتراب.
ومن الجيل الأول الأم سيليا ديل بينو التي رحبت بنجاح ثورة فيديل كاسترو وكانت من المؤيدين المتحمسين له، وذلك بعكس ابنتيها فيليسيا التي بقيت في كوبا بينما هاجرت لوردس مع زوجها وابنتها بيلار عندما كان عمرها عامان والتي تمثل الجيل الثالث.
وتعالج في هذا العمل الحالة الإنسانية الداخلية والخارجية لكل من تلك الشخصيات، من خلال السرد بضمير الغائب باستثناء رسائل سيليا الغرامية، وهي الأم التي على الرغم من تقدمها في العمر مازالت تقوم بدوريات حراسة على امتداد الشاطيء المجاور لبيتها تحسبا من أي هجوم من قبل أعداء الثورة، إلى جانب كتابتها رسائل رومانسية إلى حبيبها الاسباني غوستاف الذي عشقته في صباها ولم تنسه بعد رحيله وانقطاع أخباره، واستمرت في الكتابة إليه طيلة السنين محدثة إياه عن حياتها وأخبارها ومن ثم الاحتفاظ بتلك الرسائل بعد حزمها بشريط من الدانتيل.
وفي حين كانت فيليسيا غير المبالية بالسياسة تعيسة وتصاب بنوبات هستيريا بعد أزمة وفاة زوجها الثالث الذي صعقته الكهرباء، فإن لوردز تعاملت مع الظروف بواقعية وعملية كانت تفخر بها، إذ رفضت نظام كاسترو واختارت الولايات المتحدة منفى لها.
وفيه فرضت على نفسها التأقلم والبحث عن جذور جديدة مع عدم السماح لذاكرتها باسترجاع الوطن. وعلى الصعيد العملي حققت نجاحا في تأسيس سلسلة من المخابز الصغيرة في نيويورك، وكانت حياتها تسير كما خططت لها، إلا أنها لم تستطيع التغلب على أمرين أولهما ولعها الشديد بحلوى المعجنات الشائعة في بلدها الأم والتي زادت من وزنها بصورة قياسية، وثانيهما استنزافها العاطفي لزوجها، ولكأنها من خلال الحلوى وشريكها تحاول استرجاع وطنها البعيد.
وكما يحكم البرود العلاقة بين الوالدة سيليا وابنتيها، كذلك الأمر بين لوردز وابنتها بيلار التي وجدت نفسها في فن الرسم ومن ثم الموسيقى، والتي كانت هي أيضا تتمرد على المحيط من خلال مشاحناتها الدائمة مع والدتها، وعلى الرغم من إحساسها بأن نيويورك هي بلدها ووطنها إلا أن كوبا مازالت مطبوعة في ذاكرتها، وكان الحنين إليها وإلى جدتها يغزوها بين الحين والآخر.
أما اغتراب فيليسيا فكان من خلال انحسارها عن محيط بيئة مجتمع كوبا الجديد، وانسحب هذا الأمر على علاقتها بابنها أيضا على الرغم من حبها الشديد له. كانت تعيش في صراع دائم بين كوبا القديمة بجموح مشاعرها وتطيرها وطقوس سحرها، وبين كوبا الحديثة حيث حكم عليها وعلى شقيقتها في بداية الثورة بدخول معسكر العمل.
وبعد تأزم نوباتها اتجهت إلى الدين وتصوفت. وفي النهاية تنجح بيلار الحفيدة في إقناع والدتها بضرورة زيارة الوطن ولم الشمل.
ومما ساهم في إنجاح هذا العمل موقف الكاتبة الحيادي، إذ قدمت حياة هؤلاء الناس بفرحهم وحزنهم وبنجاحهم وفشلهم ومواطن ضعفهم وقوتهم من دون أي نقد أو تعليقات تذكر.

